sumaiah2006
:: عضو مُشارك ::
- إنضم
- 21 ماي 2007
- المشاركات
- 268
- نقاط التفاعل
- 1
- نقاط الجوائز
- 7
الصبر في القرآن
الحمد لله رب العالمين، الحمد لله الذي خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور، ثم الذين كفروا بربهم يعدلون، الحمد لله فاطر السموات والأرض جاعل الملائكة رسلاً أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع، يزيد في الخلق ما يشاء، إن الله على كل شيء قدير، الحمد لله حمداً حمداً، والشكر لله شكراً شكراً، الحمد لله عبوديةً واعترافاً، الحمد لله استخذاءً وذلة، والصلاة والسلام على معلم البشرية، وهادي الإنسانية، ومزعزع كيان الوثنية، صلى الله وسلم على محمد ما اتصل مرأى بنظر، وما اتصلت أذنٌ بخبر، وما هتف وُرْقٌ على شجر، وما نزل المطر، وما تلعلع الظل على الشجر، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أشهد أن لا إله إلا الله، على رغم من تجبر وكفر، وعلى رغم من جحد واستكبر، وعلى رغم من بعُد وتنكر.
أيها المسلمون!
بشرى لنا معشر الإسلام إن لنا من العناية ركناً غير منهدم
لما دعا الله داعينا لطاعته بأكرم الرسل كنا أكرم الأمم
أخوك عيسى دعا ميتاً فقام له وأنت أحييت أجيالاً من الرمم
مولاي صلِّ وسلم ما أردت على نزيل عرشك خير الرسل كلهم
لا يزال الحديث عن جانب من جوانب عظمته صلى الله عليه وسلم؛ وعظمته تبهر العقول، وتخلب الألباب، وتحير الأفكار.
إنه عظيم لأنه عظيم، وإنه صادقٌ لأنه صادق، بنى رسالة أرسى من الجبال، وأسس مبادئ أعمق من التاريخ، وبنى جداراً لا يخترقه الصوت.
إنه صلى الله عليه وسلم حيثما توجهت في عظمته وجدت عظمته.
فهيا بنا إلى جانب الصبر في حياته صلى الله عليه وسلم.
ذكر الصبر في القرآن في أكثر من تسعين موضعاً؛ مرةً يمدح الله الصابرين، ومرةً يخبر الله بثواب الصابرين، ومرةً يذكر الله عزوجل نتائج الصابرين، يقول لرسوله صلى الله عليه وسلم: فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً [المعارج:5].
إذا رأيت الباطل يتحدى، وإذا رأيت الطغيان يتعدى فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً [المعارج:5].
إذا قلَّ مالك، وكثر فقرك وعوزك، وتجمعت همومك وغمومك فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً [المعارج:5].
إذا قتل أصحابك، وقلَّ أحبابك، وتفرق أنصارك فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً [المعارج:5].
إذا كثر عليك الأعداء، وتكالب عليك البغضاء، وتجمعت عليك الجاهلية الشنعاء فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً [المعارج:5].
إذا وضعوا في طريقك العقبات، وصنفوا لك المشكلات، وتهددوك بالسيئات، وأقبح الفعلات فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً [المعارج:5].
إذا مات أبناؤك وبناتك، وتفرق أحباؤك وأقرباؤك: فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً [المعارج:5].
فكان مثالاً للصبر عليه الصلاة والسلام.
-----------------
صور من صبر عليه الصلاة والسلام
سكن في مكة فعاداه الأقرباء والأحباء، ونبذه الأعمام والعمومة، وقاتله القريب قبل البعيد؛ فكان من أصبر الناس.
افتقر، واشتكى، ووضع الحجر على بطنه من الجوع، وظمأ؛ فكان من أصبر الناس.
موت أقاربه صلى الله عليه وسلم
مات ابنه بين يديه؛ وعمر ابنه سنتان، فكان ينظر إلى ابنه الحبيب القريب من القلب، ودموع المصطفى صلى الله عليه وسلم الحارة تتساقط كالجمان، أو كالدر على خد ابنه، وهو من أصبر الناس يقول: {تدمع العين، ويحزن القلب، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون }.
