اللا حدث المثير!
غريب فعلا هو أمر بعض (النخب) الجزائرية، فرغم القضايا العديدة المطروحة مع بداية هذا الصيف الجد حار على مستوى الشارع الجزائري، والتي منها ما تعلق بحرفة الشباب في رحلات الهجرة نحو الشمال واحتراق المئات من الهكتارات من الغابات ومعها جيوب الزوالية بفعل غلاء المعيشة، ومنها ما يجسد فقدان الأمل نهائيا بالنسبة لعشرات الآلاف من الموظفين البسطاء والشرفاء في الحصول على قرض لشراء سيارة أو تجهيز عروس يكتمل بها دين المسلم، ومنها ما يمس بسمعة مؤسسات الدولة وأمن المواطنين وتبذير المال العام في الرقص والضرب على الدف، ومنها ما أضافه ملك المغرب الذي تكلم، في خطابه بمناسبة الذكرى العاشرة لجلوسه على العرش، عن الجزائر بطريقة غير دبلوماسية وغير لائقة، فهو استعمل عبارات لا تقال في العرف الدبلوماسي كاتهام الجزائر بأنها صاحبة ''المواقف المتقادمة، والمتناقضة مع الروح الانفتاحية'' وكلامه عن ''تمادي السلطات الجزائرية في الإغلاق الأحادي للحدود البرية''.. رغم كل هذا فإن اهتمام العديد من المتحدثين والمحللين وحتى السياسيين بمشاربهم المختلفة انصب على تغيير عطلة نهاية الأسبوع.
انبرى البعض لإبراز فوائد القرار وأهدافه على المستويين الاقتصادي والديني، وتأسف البعض الآخر لكون السلطات الجزائرية لا تملك الشجاعة الكافية لفرض العطلة العالمية، وركز البعض الثالث على الجوانب الإجرائية، حيث رأوا في ذلك انفرادا من طرف رئيس الجمهورية في اتخاذ القرار. إذ كان المفروض، كما قالوا، أن تناقش قضية ''بهذا الحجم'' في البرلمان ومن طرف ممثلي الشعب!
مع أن قرار تغيير عطلة نهاية الأسبوع لا يمكن أن يعدّ حدثا وذلك على كل المستويات. ولنبدأ بالمستوى الديني، حيث لا عطلة في الإسلام لأن الآية الكريمة جد واضحة، فالله يأمر المسلم بالانتشار في الأرض بحثا عن رزقه بعد أداء صلاة الجمعة. المسلم له الحق في التوقف عن العمل خلال فترة صلاة الجمعة ثم يعود إلى نشاطه المعتاد.
من ناحية تنظيم العمل، العطلة الأسبوعية فرضت على أصحاب المصانع من خلال نضال العمال في أمريكا وأوروبا، مما يعني أنها أصلا غير مرتبطة بالجانب الديني. لكن اختيار يوم الأحد بالذات في البداية ثم نصف يوم، فيوم السبت كاملا فيما بعد، إنما جاء لاعتبارات لها علاقة بالديانتين المسيحية أولا واليهودية ثانيا؛ ولأن أتباع المسيحية واليهودية هم الأقوى، في هذا الزمن وعلى كل المستويات، فإنهم يفرضون، وهذا منطق الحياة، ما يناسبهم على بقية سكان الأرض من غير المسيحيين واليهود.
من الناحية الاقتصادية، قال البعض إن الجزائر تخسر الكثير بتعطيل العمل خلال الخميس والجمعة، ورغم أن لا أحد في الجزائر، لاعتبارات عديدة، بقادر على تحديد وبدقة قيمة الخسارة (يتحدث البعض عن حوالي مليار دولار في العام)، فإن السؤال الذي يطرح هو: هل عرفت الجزائر فعلا كيف تجند كل إمكانياتها وتحمي ثرواتها وتحافظ على المال العام وتصرفه فيما يخدم المواطن، وأنه لم يبق لها سوى تجنب عطلة الخميس والجمعة التي تتسبب في خسائر معينة؟
عندما يحدث ذلك ويكون الجواب بالإيجاب، فلا شك أننا سنجد الكثير من العمال الجزائريين الذين يكونون على استعداد للتضحية حتى بجزء من عطلتهم الأسبوعية خدمة للاقتصاد الوطني إن كان هذا ما يؤثر فيه.
أعتقد أن كل النقاش الذي دار ويدور حول تغيير عطلة نهاية الأسبوع هو مجرد ثرثرة، لأن القرار والتغيير الذي لا يخلق ثروة، ولا يغير ما بالناس من همّ وكرب، ولا يدفع نحو التحول من مجتمع استهلاكي إلى مجتمع منتج، ولا يرفع من المستوى الثقافي والفكري للأمة، ولا يشجع على حرية الرأي والتعبير، ولا يلغي الظلم و''الحفرة''، ولا يحمي المال العام من المختلسين والمبذرين .. هو فعلا لا حدث.