الرد على الموضوع

الحلقة 49 / الكاتب و الشاعر : مالك حداد  1927 / 1978


   

   






موسوعة أعلام الجزائر 

الحلقة التاسعة والأربعون 



من أعلام الجزائر

الكاتب و الشاعر : مالك حداد 

1927 / 1978





مالك حداد" شهيد اللغة العربية"




اللغة الفرنسية حاجز بيني وبين وطني أشد وأقوى من حاجز البحر الأبيض المتوسط .. وأنا عاجز عن أن أعبر بالعربية عما أشعر به بالعربية .. إن الفرنسية لمنفاي  !"


مالك حداد




من مواليد: 1927.07.05م بقسنطينة ، عمل معلما لفترة قصيرة، تنقل عبر مدن وبلدان عدة منها: باريس، القاهرة، لوزان، تونس، موسكو، نيودلهي وغيرها. اشتهر بمقولته "الفرنسية منفاي".




عاد بعد الاستقلال إلى أرض الوطن وأشرف في قسنطينة على الصفحة الثقافية بجريدة النصر ثم انتقل إلى العاصمة ليشغل منصب مستشار ثم مدير للآداب والفنون بوزارة الإعلام والثقافة. أسس سنة 1969م مجلة آمال، أول أمين عام لاتحاد الكتاب الجزائريين في الفترة ما بين 1974 و1978م. توفي في: 1978.06.02م.




من مؤلفاته بالفرنسية: الشقاء في خطر (شعر 1956م)، الانطباع الأخير (رواية 1958م)، سأهبك غزالة (رواية 1959م) التلميذ والدرس (رواية 1960م)، رصيف الأزهار لم يعد يجيب (رواية 1961)، اسمع وسأناديك (شعر 1961م)، الأصفار تدور في الفراغ (دراسة 1961م).


ترجمت أغلب الأعمال إلى اللغة العربية




شهيد اللغة العربية ..!


ابن الجزائر التي عانت من الاستعمار الفرنسي قرنا و يزيد من الزمان ، حاول الفرنسيون خلال تلك الفترة طمس الهوية العربية و جعل الثقافة الفرنسية هي المصدر في كل شيء . . فكان نتيجة ذلك أن تخرج جيل و هو لا يعرف من لغته العربية سوى أقل القليل منهم كان مالك حدّاد الذي قال ذات يوم أثناء محاضرة له بالفرنسية في دمشق عن الثورة الجزائرية التي كانت في عنفوانها " إن مأساتي تتجلى الآن بشكل أعمق . . إني أقف أمامكم؟ لا أعرف كيف نتفاهم! " . .


كان يحلم بغد أفضل ، بجزائر حرة ، لم يقوقعه حزنه على الوطن المستباح بل انطلق مخاطبا الفرنسيين بلغتهم عبر شعره و ثقافتهم التي استمدها منهم فكانت معوله لهدم القهر و العبودية .. هو من جيل الأبطال الذين لم يرضوا الهوان و لم يتقاعسوا عن خدمة وطنهم و لو بحرف . . !


بعد استقلال الجزائر قرّر ان يتوقف عن الكتابة مصرّحاً بجملته الشهيرة " اللغة الفرنسية منفاي، ولذا قررت أن أصمت" . وهكذا مات مالك حداد بسرطان صمته، ليكون أول شهيد يموت عشقاً للغة العربية.




قالو عن مالك حداد


"إنه كاتب كبير و رجل عظيم و كان وطنيا بوجدانه و روحه لكن لسانه كان يخونه و لا يستطيع التعبير عن هذا الوجدان إلا بالفرنسية ما جعله يردد دوما الفرنسية هي منفاي.."


زهور ونيسي




"كان أكبر حزناً من أن يكون في متناول فرحتي به، وكنتُ أنا أكثر خجلاً، وأقلّ خبرة من أرد على طلبه المتواضع بترجمة بعض قصائده للعربية ، التي كان يتمنّى أن يسمعها بصوتي في ذلك البرنامج الليلي الذي كنت أُقدّمه ، والذي كان يستمع له بشغف مَن يحبُّ موسيقى اللغة العربية التي حُرم من تعلُّمها. كنت بالنسبة إليه رمزاً للجزائر الفتية ، التي صمت ليستمع لصوتها العربي. وكان بالنسبة إليًّ اسماً كبيرا لم أقرأ له شيئاً، ولكن أدري أن فيه الكثير من فجيعة أبي وحرقة حرمانه من تعلُّم اللغة العربية . "


أحلام مستغانمي




"هو ساجن الحب الأشقر والقواميس الألمانية – الفرنسية بفنادق باريس، ومغرق الصحراء والحي اللاتيني في كؤوس "الروزي"، ومبيد الغزلان في أعين عشاق العرق الشرقي الأكبر... إلى الصديق الذي لا أعرفه إلا من خلال صدفة افريقيتنا الشمالية، وفصاحته الفرنسية، وكأس قد شربنا بعقر حانوت لبيع الكتب العتيقة بنهج "الاوديون"بباريس ذات عشية "


صالح القرمادي



مالك حداد المبدع الذي عاش في صمت.. ومات فيه؟!




