الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد:
كتيباً مفيداً اسمه "الأجوبة المفيدة لمهمات العقيدة"على شكل أسئلة وأجوبة مبسطة ليسهل فهمه ودراسته.
يجد القراء أسئلة يكثر العلمانيون والفَسَقَةُ من إثارتها كقولهم:
• إرادة الشعب من إرادة الله.
• الدين أفيون الشعوب.
• الدين سبب الطائفية والشقاق.
• الدين لله والوطن للجميع.
ردود من القرآن والسنة وأقوال علماء خير القرون، ثم يهتك ستار الباطل بأدلة عقلية مقنعة، وأسلوب ممتع شيق، وعبارة سهلة مبسطة.
هذه مشاكل شبابنا التي تشغل باله وعلينا أن نتصدى لحلها، ونرشد أبناءنا إلى الطريق المستقيم، طريق الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء، وحسن أولئك رفيقاً.
ويسرنا أن نقدم الكتاب في شكل جديد، ونرجو أن ينفع الله به شباب هذه الأمة، ويجعله في صحائف أعمال كاتبه.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
(الأجوبة المفيدة لمهمات العقيدة )
س) ما هو التوحيد؟
ج) هو واجب الله على بني الإنسان، أي يعبدوه ويوحدوه في ألوهيته وربوبيته ولا يشركوا به شيئاً، لقوله تعالى {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُون ِ).
س) ما هي فائدة التوحيد والنتيجة الحتمية من تحقيقه؟
ج) تحرير النفوس من رق العبودية لغير الله وتزكيتها بطاعته وشرف أخلاقها وعفة جوارحها، بالتزام حدوده، واتقاد نار الغيرة والغضب لله نصحاً وإخلاصاً له وصدقاً معه، بحيث تندفع به إلى جهاد أعدائه، فينصرها الله كما كتب على نفسه بذلك حقاً تكرماً منه وفضلاً )وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ) .
س) ما معنى العبودية؟
ج/ لها معنيان:
1- عبودية كونية.
2- عبودية شرعية.
س) ما هي العبودية الكونية؟
ج) العبودية الكونية يدخل فيها جميع الخلائق مؤمنهم وكافرهم، حتى إبليس اللعين القائل {رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ}، وقال تعالى {أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّداً لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ} .
س) ما هي العبودية الشرعية؟
ج) العبودية الشرعية: هي التي من أجلها أرسلت الرسل وأنزلت الكتب، واعترف إبليس بأن ليس له سلطان على أهلها بقوله {إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ}.
س) من هم عباد الله المخلصين؟
ج/ هم القائمون بجميع شرائع الإسلام قولاً وعملاً وتبليغاً، وهم الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر المتواصون بالحق والصبر والحافظون لحدود الله.
س) ما هو المفهوم الصحيح للدين؟
ج/ الدين بمعناه الصحيح هو ما كان خالصاً لله وعلى وفق أمره وذلك:
1- بأن لا يكون المرء عبداً إلا لله، حيث يكون جميع سعيه وحركاته وسكناته لله رب العالمين.
2- ألا يعبد الله إلا بما شرع، فلا يعبدوه بالأهواء والبدع، فيخرج عن الصراط المستقيم وينخرط في سلك المغضوب عليهم الذي تنكبوا عن الحق بعدما عرفوه، فابتغوا غير الله حكماً وشرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله، أو ينخرط في سلك الضالين الذين جهلوا الحق ولم يطلبوه من مصدره فاتبعوا خطوات الشيطان.
ولهذا أوجب الله على عباده قراءة سورة الفاتحة في كل ركعة من ركعات صلاتهم، لأنهم يسألونه فيها الهداية إلى الصراط المستقيم ويتضرعون إليه بإخلاص العبادة له والاستعانة به، فهي كعهد يجدده المسلم مع ربه كل ما يقف بين يديه.
)س ما هو الصراط المستقيم؟
ج) هو صراط الله الذي لا عوج فيه، ذلك الصراط الذي رسمه لجميع عباده في كتابه وعلى لسان رسله عليهم السلام.
س) هل بين دين الأنبياء تفاوت؟
ج) ليس بينهم تفاوت في أصل الدين والعقيدة قال صلى الله عليه وسلم: (إننا معشر الأنبياء أبناء علات وديننا واحد)، فدين الأنبياء والمرسلين جميعاً "الإسلام".
قال نوح {فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ} .
وقال إبراهيم في سورة الأنعام {وَجَّهْتُ وَجْهِيَ... وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} .
وقال يوسف داعياً ربه {تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ}
وقال الله في إبراهيم {إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} .
ووصى إبراهيم بنيه ويعقوب {يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} .
وقال موسى {يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ} .
وحواريوا عيسى قالوا {آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ}
وعيسى أوصى بذلك فقال {إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ} .
فالذي يزعم إنه مسيحي ولا يؤمن بمحمد ويتبع الإسلام هو مكذب بعيسى، ولذلك يطالب بالإسلام أو دفع الجزية عقوبة على تكذيبه لنبيه، وكذلك من زعم إنه يهودي.
س) ما هو الإسلام؟
ج) هو الاستسلام لله بالتوحيد، والانقياد له بالطاعة، والخلوص من الشرك.
س) ما هو الشرك؟
ج) هو أن يجعل الإنسان ندا من دون الله أيا كان من حجر أو شجر أو بشر حياً أو مقبوراً يتألهه بأي نوع من أنواع العبادة، من حب وتعظيم ودعاء أو رجاء أو خوف أو إنابة أو خشية أو ذبح أو نذر أو استغاثة أو غير ذلك، وكذلك الاحتكام إلى غير حكم الله رغبة أو قبولاً لما أحله الأحبار والرهبان أو الرؤساء السياسيون أو الروحانيون.
كما ورد في حديث عدي بن حاتم المشهور حينما قال للنبي صلى الله عليه وسلم: (إنا لم نتخذهم أرباباً)، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (أو ليس يحلوا لكم الحرام فتستحلوه ويحرموا عليكم الحلال فتحرموه وتطيعوهم بما يأمرون؟، قال: بلى، قال: (فتلك عبادتهم).
س) ما معنى الله والرب؟
ج/ الرب: هو المربي والمالك.
ويطلق على الله جل وجلاله لأنه المالك الرزاق المتصرف الخالق الوهاب المربي لجميع خلقه بنعمه الظاهرة والباطنة والمنمي فيهم جميع القوى والأحاسيس والحافظ لهم حفظاً شاملاً.
والإله هو الذي تألهه القلوب بالحب والإجلال والتعظيم، ولذلك كان التأله لغير الله شركا.
س) ما الذي يلزم من ذلك؟
ج) يلزم أن يكون ملكاً مطاعاً من جميع خلقه.
إذ لا يليق بجلاله وعظيم جنابه أن يترك الخلق سدى وهملاً، فلا بد أن تكون فيه صفات الملوكية الكاملة من الأمر والنهي والتشريع وضبط الخلق بحدود ونظام، وأن يبعث الرسل وينزل الكتب ويقيم الحجة عليهم، كي ينتقم من أصحاب المخالفات بشتى عقوباته المتنوعة - العاجل منها والآجل -
بل هو أيضاً مالك الملك، يؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء ويعز من يشاء ويذل من يشاء، كما نص على جميع ذلك في القرآن.