ماتت خديجة امرأته، وزوجته العاقلة الرشيدة، الحازمة، المرباة في بيت النبوة، التي كانت تؤيده وتنصره، ماتت وقت الأزمات، ماتت في العصر المكي، يوم تألبت عليه الجاهلية، وكانت ساعده الأيمن، يشتكي إليها من كثرة الأعداء، ومن الخوف على نفسه، فتقول: {كلا والله لا يخزيك الله أبداً؛ إنك لتصل الرحم، وتحمل الكلَّ، وتعين الملهوف، وتقري الضيف، كلا والله لا يخزيك الله أبداً } فتموت في عام الحزن، فيكون من أصبر الناس؛ لأن الله يقول له: فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً [المعارج:5].
تجمع عليه كفار مكة ؛ أقاربه وأعمامه، فرصدوا له كميناً ليقتلوه وليغتالوه، فدخل داره، وأتى خمسون من الشباب، كل شابٍ معه سيفٌ يقطر دماً، وحقداً، وحسداً، وموتاً، فلما طوقوا داره كان من أصبر الناس، خرج من الدار، وهم في نعاسٍ وسبات، فحثا على رءوسهم التراب؛ لأن الله يقول له: فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً [المعارج:5] ولما حثا التراب على رءوسهم وكانوا نياماً؛ تساقطت سيوفهم من أياديهم، والرسول عليه الصلاة والسلام يتلو عليهم: وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ [يس:9].
أعلى الصفحة
ملاحقة قريش للنبي صلى الله عليه وسلم
خرج إلى غار ثور ؛ ليختفي من الأعداء، فتألب عليه الأعداء، وتجمعوا، وصعدوا على سطح الغار، ونزلوا في ميمنة الغار، وأحاطوا بميسرته، وطوقوه، وأرادوا أن يدخلوا الغار؛ فسلط الله وسخر عنكبوتاً وحماماً فعششت تلك وباضت تلك:
ظنوا الحمام وظنوا العنكبوت على خير البرية لم تنسج ولم تحمِ
عناية الله أغنت عن مضاعفة من الدروع وعن عالٍ من الأطمِ
فما دخلوا الغار، يقول أبو بكرٍ وهو في الغار مع المصطفى: {يا رسول الله، والله لو نظر أحدهم وهو فوق الغار إلى موطن قدميه لرآنا } فيتبسم عليه الصلاة والسلام -يتبسم الزعيم العالمي، والقائد الرباني، الواثق بنصر الله- ويقول: {يا أبا بكر ، ما ظنك باثنين الله ثالثهما } ويقول: لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا [التوبة:40] وهي دستورٌ للحياة.
إذا ظمئت وجعت، فلا تحزن، إن الله معك.
وإذا مات أبناؤك وبناتك، فلا تحزن، إن الله معك.
وإذا أرصدت في طريقك الكوارث، والمشكلات، فلا تحزن، إن الله معك.
فكان عليه الصلاة والسلام من أصبر الناس.
ويخرج من الغار، ولا يدري الكفار أنه كان في الغار؛ فينسلُّ إلى المدينة ، وليتهم تركوه بل يعلنون عن جائزةٍ عالميةٍ لمن وجده، جائزة الدمار، والعار، وقلة الحياء والمروءة، مائة ناقةٍ حمراء لمن يأتي به حياً، أو ميتاً؛ فيلاحقه سراقة بن مالك بالرمح والسيف؛ فيراه صلى الله عليه وسلم، والرسول يمشي على الصحراء جائعاً، ظمآناً، فارق زوجته، وفارق بناته، وفارق بيته، وفارق جيرانه وأخواله، وأعمامه وعمومته، ليس له حرس ولا جنود، لا رعاية ولا موكب، وسراقة يلحقه بالسيف، فيقول أبو بكر : [[يا رسول الله والله لقد اقترب منا ]] فيتبسم عليه الصلاة والسلام مرةً ثانية؛ لأنه يعلم أن رسالته سوف تبقى ويموت الكفار، وسوف تبقى دعوته حية، ويموت المجرمون، وسوف تنتصر مبادئه وتنهزم الجاهلية، فيقول: {يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما }.
ويقترب سراقة ، فيدعو عليه صلى الله عليه وسلم، فتسيخ أقدام فرسه، ويسقط، وينادي في فرسه فيقوم ويركب ويقترب، فيدعو عليه فيسقط، فيقول: يا رسول الله! أعطني الأمان، ويطلب أن يحقن دمه، والسيف معه وذاك بلا سيف، فرَّ من الموت وفي الموت وقع:
يا حافظ الآمال أنت حميتني ورعيتني
وعدا الظلوم علي كي يجتاحني فمنعتني
فانقاد لي متخشعاً لما رآك نصرتني
فيعطيه أماناً، يصل إلى المدينة ويشارك في معركة بدر ، فيجوع حتى يجعل الصخرة والحجر على بطنه.