الشاعر الكاتب الروائي: مالك حداد (1927-1978) من كتاب (الفرنسية) في (الجزائر) لكنه ليس كسائر الكتاب الفرنسيين في (الجزائر) أو المنتمين إلى (الجزائر) (ببطاقة هوية) وحدها، فهو الثائر حتى على نفسه، معتبراً اللغة الفرنسية منفاه محروماً من القدرة على التعبير بلغته الوطنية (العربية) كسائر أولئك الذين "لم يسمح لهم بتعلم لغة بلادهم" كما قال في الصفحة العاشرة من روايته "رصيف الأزهار لا يجيب" فبقى حسب تعبيره "يتيم القراء" في عمق وطنه، وقد تاق إلى التعويض ثأراً لذلك بأن يجعل ولده (حجة في العربية) ربّما! لعلّ! من يدري؟ لست أدري؟‏



من هنا أعلنوا الحصار عليه في حياته وطيّ صفحته بعد وفاته. كيف لا يحدث هذا لرجل أراد أن يكون جزائرياً عربياً: فكراً وشعوراً وهو يعاني بألم عجزاً عن ذلك -لغة- بفعل إرث استعماري؛ فلعن الاستعمار الذي جعله سجيناً في لغته الفرنسية، فكان جزاؤه عن اللعنة والإدانة زجا به في ركام (المهملات).‏



هو (مالك حدّاد) الشاعر، صاحب المجموعة الشعرية الأولى له "الشقاء في خطر" سنة 1956، والروائي الذي أنجز أوّل رواية له سنة 1958 بعنوان: "الانطباع الأخير" تحية للثورة الجزائرية (1954-1962) المتأججة، في عامها الرابع، وقد احتضنها الرجل، فوجد فيها ذاته، بعد ميلاده الفكري السياسي الجديد يوم (8 ماي 1945) الذي دشن فيه الاستعمار مجازره الجماعية، فأدرك (مالك) حقد الاستعمار، وضرورة القضاء على وجوده:‏



"لقد ولدت في 8 ماي 1945 أيحتاج هذا التاريخ إلى تعريف؟" ثم لا يرى في حياته قبل هذا اليوم شيئاً، لقد التزم مالك أيضاً منذ 8 ماي يوم الدمع والدم في الجزائر، طريق الثورة، وصعّد فيه جنباً إلى جنب مع رفاقه حملة السلاح "يحققون وجودهم العزيز ويعطون للحرية وللكرامة الإنسانية معناهما الأصيل" كما تقول (ملك أبيض) في تقديمها لديوان زوجها (سليمان العيسى): "صلاة لأرض الثورة" بعدما ذكرت معاناة (حداد) مع (الفرنسية) وصعوبة التبليغ لأبناء وطنه العربي (الإسلامي) ومنهم أبناء (دمشق) حين حلّ بها محاضراً بالفرنسية والثورة الجزائرية في عنفوانها "كانوا يقرأون كلماته في عبارات وجهه، ويقاطعونه بالتصفيق والهتاف، فلا يملك إلا أن تخضل عيناه بالدموع، ويعلق: إن مأساتي تتجلى الآن بشكل أعمق... إني أقف أمامكم؟ لا أعرف كيف نتفاهم!".‏



بعد رواية "الانطباع الأخير" جاءت رواياته الأخرى "سأهبك غزالة" سنة 1959 و "التلميذ والدرس" سنة 1960، و "رصيف الأزهار لا يجيب" سنة 1961، وهذه من آخر ما كتب، لكنها حبلى بأريج الذكريات، وأوجاع الانكسارات، انطلاقاً من مربع الذكريات (قسنطينة) مسقط الرأس، وهواه، ومدفن آلامه وآماله معاً، وقد مارست ضغطها على الشارع "الرصيف الباريسي" الذي لم يعد يجيب! فيها يرتسم جو (قسنطينة) الخريفي منذ البدء، فتضطرم مشاعر الطالب البطل (خالد بن طبال) بمختلف الأحاسيس، منها أحداث الربيع الدامي برصاص الاستعمار الفرنسي في (8 ماي 1945) "في ذلك الصباح من شهر أكتوبر كانت ثانوية قسنطينة القديمة متأثرة إلى أقصى حدود التأثر... وكانت البلاد تداوي بمشقة جروحها مما أصابها فصل الربيع الدامي، وكانت طيور اللقلاق، تنظّم رحيلها وكانت الأراضي في الجبال المحيطة بالمدينة صفراء اللون"(1).‏