س ) ماهي أصول التوحيد
ج) هي ثلاثة :
1-معرفة العبد ربه
2- ودينه
3- ونبيه صلى الله عليه وسلم
س) ما هي أقسام هذا النوع؟
ج/ ثلاثة أيضاً:
1- توحيد الربوبية.
2- توحيد الألوهية.
(3) توحيد الأسماء والصفات.
س) كيف يعرف الإنسان ربه؟
ج ) يعرفه بآياته ومخلوقاته وآثار قدرته الظاهرة في كل شيء، وسلطته القاهرة لكل شيء، ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر، ومن مخلوقاته السماء والأرض وما بث فيهما من دابة، وما أودع لنا فيهما من كل مادة وسخر لنا من البحار والأنهار وما هيأه من وسائل الرزق في جميع ذلك.
س) ما هو توحيد الربوبية؟
ج) هو توحيد الله بجميع أفعاله من الخلق والرزق وإنزال المطر والأمانة والإحياء وتسخير جميع الأفلاك وإمساك السموات والأرض من الزوال.
وهذا النوع من التوحيد يعترف به اليهود والنصارى وجميع الملل، كما أعترف به كفار قريش وغيرهم، فلم ينفعهم إعترافهم، لأخلالهم بالنوع الثاني وإشراكهم فيه، مما أبيح قتالهم لأجله وأبيحت أموالهم وسبيهم.
س) ما هو توحيد الألوهية؟
ج) هو توحيد الله من عباده بجميع ما يفعلونه مما ينوبهم، ومما شرع لهم من العبادات التي تعبدهم بها.
وهذا النوع هو الذي جحده الكفار وخاصموا رسلهم من أجله.
فأوجب الله جهادهم وأباح دمائهم وأموالهم لإخلالهم بهذا الواجب العظيم الذي عليه مدار التوحيد، وأمر الله رسوله والمؤمنين إلى يوم القيامة أن يقاتلوهم ويحصروهم ويقعدوا لهم كل مرصد حتى يقيموا هذا الأصل العظيم بحب وإخلاص.
س) ما هو توحيد الأسماء والصفات؟
ج) هو الإيمان بكل ما ورد في القرآن الكريم والسنة المطهرة من صفات الله تعالى؛ صفات ذاته وأفعاله.
بأن نصفه بها كما وصف نفسه وكما وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم بلا تكييف ولا تعطيل ولا تشبيه ولا تمثيل ولا تحريف ولا تأويل.
لأن ذلك خروج بها عن حقيقتها إلى الميل والالحاد في معانيها، والله يقول {وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} فجعلهم الله مفترين بذلك.
س) ما هي العبادة؟
ج) هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه قولاً وعملاً، وتحقق بامتثال أوامره واجتناب نواهيه وتعظيم شعائره والوقوف عند حدوده عموماً.
س) ما هي أنواع العبادة؟
ج) هي كثيرة، ومن أهمها: الدعاء والإنابة والخوف والرجاء والخضوع والرغبة والرهبة والاستعانة والاستعاذة والاستغاثة والتوكل والتأله بالمحبة والتعظيم والذبح والنذر والصلاة والصدقات والصوم والحج والجهاد وغير ذلك.
فيجب الإخلاص لله بجميع ذلك.
ومن صرف شيئاً منها لغير الله فهو مشرك غير محقق للإخلاص ولا ملتزم بمدلول الشهادتين، كما سيأتي.
س) ما هو الدليل على ذلك؟
ج) دليل الدعاء قوله تعالى {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً}، {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ}.
ودليل الإنابة قوله تعالى {وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ}. ودليل الخوف والرجاء قوله تعالى {وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ}، وقوله {فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ}. ودليل الخشية قوله تعالى {فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ}، {وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ}. ودليل الخشوع والرغبة والرهبة قوله تعالى {وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ}، ومن السنة حديث حصين بن المنذر المشهور إذ سأله النبي صلى الله عليه وسلم قائلاً (كم اإلهاً تعبد؟)، قال: سبعة، ستة في الأرض وواحد في السماء، فقال له الرسول: (فمن لرغبتك ورهبتك؟)، قال: الذي في السماء. ودليل الاستغاثة والاستعانة قوله تعالى {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}. ودليل الاستعانة قوله تعالى {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ}، {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ}. ودليل التوكل قوله تعالى {وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ}. ودليل التأله بالمحبة قوله تعالى {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ..}. ودليل الذبح والنذر والصلاة والنسك قوله تعالى {قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ..}، وقوله صلى الله عليه وسلم: (من ذبح لغير الله فقد أشرك)، وتحريم القرآن ما أهل لغير الله به من ذبح أو نذر وصفه الله في سورة الأنعام بأنه (رجساً أو فسقاً).
س) ما حكم من غايته في هذه الحياة جمع المال والتباهي بالأثاث والقصور وإشباع الشهوات؟
ج) أوضح الله حكمه على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم وجعله عبداً لما أحب ودعى عليه بقوله: (تعس عبد الدرهم تعس عبد الدينار تعس عبد القطيفة تعس عبد الخصيمة، تعس وانتكس، وإذا شبك فلا أنتفش). وقال تعالى {وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ} وقال {وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ * الَّذِي جَمَعَ مَالاً وَعَدَّدَهُ} . والنصوص في ذلك كثيرة.
س) ما هو واجب المسلم أمام الله؟
ج) واجبه أن يعتبر نفسه خليفة لله في أرضه، جندياً له فيها، يسعى بالصلاح والإصلاح، ويبذل غاية جهده وما يملك لتكون كلمة الله هي العليا وكلمة الكفر هي السفلى. ويعتبر نفسه مسؤولاً أمام الله عما يحدث في الأرض من كفر وظلم وفساد، فيكرس جميع مجهوده للاستعداد بالقوة وتسخير جميع ما يقدر عليه من المواد في جميع العوالم لهذا الغرض السامي النبيل، الذي ينقذ به البشرية من الضلال والدمار والانحلال ويحررها من عبودية بعضها البعض ويزكي نفوسها بالتقوى والصلاح. غير متلبس بالأثرة ولا طامع في منصب أو لقب، وهذا هو مبدأ الرسل ومن سار على منهاجهم، متبعاً لهدى الله. ومن أنحرف عنه أو قصر فيه كان مفرطاً في جنب الله خارجاً من طاعته مفترياً عليه، ومتعرضاً لعقوباته الشرعية والقدرية.
س) ما هي عقوبات الله الشرعية؟
ج) هي ما شرعه من إقامة الحدود والقصاص والتعازير، من رجم الزاني أو جلده وقطع يد السارق أو تعزيره ونفي المحاربين والمفسدين أو قطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو صلبهم أو قتلهم معه، إلى غير ذلك من التعازير العامة.