يا أهل الموائد الشهية! يا أهل التُخم والمرطبات! والمشهيات والملابس! رسول الإنسانية وأستاذ البشرية، يجوع حتى ما يجد دقل التمر وحشف التمر: فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً [المعارج:5].
تموت بناته الثلاث، واحدة تلو الأخرى، تموت الأولى فيغسلها ويكفنها، ويعود من المقبرة وهو يتبسم: فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً [المعارج:5].
وبعد أيام تموت الثانية، فيغسلها ويكفنها، ويعود وهو يتبسم فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً [المعارج:5].
تموت الثالثة؛ فيغسلها ويكفنها ويدفنها، ويعود وهو يتبسم فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً [المعارج:5].
يموت ابنه إبراهيم فيغسله ويكفنه ويدفنه، ويعود وهو يتبسم.
عجباً من قلبك الفذ الكبير، لأن الله يقول له: فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً [المعارج:5].
أعلى الصفحة
صبره في غزوة أحد
يشارك في معركة أحد، فيهزم أصحابه، ويقتل من قرابته، ومن سادات أصحابه، ومن خيار مقربيه سبعون رجلاً أولهم حمزة ، عمه، سيفه الذي بيمينه، أسد الله في أرضه، سيد الشهداء في الجنة.
ويقف على القتلى في معركة أحد
، وينظر إلى حمزة وهو مقتولٌ مقطع، وينظر إلى سعد بن الربيع وهو ممزق، وأنس بن النضر ، وأولئك النفر؛ فتدمع عيناه، وتسيل دموعه الحارة على لحيته الشريفة، ولكن يتبسم فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً [المعارج:5].
ويعود عليه الصلاة والسلام، فيرسل قادته إلى مؤتة في أرض الأردن ليقاتلوا الروم؛ فيُقتل الثلاثة القواد في ساعةٍِ واحدة؛ زيد بن حارثة وجعفر الطيار ابن عمه، وعبد الله بن رواحة ، ويراهم وينظر إليهم من مسافة مئات الأميال، ويرى أسرّتهم تدخل الجنة من ذهب فيتبسم وهو يبكي فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً [المعارج:5].
أعلى الصفحة
صبره في غزوة الأحزاب
يتجمع عليه المنافقون، والكفار، والمشركون، واليهود، والنصارى، ويحيطون بـالمدينة ، فيحفر الخندق، فينزل إلى الخندق، ويرفع الثوب، وعلى بطنه حجران من الجوع، فيضرب الصخرة بالمعول؛ فيتفجر شظى النار في الهواء؛ فيقول: {هذه كنوز كسرى وقيصر، والله لقد رأيت قصورهما، وإن الله سوف يفتحها عليَّ } فيضحك المنافقون، ويقولون: ما يجد أحدنا حفنة من التمر، وهو يبشرنا بقصور كسرى وقيصر، فيتبسم؛ لأن الله يقول له: فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً [المعارج:5].
وبعد خمسٍ وعشرين سنة، تذهب جيوشه وكتائبه من المدينة فتفتح أرض كسرى وقيصر، وما وراء نهر سيحون وجيحون ، وطاشقند ، وكابول ، وسمرقند ، والسند ، والهند وأسبانيا ويقف جيشه على نهر اللوار ، وعلى شمال فرنسا ، لماذا؟
لأن الله يقول له: فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً [المعارج:5].
يأتيه ابن عمه:
وظلم ذوي القربى أشد مضاضةً على النفس من وقع الحسام المهند
فيدخل على الرسول عليه الصلاة والسلام على معلم الخير، على هادي البشرية؛ فيتبسم، ولا يقول كلمة، ولا يغضب، ولا يتغير وجهه: فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً [المعارج:5].
يأتي أبو جهل فيأخذ ابنة المصطفى صلى الله عليه وسلم، طفلةٌ وديعة، أذكى من حمام الحرم، وأطهر من ماء الغمام، فيضربها على وجهها، ضربه الله، فيتبسم عليه الصلاة والسلام، ولا يقول كلمةً واحدةً: فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً [المعارج:5].
يأتي الأعرابي من الصحراء فيجرجره ببردته، ويسحبه أمام الناس، وهو يضحك: فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً [المعارج:5].
أيُّ صبرٍ هذا؟!! إنها والله دروس لو وعتها الأمم لكانت شعوباً من الخير، والعدل، والسلام، لكن أين من يقرأ سيرته؟!! أين من يتأمل معانيه؟!!
أعلى الصفحة
صبره وزهده في الدنيا
تمر عليه الثلاثة الأيام والأربعة في بيته، فلا يجد ما يشبع بطنه لا يجد التمر، ولا يجد اللبن، ولا يجد خبز الشعير، وهو راضٍ برزق الله وبنعيم الله: فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً [المعارج:5].
ينام على الحصير، ويؤثر الحصير على جنبه، وينام على التراب في شدة البرد، ولا يجد كساءً: فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً [المعارج:5].
بيته من طين؛ إذا مد يده وصلت إلى السقف، وإذا اضطجع فرأسه في جدار،ٍ وأرجله في جدار، لأنها دنيا: فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً [المعارج:5].
فرعون على منبر الذهب، وفي إيوان الفضة، ويلبس الحرير، وكسرى في عمالة الديباج، وفي ميزانية الدرر والجواهر، ومحمد صلى الله عليه وسلم، على التراب: فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً [المعارج:5].
أتى جبريل بمفاتيح خزائن الدنيا، وسلمها إلى المصطفى صلى الله عليه وسلم، وقال: {أتريد أن يحول الله لك جبال الدنيا ذهباً وفضة؟ قال: لا. أشبع يوماً وأجوع يوماً حتى ألقى الله }.
حضرته سكرات الموت، قالوا: تريد الحياة؟ تريد أن تبقى؟ ونعطيك ملكاً عظيماً مثل ملك سليمان أو يقاربه، قال: {لا. بل الرفيق الأعلى، بل الرفيق الأعلى، بل الرفيق الأعلى }.
أيُّ عظمةٍِ هذه العظمة!! أي إشراقٍ هذا الإشراق! أي إبداعٍ وروعةٍ هذا الإبداع والروعة!!
بشرى لنا معشر الإسلام إن لنا من العناية ركناً غير منهدم
لما دعا الله داعينا لطاعته بأكرم الرسل كنا أكرم الأمم
أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولجميع المسلمين، فاستغفروه وتوبوا إليه إنه هو التواب الرحيم.
الحمد لله رب العالمين، الحمد لله الذي خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور، ثم الذين كفروا بربهم يعدلون، الحمد لله فاطر السموات والأرض جاعل الملائكة رسلاً أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع، يزيد في الخلق ما يشاء، إن الله على كل شيء قدير، الحمد لله حمداً حمداً، والشكر لله شكراً شكراً، الحمد لله عبوديةً واعترافاً، الحمد لله استخذاءً وذلة، والصلاة والسلام على معلم البشرية، وهادي الإنسانية، ومزعزع كيان الوثنية، صلى الله وسلم على محمد ما اتصل مرأى بنظر، وما اتصلت أذنٌ بخبر، وما هتف وُرْقٌ على شجر، وما نزل المطر، وما تلعلع الظل على الشجر، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أشهد أن لا إله إلا الله، على رغم من تجبر وكفر، وعلى رغم من جحد واستكبر، وعلى رغم من بعُد وتنكر.
أيها المسلمون!
بشرى لنا معشر الإسلام إن لنا من العناية ركناً غير منهدم
لما دعا الله داعينا لطاعته بأكرم الرسل كنا أكرم الأمم
أخوك عيسى دعا ميتاً فقام له وأنت أحييت أجيالاً من الرمم
مولاي صلِّ وسلم ما أردت على نزيل عرشك خير الرسل كلهم
لا يزال الحديث عن جانب من جوانب عظمته صلى الله عليه وسلم؛ وعظمته تبهر العقول، وتخلب الألباب، وتحير الأفكار.
إنه عظيم لأنه عظيم، وإنه صادقٌ لأنه صادق، بنى رسالة أرسى من الجبال، وأسس مبادئ أعمق من التاريخ، وبنى جداراً لا يخترقه الصوت.
إنه صلى الله عليه وسلم حيثما توجهت في عظمته وجدت عظمته.
فهيا بنا إلى جانب الصبر في حياته صلى الله عليه وسلم.