س) ما هي عقوبات الله القدرية؟
ج) هي ما يعاقب به أصحاب المخالفات الذين لم يطهروا منها بإقامة الحد أو التعزير أو الإنابة إلى ربهم، بشتى العقوبات الدنيوية المادية والمعنوية من الخوف والإزعاج المروع والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وإنزال الجوائح السماوية والأرضية من صواعق وأعاصير وزلازل وبراكين. وتسليط البعض على البعض نهباً وإرهاباً وقصفاً ورمياً وإبادة، كما هو المشاهد المحسوس، وحرمان العلم النافع وحرمان الرزق أو محق بركته، وسلب العبد ألقاب المدح والشرف وإبدالها بالعكس، وإعماء بصيرته، والنقص من عقله. وإنسائه لنفسه كما نسي ربه، وجعله ينفق أمواله فيما لا طائل تحته من الإسراف والبذخ وصرفها في الشهوات المهلكة، التي تجعل عدوه يتقوى عليه بما يصرفه ويبذره من المال، حتى يتسلط عليه فيغلبه لشدة تفريطه. وغير ذلك من إزالة نفوذه حتى على أولاده وأهله الذي ينفق عليهم ويكدح من أجلهم، وإذهاب الغيرة المحمودة من قلبه، تلك الغيرة التي هي صلاحه وفلاحه بحيث يفقدها كالحيوان أو كالديوث من حيث لا يشعر، وتسليط شياطين الجن والإنس عليه وتعريضه للفتن.
إلى غير ذلك مما وقع به المفرطون في جنب الله في هذا الزمان.
س) هل يكتفي من عبادة الله بشيء دون شيء؟
ج) عبادة الله شاملة لجميع نواحي الحياة لا يجوز للمسلم المؤمن أن يقتصر منها على نوع دون نوع أو ناحية دون ناحية.
بل يجب أن يحقق عبودية الله ويطبق شريعته على نفسه في كل شأن وميدان، في المسجد والمنزل والطريق والسوق والمصنع والمتجر والدائرة والمؤسسة والحضر والسفر.
وأن يكون مستقيماً على طاعته والتزام حدوده في منشطه ومكرهه وعسره ويسره ملتزماً للحق في حال الغضب والرضا والفقر والغنى.
فمن أخذ بشيء في وقت وطرحه في وقت أو عمله في مكان وتركه في مكان أو قدم على شريعة ربه ما تهواه نفسه أو يميل إليه من أوضاع البشر الذين يحبهم ويقلدهم فهو مشرك في هذه الناحية مخل بعبودية الله بحسب ذلك.
س) ما هو أول ما فرض الله عليك أيها المسلم؟
ج) هو الكفر بالطاغوت والإيمان بالله.
والدليل قوله تعالى {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ}، وقوله {فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}.
س) ما هو الطاغوت هل هو علم على شخص معين أو هو اسم جنس؟
ج) ليس علماً على شخص معين، بل هو أسم جنس يتناول كل من اتصف بصفة الطاغوت.
والطاغوت في أصل اللغة مشتق من الطغيان، وهو مجاوزة الحد، يقول العرب: (طغى السيل) إذا جاوز ماؤه حافتي الوادي وفاض من بين جوانبه، (وطغى الماء) إذا ارتفع مده وفيضانه عن قامة الإنسان بحيث يغرقه، كقوله تعالى {إِنَّا لَمَّا طَغَا الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ}.
فكل من تجاوز حده المأمور به شرعاً والمخلوق لأجله فهو طاغوت،
فكل من شرع له من الدين ما لم يأذن به الله ودعى الناس إليه فهو طاغوت.
وكل من عبد من دون الله وهو راض فهو طاغوت، فإن كان المعبود حجراً أو شجراً أو قبر صالح، فالطاغوت الشيطان المزين لهم ذلك، والذي قد يتكلم ويخاطب الزائرين الداعين له أحياناً ليفتنهم فيه ويغويهم عن التوحيد.
وكذا من حكم بغير ما أنزل الله فهو طاغوت، ومن دعا إلى بدعة أو انتحل مذهباً أو مبدءاً مخالفاً لملة إبراهيم وشريعة سيد المرسلين فهو طاغوت.
وتزداد شناعة الحكم عليه بحسب قوته ودعوته إلى ذلك والتسلط على الناس لتنفيذ مذهبه وتعزيز مبدئه، أو تسلطه على الناس بتحليل ما حرم الله وعكسه بقوة القهر والدعاية المغررة، فهو طاغوت أيضا، وهكذا.
س) ما هو عمود الدين؟
ج) هو الصلوات الخمس التي فرضها الله على عباده، وجعلها بمثابة وجبات من الغذاء الروحي تتقوى بها صلتهم بربهم، ويزداد بسببها تأثرهم بقراءة القرآن، فتقوي عزيمتهم وينشطون في القيام بنصرة الله.
س) ما هي ذروة السنام من الدين؟
ج) هي الجهاد في سبيل الله لإعلاء كلمته وقمع المفتري عليه تعظيماً لجنابه وغيرة على محارمه وغضباً لانتهاك حدوده.
س) كم أركان الإسلام؟
ج) بني الإسلام على خمس:
(1) شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله.
(2) وإقام الصلاة.
(3) وإيتاء الزكاة.
(4) وصوم رمضان.
(5) وحج البيت الحرام للمستطيع.
س) هل ينفع الإنسان بمجرد النطق بالشهادتين دون العمل بشيء من شعائر الدين؟
ج) مجرد النطق بالشهادتين يعصم دم الإنسان وماله ويكون بها مسلماً ظاهراً.
لكن فيما سوى ذلك لا ينتفع في حياته أو بعد مماته منفعة مثمرة، حتى يستكمل شروطها التي تدفعه إلى الإتيان بباقي الأركان وإقامة شعائر الدين وتحقيق الجهاد، بجميع أنواعه المطلوبة أو بعضها.
وقد يقتل شرعاً على الإخلال ببعض الأركان أو ارتكاب بعض المعاصي بحكم الردة أو الحد أو التعزير.
س) أوضح لي الشرط الأول باختصار؟
ج) هو العلم بمدلولها الذي يقتضيه جميع معاني توحيد الألوهية السابق ذكره.
كما يقتضي أيضاً محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم وتعظيمه صلى الله عليه وسلم وطاعته والاقتداء بهديه، والاندفاع لنصرة ما جاء به من الحق بجميع القوى والماديات.
س) ما معنى الشرط الثاني؟
ج) هو النطق بهما عن يقين يطمئن قلبه إليه، دون تسرب شيء من الشكوك التي يقوم ببذرها شياطين الجن والإنس.
س) ما معنى الشرط الثالث؟
ج) هو قبول جميع ما يلزم من مدلوهما.
بحيث يقبل الناطق بهما جميع ما ورد من الله على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم دون رد شيء منه، أو الجناية عليه بالتأويل الفاسد، الذي وصفه الله بأنه تحريف للكلم عن مواضعه.
س) ما معنى الشرط الرابع؟
ج) هو الانقياد لحكم الله الذي اعترف بحصر الألوهية له في هذه الشهادة، والاستسلام لجميع شرعه الوارد في كتابه وسنة نبيه كما يستلزم ذلك.
دون ترك شيء منه إنكاراً أو تهاوناً بحجة المتكاسل الكاذب.
س) ما معنى الشرط الخامس؟
ج) هو أن تصدر منه جميع الأقوال والأفعال خالصة لوجه الله وإبتغاء مرضاته، ليس فيها شائبة رياء أو سمعة أو قصد نفع أو غرض شخصي أو شهوة نفسية ظاهرة أو خفية، أو الاندفاع إلى العمل لمحبة شخص أو مذهب أو مبدء يستسلم له بغير هدى من الله، أو يؤثر محبة غيره على طاعته.
لأنه بذلك يكون مشركاً، كما أن من استسلم لله ولغيره كان مشركاً، والعياذ بالله.
س) ما معنى الشرط السادس؟
ج) هو الصدق مع الله الذي اعترف بحصر الألوهية له في هذه الشهادة، وهو توحيد الإرادة.
وذلك ببذل الجهد في طاعة الله وإمتثال أوامره وحفظ حدوده والغيرة على حرماته والغضب له والانتصار لدينه، دون تهاون أو فتور.
إذ من نطق بها دون العمل بذلك كان منافقاً مخادعاً لله ورسوله والمؤمنين، أو مشرك عابد لشيطانه وهوى نفسه، وقد كذب قوله بعمله وسوء خطته.
فلذا كان الكذب في أصل العقيدة نفاقاً، سواء كان الكذب لفظياً أو عملياً، بل الكذب العملي أشد وأفظع.
س) ما معنى الشرط السابع؟
ج) هو النطق بها عن محبة مقرونة بالإجلال والتعظيم.
كما يستلزمه حصر التأله لله جل وعلا في هذه الشهادة، وذلك بالقيام بجميع شروط المحبة ولوازمها التي لا تنفك عنها، بين المحب والمحبوب شرعاً وعقلاً.
س) ما هي شروط المحبة ولوازمها؟
ج) هي:
(1) موافقة المحبوب فيما يحبه ويرضاه.
(2) ورفض ما يكرهه أو يسخطه.
(3) ومحبة أحبابه وبغض أعدائه.
(4) وموالاة من والاه ومعاداة من عاداه.
(5) والقيام بنصرته والسير فيما رسمه عن حب وإخبات.
فمن عكس هذه الأمور ولم يوافق محبوبه فيها، فهو كاذب في محبته، وليس عنده من المحبة سوى الدعوى الفاجرة.
س) ما الدليل على ذلك؟
ج) هو واضح في النقل، ويؤيده العقل، كالشمس في رابعة النهار، إذ من أدعى محبة أحد وهو مخالف له فيما يحب أو ساع فيما يكره فدعواه واضحة للبطلان.
كذلك من أدعى محبة أحد وهو محب لأعدائه أو موال لهم أو مبغض لأحبابه أو معاد لأوليائه فكذبه ظاهر مكشوف، هذا دليل عقلي ظاهر منضبط.
والدليل من النقل: قوله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْأِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ * قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ}، {لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ..}، وقوله {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ..}.
والنصوص في ذلك كثيرة من الكتاب والسنة.
س) ما هو جماع ما تقدم؟
ج) جماع الأمر فيما تقدم هو أن الناطق بالشهادتين معاهد لربه أن لا يتأله أحداً بأي نوع من أنواع العبادة، ولا ينقاد لحكم غيره، ولا يسير في الحياة على خلاف ما شرعه الله ورسوله
فمن أحب غير الله معظماً مستسلماً لحكمه منفذاً لنظامه منقاداً لتشريعه، أو عطل حدود الله ولم يقم بأوامره ويحافظ على شريعته فهو خائن لله ورسوله، ناقض لهذا العهد العظيم، قاطع صلته بحبله المتين.
وفي ذلك يقول الله عز وجل {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} .
س) هل يكتفي من محبة الله ورسوله بأصل الحب؟
ج) كلا ثم كلا.
فجميع ما ذكر مرتكز على أنه لا بد أن يكون الله ورسوله أحب إلى المسلم مما سواهما، بل أحب إليه من نفسه وولده ووالده والناس أجمعين.
س) ما ملة ألوهيته المأمورون باتباعها؟
ج) هي الحب في الله والبغض في الله والموالاة في الله والمعاداة فيه وإيثار محبته وطاعته على محبة النفس وحظوظها.
ولذلك لما أمتحن الله إبراهيم بذبح ولده الذي رزقه إياه عند الكبر في وقت غاية حبه، انقاد واستسلم لحكم الله، فرحمه وجازاه بالخلة، وفدى ابنه بذبح عظيم، وترك له الذكر الحسن، وجعل في ذريته النبوة والكتاب.
س) ما الدليل على ذلك؟
ج) قوله تعالى {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ * إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ * وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}، وقوله {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ...}، إلى قوله {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ}.
فجعل الله من لم يتأسى بهم متولياً عن هديه معرضاً عن ملته.
فليحذر عباد الله من ذلك.
س) ما هو جماع ما تقدم؟
ج) جماع الأمر فيما تقدم هو أن الناطق بالشهادتين معاهد لربه أن لا يتأله أحداً بأي نوع من أنواع العبادة، ولا ينقاد لحكم غيره، ولا يسير في الحياة على خلاف ما شرعه الله ورسوله.
فمن أحب غير الله معظماً مستسلماً لحكمه منفذاً لنظامه منقاداً لتشريعه، أو عطل حدود الله ولم يقم بأوامره ويحافظ على شريعته فهو خائن لله ورسوله، ناقض لهذا العهد العظيم، قاطع صلته بحبله المتين.
وفي ذلك يقول الله عز وجل {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} .
س) ما حكم من خضع لبعض الطواغيت واستسلم لتشريعاته مستحسناً لها؟
ج) هو مخل بتوحيد الألوهية مناقض لملة إبراهيم عليه السلام ولا ينتفع مع استحسانه وقبوله وتنفيذه لمذاهب الطاغوت بشيء من أعماله.
كما قال تعالى {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ * وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ، عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ * تَصْلَى نَاراً حَامِيَةً}، وغير ذلك من الآيات.
س) بأي شيء يرتفع الإنسان عن مستوى البهائم؟
ج) يرتفع إذا زكى نفسه بطاعة الله وشرفها بحمل رسالته وأخذ كتابه بقوة، والقيام بنصرة دينه ونشر شريعته، والوفاء بعهده، وحسن التصرف فيما أنعم الله به عليه من الجوارح والأحاسيس والقوى وسائر النعم، باستعمالها في مرضاته وإعلاء كلمته وقمع المفتري عليه.
فإن هو دس نفسه بالمعاصي وأساء التصرف فيما أنعم الله عليه ونبذ كتابه وراء ظهره وتقاعس عن أداء واجبه وحمل رسالته، فقد شابه البهائم.
ولذا شبه الله هذا النوع بالكلب والحمار، وقال تعالى {إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً}، {أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ}، وشبه المنسلخ من آياته بالكلب، وشبه غير المنتفع بها بالحمار الذي يحمل الكتب دون أن يستفيد.
س) هل يجوز الاحتجاج بالقدر؟ وما حكم المحتج؟
ج) لا يجوز الاحتجاج بالقدر، إذ هو من خصال المشركين الذين قالوا {لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ..}.
وإنما يجب التسليم لله في المصائب، والتوبة والاستغفار من الذنوب والمعائب، قال تعالى {فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ}.
والمحتج بالقدر أما جاهل مقلد، أو معائد ملحد، وهو في دعواه متناقض لا يطردها، فلا يرضى أن يعتدي عليه أحد ويقول (هذا قضاء الله وقدره)، ولا أن يخالف أمره أحد ويقول له (هذا قدر الله)، ولا أن يلعب عليه أحد ويحتج بالقدر.