ذكر الصبر في القرآن في أكثر من تسعين موضعاً؛ مرةً يمدح الله الصابرين، ومرةً يخبر الله بثواب الصابرين، ومرةً يذكر الله عزوجل نتائج الصابرين، يقول لرسوله صلى الله عليه وسلم: فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً [المعارج:5].
إذا رأيت الباطل يتحدى، وإذا رأيت الطغيان يتعدى فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً [المعارج:5].
إذا قلَّ مالك، وكثر فقرك وعوزك، وتجمعت همومك وغمومك فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً [المعارج:5].
إذا قتل أصحابك، وقلَّ أحبابك، وتفرق أنصارك فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً [المعارج:5].
إذا كثر عليك الأعداء، وتكالب عليك البغضاء، وتجمعت عليك الجاهلية الشنعاء فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً [المعارج:5].
إذا وضعوا في طريقك العقبات، وصنفوا لك المشكلات، وتهددوك بالسيئات، وأقبح الفعلات فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً [المعارج:5].
إذا مات أبناؤك وبناتك، وتفرق أحباؤك وأقرباؤك: فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً [المعارج:5].
فكان مثالاً للصبر عليه الصلاة والسلام.
-----------------
صور من صبر عليه الصلاة والسلام
سكن في مكة فعاداه الأقرباء والأحباء، ونبذه الأعمام والعمومة، وقاتله القريب قبل البعيد؛ فكان من أصبر الناس.
افتقر، واشتكى، ووضع الحجر على بطنه من الجوع، وظمأ؛ فكان من أصبر الناس.
موت أقاربه صلى الله عليه وسلم
مات ابنه بين يديه؛ وعمر ابنه سنتان، فكان ينظر إلى ابنه الحبيب القريب من القلب، ودموع المصطفى صلى الله عليه وسلم الحارة تتساقط كالجمان، أو كالدر على خد ابنه، وهو من أصبر الناس يقول: {تدمع العين، ويحزن القلب، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون }.
ماتت خديجة امرأته، وزوجته العاقلة الرشيدة، الحازمة، المرباة في بيت النبوة، التي كانت تؤيده وتنصره، ماتت وقت الأزمات، ماتت في العصر المكي، يوم تألبت عليه الجاهلية، وكانت ساعده الأيمن، يشتكي إليها من كثرة الأعداء، ومن الخوف على نفسه، فتقول: {كلا والله لا يخزيك الله أبداً؛ إنك لتصل الرحم، وتحمل الكلَّ، وتعين الملهوف، وتقري الضيف، كلا والله لا يخزيك الله أبداً } فتموت في عام الحزن، فيكون من أصبر الناس؛ لأن الله يقول له: فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً [المعارج:5].
تجمع عليه كفار مكة ؛ أقاربه وأعمامه، فرصدوا له كميناً ليقتلوه وليغتالوه، فدخل داره، وأتى خمسون من الشباب، كل شابٍ معه سيفٌ يقطر دماً، وحقداً، وحسداً، وموتاً، فلما طوقوا داره كان من أصبر الناس، خرج من الدار، وهم في نعاسٍ وسبات، فحثا على رءوسهم التراب؛ لأن الله يقول له: فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً [المعارج:5] ولما حثا التراب على رءوسهم وكانوا نياماً؛ تساقطت سيوفهم من أياديهم، والرسول عليه الصلاة والسلام يتلو عليهم: وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ [يس:9].
أعلى الصفحة
ملاحقة قريش للنبي صلى الله عليه وسلم
خرج إلى غار ثور ؛ ليختفي من الأعداء، فتألب عليه الأعداء، وتجمعوا، وصعدوا على سطح الغار، ونزلوا في ميمنة الغار، وأحاطوا بميسرته، وطوقوه، وأرادوا أن يدخلوا الغار؛ فسلط الله وسخر عنكبوتاً وحماماً فعششت تلك وباضت تلك:
ظنوا الحمام وظنوا العنكبوت على خير البرية لم تنسج ولم تحمِ
عناية الله أغنت عن مضاعفة من الدروع وعن عالٍ من الأطمِ
فما دخلوا الغار، يقول أبو بكرٍ وهو في الغار مع المصطفى: {يا رسول الله، والله لو نظر أحدهم وهو فوق الغار إلى موطن قدميه لرآنا } فيتبسم عليه الصلاة والسلام -يتبسم الزعيم العالمي، والقائد الرباني، الواثق بنصر الله- ويقول: {يا أبا بكر ، ما ظنك باثنين الله ثالثهما } ويقول: لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا [التوبة:40] وهي دستورٌ للحياة.