فكيف يعامل الله بما لا يرضاه هو لنفسه، هذا من أقبح التطفيف.
ولو كان الاحتجاج بالقدر صحيحاً لما شرع الله العقوبات في الدنيا على أهل المخالفات وتوعدهم عليها بالنار يوم القيامة، وهو جل جلاله {قَائِماً بِالْقِسْطِ}، {وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً}.
فالله رزق عبده الهداية ووهبه مشيئة كاملة يسير بها في الحياة، فإن سار على الهداية الشرعية فلح ونجا، وإن هو أتبع خطوات الشيطان واختار عبادته من دون الله إيثاراً لشهوته أستحق غضب الله.
س) من هو المخلص حقاً؟
ج) المخلصون لله هم الذين أخلصوا دينهم، لا يريدون من أحد جزاء ولا شكوراً، وغير طامعين في شيء من حظوظ النفس ورغباتها على الإطلاق، بل همهم بذل النفس والمال في نصرة الله بإعزاز دينه تطبيقاً ونشراً وتبليغاً، دون خوف أحد أو مداراته.
قال تعالى في حصر الإخلاص والمخلصين {الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيباً}، فما سواهم غير مخلص.
س) من هو الأمين حقاً؟ ومن هو الخائن؟
ج) هو الحافظ لحدود الله الذي تخلص من أمانات التكاليف الشرعية التي حمله الله إياها، فادى الصلاة على وجهها الصحيح، وتحفظ في أخذ الطهور، وأدى ما عليه من حقوق المال، وحفظ أمانة الله بصومه وحجه، وحفظ الأمانة الكبرى؛ وهي كتاب الله الذي هو حبله المتين في عنق كل مسلم.
والخائن: هو من أضاع الصلاة وأتبع الشهوات وأهمل الطهارة، واستهان بباقي شعائر الإسلام، ونبذ كتاب الله وراء ظهره، ولم يهتم بشؤون المسلمين، ولم تأخذه الغيرة لدين الله والغضب لانتهاك حرماته، ولم يبالي بتعطيل شرعه وحدوده.
س) هل يجوز إسداء ألقاب المدح والشرف على من ذم الله طريقتهم؟
ج) إن الله حصر صفة السفاهة حصراً فيمن تنكب عن ملة إبراهيم ورغب عن شريعة محمد، إذ قال {وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ}.
وشبه من لم ينتفع بالقرآن (بالحمار)، ومن انسلخ من آياته (بالكلب).
وحصر صفة الضلال فيما سوى الهدى، وجعل للإيمان مقاييس وموازين توزن به.
فمن مدح من ذمه الله من أولئك فهو متعد لحدود الله.
فكل منحرف عن تعاليم الإسلام معطل لحدوده محتكم إلى غير شريعة الله لا يجوز وصفه بأي لقب من ألقاب المدح والشرف، مهما كان.
ففي الحديث (لا تقولوا للفاسق سيداً فإنه يكن سيداً فقد أسخطتم ربكم)، وأي فاسق أعظم فسقاً ممن ابتغى غير الله حكماً وشرع له ما لم يأذن به الله من المبادئ والمذاهب المادية الحديثة المرتكزة على الفلسفة الغربية بإيحاء من الصهاينة.
هل يجوز تحليل شيء مما حرم الله أو تحريم شيء مما أحل الله؟
لا يجوز قطعاً، وهو نوع من أنواع الشرك لأنه إفتراء على الله، قال تعالى في وصف المشركين {وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ}.
فلا يجوز تحريم الحلال ولا طرحه والتخلي عنه وتسييبه، قال تعالى {مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سَائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ}، ولا تزول الملكية عن جميع الأعيان بتسييبها من مالكها، وكذلك لا يجوز الاعتداء على المالكين في أملاكهم بأي حجة لا يبررها الشرع.
أما تحليل الحرام؛ فهو أشد جرماً وأفظع، والجميع منهما أفتيات على الله في شرعه وحكمه، فهو من أنواع الشرك.
س) ما هو المحرم من التصاوير والمباح منها؟
ج) ينبغي للمسلم أن ينظر في حكمة التشريع الإلهي والأمر والنهي، لئلا يعتريه التفريط أو الإفراط.
فالأحاديث وردت بالوعيد الشديد للمصورين واستعمال التصاوير والعلة في ذلك مركبة من شيئين:
أولاً: التعظيم الذي هو نوع من أنواع العبادة.
وثانياً: مضاهات خلق الله.
وليس التحريم مقيداً بكون التصوير مجسمأ أو شمسياً من حبس الظل، إنما العلة في التعظيم.
ولذا أنكر النبي صلى الله عليه وسلم على عائشة وضعها (القرام) الذي فيه تصاوير، وهي غير مجسمة، لكن لما كان فيه مظنة التعظيم نهاها عنه، فلما قطعته وجعلته وسائد تكون التصاوير فيه ممتهنة أقرها.
فعلى ذلك يباح من التصوير ما دعت إليه الحاجة لضبط الجنسية وتحقيق الشخصية ومعرفة المجرمين والمشبوهين عن الاشتباه، وما يتخذ منها عرضة للامتهان، كالذي في الفرش والنمارق.
أما الصور التي تأخذ للأشخاص المحبوبين المعظمين لتعلق في المنازل والمكاتب لاحتلال أصحابها مكانة في النفوس بحيث تحاط بالزجاج المدرور ويدفع فيها المال - مال الله - فهذه لا تجوز، لقيام علة التحريم، وهي التعظيم المخل بالتوحيد.
س) ما حكم الدعوة إلى الله والعمل للإسلام؟
ج) هي وظيفة كل مسلم أورثه الله الكتاب والسنة من نبيه عليه السلام وكل مسلم يشمله عموم الأمر بالدعوة إلى الله ولوازمها من قوله تعالى {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ}، وعموم قوله {وَقُلِ اعْمَلُوا}، وقوله {وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ}، أي واجب جهاده.
فكل مسلم عليه أن يبالغ في الجهاد بجميع أنواعه، بحيث لا يترك من المستطاع منه شيئاً.
ولا سيما في الأزمنة التي تخلت فيها الحكومات عن العمل للإسلام والدعوة إلى الله والجهاد في سبيله، فإن ذلك أصبح متحتماً في عنق كل مسلم.
فيعتبر عاصياً مفرطاً في جنب الله إن قصر في ذلك أو تخلى عنه، ويكون ممن آمن ببعض الكتاب وكفر ببعض كفراً عملياً بطرحه إياه والتخلي عنه، ولذا نال الأمة ما توعدها الله به من الخزي في الحياة الدنيا {وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لا يُنْصَرُونَ}.
فلينتبه المسلمون لواجبهم ويحاسبوا أنفسهم ويئيبوا إلى ربهم.
س) ما هو الإيمان؟
ج) هو قول باللسان، وعقد بالجنان، وعمل بالأركان، يزيد بالطاعة، وينقص بالعصيان، لأنه التصديق الجازم الذي يلهب المشاعر ويحرك الجوارح، فتندفع النفس به إلى مرضاة المحبوب المطمئن إليه بقوة إيمانه.
س) ما هي أركان الإيمان؟
ج) ستة:
(1) الإيمان بالله.
(2) وملائكته.
(3) وكتبه.
(4) ورسله.
(5) واليوم الآخر.
(6) والإيمان بقضاء الله وقدره خيره وشره.
س) أوضح لي ذلك باختصار
ج) الإيمان بالله هو أصل الأصول ورأس الأمر.
ويلزم منه حصول ما تقدم من خوف عقاب الله ورجاء ثوابه وتحقيق عبادته بصدق وإخلاص.
كما يستلزم ذلك الإيمان بالملائكة الذين هم جنود الله لتسيير الكائنات بإذنه، ومنهم السفراء بينه وبين رسله، إلى غير ذلك.
ويستلزم الإيمان برسله وكتبه لإرشاد خلقه المكلفين إلى القيام بوظائفهم وواجبهم نحو ربهم.
ويستلزم الإيمان بالبعث في اليوم الآخر الذي ينصف الله به المظلوم من الظالم، ويجزي أهل طاعته الحاملين لشريعته بحسن ضيافته في جنته التي هي دار كرامته، ويجازي الكافرين، بنعمته الجاحدين لرسالته، المعرضين عن هديه والمؤثرين شهواتهم وأغراضهم على مرضاته وطاعته بالعذاب الأليم في نيران الجحيم.
كما يستلزم الإيمان بقدره، فيتيقن إنما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه، فلا يخاف مما سوى الله، ولا يرهب أعداءه، جازماً إن أسلحتهم لا تقتل إلا من دنا أجله، ويعد لهم غاية المستطاع من القوة حسب أمر الله، معتقداً أنه بقدر الله يستعد لقدر الله أيضاً.
ثم بالإيمان باليوم الآخر الذي هو البعث بعد الموت ومحاسبة كل نفس ومجازاتها على الخير، لا يحسد أحداً على شيء لعلمه إن ما عنده هو بقدر الله، بل يسعى جاهداً للابتغاء من فضل الله، مؤملاً منه حسن قضائه فيما جرت به المقادير.
فأي خصال أشرف من هذا وأقوى وأحسن؟
س) ما هو الإحسان؟
ج) فسره النبي صلى الله عليه وسلم بأن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك.
فالله لا تخفى عليه خافية ولا يمكن لأحد أن يستتر عنه أو يهرب منه.
فلو أحسن في الدنيا لصلحت أعماله وحسنت سيرته، فسلم الناس من شره، وعاشوا في هذه الدنيا بحياة طيبة لا حرب فيها ولا خوف ولا تخريب.
س) ما هو جماع ذلك؟
ج) جماعة ولبابة؛ الإيمان بالغيب، وهو غاية الكمال والسر في حصول الحياة، لأنه يجعل من ضمير الإنسان رقيباً قوياً يردعه من أي خطيئة أو جريمة، ويخوفه من عقوبات الله المنوعة العاجلة والآجلة، ويجعله يستعد لهجوم الموت الذي لا يدري متى يوافيه، فيندفع بقوة مسارعاً لمرضاة الله، ويضطره إلى أن يعامل الناس بمثل ما يجب أن يعاملوه به.
س) هل يكفي اقتصار المسلم على إصلاح نفسه وأهله وعمارة مسجده دون التعرض لأحوال الناس؟
ج) كلا ثم كلا.
بل لا بد له من التواصي بالحق والصبر والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتعاون على البر والتقوى والأخذ على يد السفيه، واشتغال المسلمين جميعاً بإرشاد الضال ونصح المقصر وتقويم المعوج وإصلاح الفاسد وردع الملحد وقمع المفتري على الله، وأخذ القرآن بقوة، والدفع به وبسنة المصطفى إلى الأمام.
لئلا يجعلوا فراغاً لغيرهم ينفذ منه إليهم.
فإن هم فرطوا في ذلك غزاهم أعداء الله بالباطل، وغزاهم كل مغرض، فأفسد قلوبهم وقلوب أبنائهم وأزاحها عن الإيمان الصحيح، وأخرب بيوتهم بمفاسد الأخلاق والتهتك والانحلال، وعبث بمقدراتهم، وتحكم في مصبرهم.
كما جرى فعلاً، وسيجري أضعافه على أيدي المحسوبين على الإسلام من أولاد المؤمنين الذين استجابوا لتعاليم الكفرة وتقبلوا ثقافتهم واستحسنوا ما عندهم من القبائح والموبقات.
وكل هذا من تفريط المسلمين في جنب الله واقتصارهم من طاعته وعبادته على بعض دون بعض.
س) ما الدليل على ذلك؟
ج) قوله تعالى {وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ}، فأقسم تعالى بحصول الخسران الكامل العام الشامل لمن لم يتصف بهذه الصفات، والخاسر بعيد من السعادة في الدنيا والفوز في الآخرة.
قال الإمام الشافعي رحمه الله: (لو لم ينزل الله على خلقه حجة إلا هذه السورة لكفتهم).
وقال تعالى {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ..} ، وقال {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً}.
وكيف يكون المسلمون شهداء على الناس وهم لم يقوموا بتبليغهم وإرشادهم وإصلاح فسادهم وتقويم اعوجاجهم؟
وكيف يكون الرسول شهيداً عليهم وهم لم يأخذوا القرآن بقوة ولم يحملوا سنته ويجاهدوا في الله حق جهاده؟
إنه في هذه الحالة يكون خصماً لهم يوم القيامة، إذ يقول {يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً}.
فهذه الآيات وما شابهها في القرآن هي وحي الرحمن الواجب اتباعه، وما سواها مما يجري على ألسن العامة هو من وحي الشياطين الواجب رفضه وطرحه.
س) إذا ما معنى قوله تعالى {عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ} ؟
ج) القرآن يفسر بعضه بعضاً.
فمعناها إننا إذا اهتدينا وتواصينا بالحق وصبرنا على الأذى فيه وأمرنا بالمعروف ونهينا عن المنكر وتعاونا مع إخواننا على البر والتقوى وجاهدنا في الله حق جهاده، فحققنا الاهتداء الواجب علينا، لا يضرنا حينئذ ضلال الضالين وعناد المعاندين بعد ذلك، إذ بدونه لا تتحق الهداية أبداً.
س) ما هو الإلحاد؟
ج) هو الميل عن الحق والانحراف عنه بشتى الاعتقادات والتأويل، ولذا سمي لحد القبر لحداً لميله عن وسطه إلى أحد جوانبه.
فالمنحرف عن صراط الله والمعاكس لحكمه بالتأويل الفاسد وإبداء التشكيك يسمى ملحداً.
والذي يعدل بربه غيره فيتألهه بالحب والتعظيم وقبول مبادئه أو تنفيذ نظمه وتشريعاته باستحسان يكون ملحداً.
وأول الناس إلحاداً المشركون الذين أشنقوا لآلهتهم من أسماء الله، كاللات والعزى من الآل الذي هو الإله، ومن العزيز الذي هو ذو العزة، وهكذا.
ثم كل من ألحد في أسمائه وصفاته وصرفها عن ظاهرها وأخضع نصوص التنزيل لقوانين (أرسطو) المنطقية وإضرابه، وكل من خالف النص في القدر والبعث وغيره، أو تأول شرائع الإسلام والإيمان على خلاف ما بينه الرسول صلى الله عليه وسلم قولاً وفعلاً، أو غير حدود الله وأحكامه بحجة التطوير والحضارة والرفق بالإنسان، وما إلى ذلك، فهو ملحد.