إذا ظمئت وجعت، فلا تحزن، إن الله معك.
وإذا مات أبناؤك وبناتك، فلا تحزن، إن الله معك.
وإذا أرصدت في طريقك الكوارث، والمشكلات، فلا تحزن، إن الله معك.
فكان عليه الصلاة والسلام من أصبر الناس.
ويخرج من الغار، ولا يدري الكفار أنه كان في الغار؛ فينسلُّ إلى المدينة ، وليتهم تركوه بل يعلنون عن جائزةٍ عالميةٍ لمن وجده، جائزة الدمار، والعار، وقلة الحياء والمروءة، مائة ناقةٍ حمراء لمن يأتي به حياً، أو ميتاً؛ فيلاحقه سراقة بن مالك بالرمح والسيف؛ فيراه صلى الله عليه وسلم، والرسول يمشي على الصحراء جائعاً، ظمآناً، فارق زوجته، وفارق بناته، وفارق بيته، وفارق جيرانه وأخواله، وأعمامه وعمومته، ليس له حرس ولا جنود، لا رعاية ولا موكب، وسراقة يلحقه بالسيف، فيقول أبو بكر : [[يا رسول الله والله لقد اقترب منا ]] فيتبسم عليه الصلاة والسلام مرةً ثانية؛ لأنه يعلم أن رسالته سوف تبقى ويموت الكفار، وسوف تبقى دعوته حية، ويموت المجرمون، وسوف تنتصر مبادئه وتنهزم الجاهلية، فيقول: {يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما }.
ويقترب سراقة ، فيدعو عليه صلى الله عليه وسلم، فتسيخ أقدام فرسه، ويسقط، وينادي في فرسه فيقوم ويركب ويقترب، فيدعو عليه فيسقط، فيقول: يا رسول الله! أعطني الأمان، ويطلب أن يحقن دمه، والسيف معه وذاك بلا سيف، فرَّ من الموت وفي الموت وقع:
يا حافظ الآمال أنت حميتني ورعيتني
وعدا الظلوم علي كي يجتاحني فمنعتني
فانقاد لي متخشعاً لما رآك نصرتني
فيعطيه أماناً، يصل إلى المدينة ويشارك في معركة بدر ، فيجوع حتى يجعل الصخرة والحجر على بطنه.
يا أهل الموائد الشهية! يا أهل التُخم والمرطبات! والمشهيات والملابس! رسول الإنسانية وأستاذ البشرية، يجوع حتى ما يجد دقل التمر وحشف التمر: فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً [المعارج:5].
تموت بناته الثلاث، واحدة تلو الأخرى، تموت الأولى فيغسلها ويكفنها، ويعود من المقبرة وهو يتبسم: فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً [المعارج:5].
وبعد أيام تموت الثانية، فيغسلها ويكفنها، ويعود وهو يتبسم فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً [المعارج:5].
تموت الثالثة؛ فيغسلها ويكفنها ويدفنها، ويعود وهو يتبسم فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً [المعارج:5].
يموت ابنه إبراهيم فيغسله ويكفنه ويدفنه، ويعود وهو يتبسم.
عجباً من قلبك الفذ الكبير، لأن الله يقول له: فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً [المعارج:5].
أعلى الصفحة
صبره في غزوة أحد
يشارك في معركة أحد، فيهزم أصحابه، ويقتل من قرابته، ومن سادات أصحابه، ومن خيار مقربيه سبعون رجلاً أولهم حمزة ، عمه، سيفه الذي بيمينه، أسد الله في أرضه، سيد الشهداء في الجنة.
ويقف على القتلى في معركة أحد
، وينظر إلى حمزة وهو مقتولٌ مقطع، وينظر إلى سعد بن الربيع وهو ممزق، وأنس بن النضر ، وأولئك النفر؛ فتدمع عيناه، وتسيل دموعه الحارة على لحيته الشريفة، ولكن يتبسم فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً [المعارج:5].
ويعود عليه الصلاة والسلام، فيرسل قادته إلى مؤتة في أرض الأردن ليقاتلوا الروم؛ فيُقتل الثلاثة القواد في ساعةٍِ واحدة؛ زيد بن حارثة وجعفر الطيار ابن عمه، وعبد الله بن رواحة ، ويراهم وينظر إليهم من مسافة مئات الأميال، ويرى أسرّتهم تدخل الجنة من ذهب فيتبسم وهو يبكي فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً [المعارج:5].