وكذلك من زعم إن النصوص الشرعية لا تفيد اليقين الموجب للعمل حتى يقبلها العقل ويستسيغها، فإنه ملحد، لأنه جعل العقل البشري نداً للدين الإلهي.
س) ما حكم الملحد؟
ج) يكفر وتجري عليه وعلى ماله أحكام المرتدين.
إذا قامت عليه الحجة بالتعريف بالدليل، أو أنكر الأدلة الشرعية، ولم يخضع وأصر على عناده بالاستسلام لغيرها.
س) ما هو الشرك؟
ج) هو أن تجعل لله نداً وهو خلقك.
وهو أكبر الكبائر، وهو الماحق للأعمال والمبطل لها والحارم من ثوابها.
فكل من عدل بالله غيره، بالحب والتعظيم أو أتبع خطواته ومبادءه المخالفة لملة إبراهيم فهو مشرك.
وكذا من أنتصر له وقاتل معه تحت راية عميه، يدعو إلى عصبيه، أو ينتصر لعصبية، ومذاهب مادية، مما قذف به الغربيون علينا فهو مشرك. وقد تبرأ منه الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث المشهور.
وكذلك الذين بدلوا قولاً غير الذي قيل لهم، فجعلوا حدود الوطن فوق حدود الله، ومحبة الجنس والقوم فوق محبته، أو إندفع باسم التحرر والتطوير ونحوه مما وضعته البروتوكولات الصهيونية سراً ونفذه تلاميذ الأفرنج جهراً من كل ما هو مخالف لحكم الله وخارج عن تعاليم الإسلام، فهو مشرك أيضاً.
س) ما هو الند والأنداد؟
ج) الند هو الشبه والمثل، والأنداد جمع ند، وهي الأمثال والنظراء والأشباه.
وهي أعم من الأصنام الحجرية الميتة الصامتة.
فيدخل في مسماها أنواع من البشر المتحرك الناطق الذي يفرض سلطته قهراً أو تضليلاً، فيحاط بهالة من الثناء والتعظيم، لما يروج للناس من دعايات تغرر بالجماهير، فمن استجاب لمذاهب أحد من هؤلاء أو مبادئه، وأنطلق لتنفيذ خططه والسير في ركابه دون ردها إلى الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ووزنها بميزان الشريعة الحقة فهو مشرك.
ويدخل أيضاً في عموم الأنداد الرؤساء الروحيون الذين يقدسهم أهل الملل والنحل وسائر المبتدعة، فالمتقبل لما يصدر منهم برحابة صدر هو مشرك أيضاً.
إلى غير ذلك من كل ما يعدل الناس به الله، ويعتبرونه لهم نبراساً في سير الحياة وممثلاً لمناهجهم، ويحظى منهم بالتوجه إليه ما لا يحظى به رب العالمين، كما هو المشاهد من حالة الناس اليوم مع محبوبيهم من الزعماء السياسيين أو الدينيين.
فكله شرك مناقض لمدلول الشهادتين.
وكذلك القول على الله بغير علم هو عديل للشرك، لأنه افتراء على الله، ولا أحد أظلم ممن أفترى على الله.
س) ما الدليل على ذلك؟
ج) الأدلة كثيرة متظافرة من الكتاب والسنة.
منها قوله تعالى {فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ}، وقوله {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ..}، إلى قوله {إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا – بضم التاء وكسر الباء – مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا – بفتح التاء والباء – وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ}، وقوله {ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ}، وقوله {وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءاً}، وقوله {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ}.
أي لا أحد أظلم من أهل هذه الأوصاف، فهم على غاية من الشرك.
فلا أحد أشد ظلماً وأعظم شركاً وجرماً ممن بذل مجهوده الأدبي أو المادي أو المعنوي لتقرير مذاهبه ومبادئه وفلسفاته المخالفة لشرع الله أو المنقضة لملة إبراهيم، بل هو في عمله هذا من المحادين لله ورسوله.
فانتبهوا يا أولي الأبصار.
والأدلة كثيرة جداً يطول بها المقام.
س) هل للوثنية رسم خاص وصبغة واحدة قد انتهت بها أم لا؟
ج) إن الوثنية برسمها الخاص وصبغتها الواحدة التي تجمعها هي:
(1) تقديس غير الله.
(2) أو تحكيم غيره.
(3) وتشريع ما هو مناف لشرعه الحكيم.
ولكن ليس معنى هذا انحصارها برسم خاص قد انقضى، أو بصبغة واحدة تلبس بها غيرنا ونحن معصومون منها.
بل إن فروع هذه القواعد الثلاثة الخبيثة كثيرة جداً، فكل من تلبس بشيء منها كان وثنياً، أو كان فيه من الوثنية بحسبه، مهما كان، وفي أي محيط كان.
لأن للإنسان في هذه الحياة وظائف خاصة أوجده الله من أجلها، فإن هو أخل بها أو تجاوزها إلى غيرها أو اعتدى فيها كان ظالماً باخساً لحق الله، وفيه من الوثنية بقدر ما أرتكبه.
س) هل الجاهلية مقصورة على قرون مضت أو تتجدد صبغتها في الناس؟
ج) ليست مقصورة على قرون، بل قد تزيد الجاهلية في قرن على ما قبله من القرون، إذ لها طوابع خاصة يتصف بها كل فرد وكل أمة عتت عن أمر ربها ورسله وتبعت أهواءها في كل شيء.
حتى إن جاهلية اليوم تعتبر أفظع من كل جاهلية سبقتها، لأن فيها من الإغراء على كفر النعم وإنكار الخالق أو التنكر لدينه وشريعته والتهجم على حكمته والاستهانة بعزته وتحسين الخلاعة والرذيلة والفجور وذهاب الغيرة والحياء ما لم يكن في محيط أبي جهل وأبي لهب وما قبله من كل جاهلية.
وقد لا ينتهي الأمر عند هذا الحد ما دامت الإنسانية خارجة عن حدودها متمردة على نظام الله.
وستبقى عرضة لعقوباته حتى تفيء إلى أمره، وتتصور دينها ومقوماتها الصالحة المصلحة تصوراً صحيحاً، تهتدي به إلى حسن تطبيقه دون إخلال.
س) بماذا يحصل هذا التصور وينتج ثمراته؟
ج) (1) بمعرفة حقيقة الألوهية لمالك الملك جل وعلا معرفة روحية، تستلزم الخضوع لسلطانه والانقياد لأمره، لا كمعرفة اليهود الذين قالوا (سمعنا وعصينا).
فمن لم ينقاد لحكمه ويمتثل أوامره فقد قال بلسان حاله وسوء فعاله (سمعنا وعصينا)، وإن لم ينطق بذلك.
(2) معرفة حقيقة العبودية، وإن الإنسان لا بد له أن يكون عبدا، فإما عبداً للرحمن وإما عبداً للهوى والشيطان، فشرفه وزكاته بعبودية الله وأخذ كتابه بقوة وحمل شريعته تطبيقاً وتبليغاً ودفعاً بها بالقوة، أشد مما يقوم به أهل الباطل وحملة المذاهب المادية لنشر مبادئهم وفرض وحدة أهدافهم المزعومة.