أعلى الصفحة
صبره في غزوة الأحزاب
يتجمع عليه المنافقون، والكفار، والمشركون، واليهود، والنصارى، ويحيطون بـالمدينة ، فيحفر الخندق، فينزل إلى الخندق، ويرفع الثوب، وعلى بطنه حجران من الجوع، فيضرب الصخرة بالمعول؛ فيتفجر شظى النار في الهواء؛ فيقول: {هذه كنوز كسرى وقيصر، والله لقد رأيت قصورهما، وإن الله سوف يفتحها عليَّ } فيضحك المنافقون، ويقولون: ما يجد أحدنا حفنة من التمر، وهو يبشرنا بقصور كسرى وقيصر، فيتبسم؛ لأن الله يقول له: فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً [المعارج:5].
وبعد خمسٍ وعشرين سنة، تذهب جيوشه وكتائبه من المدينة فتفتح أرض كسرى وقيصر، وما وراء نهر سيحون وجيحون ، وطاشقند ، وكابول ، وسمرقند ، والسند ، والهند وأسبانيا ويقف جيشه على نهر اللوار ، وعلى شمال فرنسا ، لماذا؟
لأن الله يقول له: فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً [المعارج:5].
يأتيه ابن عمه:
وظلم ذوي القربى أشد مضاضةً على النفس من وقع الحسام المهند
فيدخل على الرسول عليه الصلاة والسلام على معلم الخير، على هادي البشرية؛ فيتبسم، ولا يقول كلمة، ولا يغضب، ولا يتغير وجهه: فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً [المعارج:5].
يأتي أبو جهل فيأخذ ابنة المصطفى صلى الله عليه وسلم، طفلةٌ وديعة، أذكى من حمام الحرم، وأطهر من ماء الغمام، فيضربها على وجهها، ضربه الله، فيتبسم عليه الصلاة والسلام، ولا يقول كلمةً واحدةً: فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً [المعارج:5].
يأتي الأعرابي من الصحراء فيجرجره ببردته، ويسحبه أمام الناس، وهو يضحك: فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً [المعارج:5].
أيُّ صبرٍ هذا؟!! إنها والله دروس لو وعتها الأمم لكانت شعوباً من الخير، والعدل، والسلام، لكن أين من يقرأ سيرته؟!! أين من يتأمل معانيه؟!!
أعلى الصفحة
صبره وزهده في الدنيا
تمر عليه الثلاثة الأيام والأربعة في بيته، فلا يجد ما يشبع بطنه لا يجد التمر، ولا يجد اللبن، ولا يجد خبز الشعير، وهو راضٍ برزق الله وبنعيم الله: فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً [المعارج:5].
ينام على الحصير، ويؤثر الحصير على جنبه، وينام على التراب في شدة البرد، ولا يجد كساءً: فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً [المعارج:5].
بيته من طين؛ إذا مد يده وصلت إلى السقف، وإذا اضطجع فرأسه في جدار،ٍ وأرجله في جدار، لأنها دنيا: فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً [المعارج:5].
فرعون على منبر الذهب، وفي إيوان الفضة، ويلبس الحرير، وكسرى في عمالة الديباج، وفي ميزانية الدرر والجواهر، ومحمد صلى الله عليه وسلم، على التراب: فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً [المعارج:5].
أتى جبريل بمفاتيح خزائن الدنيا، وسلمها إلى المصطفى صلى الله عليه وسلم، وقال: {أتريد أن يحول الله لك جبال الدنيا ذهباً وفضة؟ قال: لا. أشبع يوماً وأجوع يوماً حتى ألقى الله }.
حضرته سكرات الموت، قالوا: تريد الحياة؟ تريد أن تبقى؟ ونعطيك ملكاً عظيماً مثل ملك سليمان أو يقاربه، قال: {لا. بل الرفيق الأعلى، بل الرفيق الأعلى، بل الرفيق الأعلى }.
أيُّ عظمةٍِ هذه العظمة!! أي إشراقٍ هذا الإشراق! أي إبداعٍ وروعةٍ هذا الإبداع والروعة!!
بشرى لنا معشر الإسلام إن لنا من العناية ركناً غير منهدم
لما دعا الله داعينا لطاعته بأكرم الرسل كنا أكرم الأمم
أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولجميع المسلمين، فاستغفروه وتوبوا إليه إنه هو التواب الرحيم.