فإن قصر في ذلك لا بد أن يرتكس في الجاهلية، ويكون ممن غضب الله عليهم.
س) لماذا يرتكس في الجاهلية وينال غضب الله وعقوباته؟
ج) لأنه لم يقم بواجب الألوهية ويقدرها حق قدرها، ويخلص أعماله لربه، ويحسن معاملته معه، ويحقق عبوديته بتنفيذ أوامره والانقياد لحكمه في كل شيء.
بل جعل الحكم لنفسه أو لمحبوبه ومتبوعه، لا لله الذي خلقه وصوره وأنشأه لعبادته، مختاراً أن يكون خليفته في الأرض لتطبيق شرعه فيها وإصلاحها، على ضوء هدايته التي يتلقاها من وحيه الموروث حقاً من رسوله، ويتكيف به ويستقيم على نهجه، دون أن يتلقى شيئاً من مصدر آخر يشوبه به، فيكون عائداً للوثنية لا محققاً للعبودية.
والله حصر مقصوده من خلقه الثقلين بعبادته حصراً، فمن جعل لنفسه الخيرة فيما يفعله ويسلكه فقد أفتات على الله الذي يقول {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ}، ويقول {إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ}، {وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ}، {أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلاً} .
س) يتعلل ملاحدة زماننا بالتوحيد زاعمين الاعتراف بالله والرسول لكن يرون ضرورة التطوير والتنظيم الاجتماعي فما الجواب؟
ج) إن الإيمان بالله ورسوله ليس مجرد أقاويل ودعاوي، فالدعاوي لا تتعذر على أحد، حتى اليهود وغيرهم يدعون الإيمان بالله وبكتبه المنزلة على رسلهم من عنده.
والمنافقون من هذه الأمة كذلك، فقد أخبر الله نبينا عنهم وفضحهم في عدة سور وآيات، منها قوله {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ * يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا..}، {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ..}، إلى قوله {وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}، من أوائل سورة البقرة، وقوله أيضاً {إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ} .. الخ.
وفضحهم وكشف أسرارهم ونواياهم الخبيثة الفاسدة المفسدة في سورة النساء والمائدة والأنفال والتوبة والحشر، حتى أخبر عنهم إنهم يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف ويقبضون أيديهم، نسوا الله فنسيهم، وأخبر أنهم يمالئون اليهود سراً وجهراً عن شعور وعن غير شعور.
وجميع ما ذكر فيهم من الصفات تجدها صفات مضطردة في منافقي كل زمان، وإن تسترت بمذهب وشعار أو إنصبغت بطلاء.
حتى جاء دور منافقي أزماننا الماهرين بإطلاق الشعارات وتزيين الطلاء وتحبيب الفحشاء والمنكر، والعبرة بالميزان الصحيح والمعيار الصحيح، لا بالشعارات والدعاوى.
فدعوى الإيمان بالله ورسوله لا تصدق إلا بالانقياد لحكم الله والمسارعة لمرضاته، وطاعة رسوله والاهتداء بهديه، وذلك لا يتم إلا بتطبيق كتاب الله وسنة رسوله، والتكيف بهما دون تكييفهما وإخضاع نصوصهما للأهواء، بل بإدراكهما بحسن التصور المستمد من ذاتهما لا بمقررات سابقة أو لاحقة من مصدر آخر، أو مقولات يفتعلها بنفسه ثم يجعلها ميزاناً لما أنزل الله.
هذا هو عين الضلال والمشاقة لله ورسوله والتقديم بين يديهما، عياذ بالله من ذلك.
س) إذا ما دور الإنسان في إجراء التطوير والتجديد في نظام المجتمع؟
ج) بما أن كينونة كل مخلوق حادث في العوالم العلوية والسفلية كينونة مقيدة، متحيزة في حدود من الزمان والمكان والنظام الإلهي المحكم لها، وهي لا تملك مجاوزة ذلك على الإطلاق، بل لا تملك الإحاطة بالكلي المطلق بأي حال، وكل له دائرة ونظام ومحور يدور به، إن هو انفلت منه أختل توازنه وفسد هيكله، أو كاد يعطب.
فكذلك الكينونة البشرية بجملتها - لا مجرد تفكيرها فحسب - ليس لها مجاوزة ما وضعها وأحاطها به من حدود ونظام ملائم لطبيعتها، حسب إرادة الله الأزلية السرمدية وعلمه المحيط الأزلي الأبدي وحكمته الشاملة لجميع تطورات العصور واختلاف البيئات.
فالإنسان مخلوق بطبيعته الحادثة الناقصة، وإدراكه مهما توسع لا بد أن يكون محدوداً حسب طبيعته أولاً، ثم هو محدود بوظيفته برب العالمين ثانياً؛ وظيفة الخلافة في الأرض لتحقيق جميع معاني العبادة لله والتزام حكمه تماماً بلا نقص ولا زيادة، وهو بفطرته لا يملك أن يستقر في هذا الكون العظيم الهائل كذرة تائه مفلة ضائعة.
فلا بد له من رباط معين بهذا الكون يضمن له الاستقرار فيه بعيشة راضية ويعرف فيه مكانه حقاً، ولذا قال تعالى {يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ.. يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلا تَنْتَصِرَانِ}.
فلذلك لا بد له من عقيدة ربانية تفسر له ما حوله وتفسر له مكانه، وتضبط وظيفته بضوابط حكيمة لا تتأثر بملابسات العصر والبيئة، لأنها من وضع علام الغيوب الحكيم العليم بمصالح عباده.
وهذه العقيدة وما يتفرع منها من نظم وأحكام هي خاتمة الرسالات والشرائع الإلهية المنزلة على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم والتي من فرط فيها أو تجاوزها كان كافراً أو منافقاً كفراً أو نفاقاً قولياً اعتقادياً أو عملياً، والعملي أنكى وأفظع.
س) كيف التوفيق بين العمل يما يمليه التصور الاعتقادي وما يتخيل من التطور الاجتماعي؟
ج) إن هناك تلازماً وثيقاً بين طبيعة التصور الاعتقادي وطبيعة النظام الاجتماعي، تلازماً لا ينفصل، ولا يتعلق بملابسات العصر والبيئة، بل هناك أعظم من ذلك، وهو الانبثاق الذاتي – في المجتمع الذي لم تمرج عقول أهله وتفسد فطرتهم –
فالنظام الاجتماعي الفطري هو فرع عن التفسير الشامل لهذا الوجود ومركز الإنسان فيه ووظيفته وغاية وجوده الإنساني.
وكل نظام لا يقوم على أساس هذا التفسير فهو نظام مصطنع لا يعيش إلا فترة، يشقى بها الإنسان بإهدار كرامته وخراب أسرته وضياع عرضه وتسخيره بيد من لا يرحمه، وذلك لبعد الشقة بين ما استورد عليه باسم التطوير، ودين الفطرة الإنسانية حتما.
بارك الله فيك اخي الفاضل و جزاك الله كل خير على هذا العمل و جمعنا و اياك بنبينا محمد صلى الله عليه و سلم عند حوض الكوثر لنشرب من يده الطاهرة صلى الله عليه و سلم