في ثانوية المدينة تلك بدأ الحس الوطني ينمو متفجراً، والطالب (خالد) يلتحق بقسم الفلسفة، حيث جمعته الصدفة على مقعد المدرسة بالطالب الأوروبي (سيمون كاج) "من أجل دراسة آثار برجسون، وديكارت، وإهمال ابن باديس، والشعراء الجزائريين الذين لا يذكر لهم اسم"(2).‏



إنه الوعي المبكر الذي شرع يشحن هذه التجربة الروائية بطاقة وطنية، تدين الاحتلال الفرنسي، وتعلن الوفاء لأرض الأجداد، على عكس الكتاب الفرنسيين الآخرين (في الجزائر) من أمثال (مولود معمري) و (كاتب ياسين) الذين كان ولاؤهم للغة (الفرنسية) لا لهذه الأرض العربية التي ألقت بظلالها على "رصيف الأزهار" نفسه في باريس، ولم يعد هذا الرصيف يجيب!‏



حتى (سيمون كاج) الزميل القديم في (قسنطينة) الذي بات في (باريس) مع أطفاله الثلاثة وزوجه (مونيك) المستهترة، لم يعد يولي اهتماماً لشيء، حتى لشرفه، قال (سيمون) لمرافقه (خالد): "لقد اخترت -كما تراني- أن أكون كسائر الناس... لم يبق مني سوى الهيكل العظمي، وبلغ الرجلان مفترق الطرق الذي يدعى (الأوديون) وحاولا أن يغيّرا موضوع الحديث إلى أسلوب المزاح:‏



-كم كان برجسون مسكيناً! وكم كنا نحب علماء النفس!‏



-أنا متأكد أن برجسون كان رجلاً طيباً، هل تفهم ما أقول يا سيمون؟ كان أسلوبه شاعرياً إلى حد بعيد. وربما كان في حياته الخاصة جديراً بالرثاء ولكنه لم يكن بليداً.‏



إن باريس تموج بالناس وتتسع كل يوم لكنك يا باريس لم تفهمي شيئاً مما يجري في العالم"(3).‏



ورغم الأشواق والآمال وجمال (باريس) نفسها، فالصورة تبقى بشعة، تبقى صورة الموت والدمار الذي عرفته (الجزائر) على أيدي المحتلين، وحتى خيانة (وريدة) في (قسنطينة) نفسها، فبماذا كان يعتمل فكر (خالد) وماذا كان يشغله، إنهم ناس بلده "أولئك الذين أخرجوا من ديارهم، لن يعرفوا الابتسامات في المنفى. سيخيل إليهم أن كل يوم أطول من سابقه، وأكثر حزناً، سيخيل إليهم أن كل يوم يحمل مأساة جديدة. فهذا قد مات وذاك عذب، وذاك لم يسمع عنه خبر وذاك ألقي عليه القبض.‏



وريدة لا تبعث الرسائل أو بالأحرى أنها لم تعد تبعث الرسائل. ماذا حدث لها؟ وأنتظر يوم الاثنين والثلاثاء: لا شيء. وذهب إلى مركز البريد وإلى منزل سيمون كاج، ولكن لا شيء. ومع هذا كله فينبغي أن لا تفارق الابتسامة شفتيه، وأن يحلق اللحية كل صباح، وأن يتظاهر بقراءة الجريدة في المطعم. وهو يقوم بهذا "يقتل الوقت" ويقتل نفسه. وحينئذ يلاحظ بأن الزمن بطئ في عزف سيمفونية الأيام الرتيبة المتشابهة التي لا طعم لها ولا لون. والطيار الشديد الانتباه يلمح الأرض ويراها تزداد اتساعاً. ومن يدري، فلعله أخطأ في ضبط الأجهزة، أو لعله نسي شيئاً هاماً؟ وخالد يقول فيما بينه وبين نفسه:‏



"إنها زوجتي وأنا أعرفها جيداً إنها تشاركني في المصير وتكن في قلبها نفس الآمال التي أكنّها وتجعلني أفكّر فيها بين الحين والآخر. ومن يدري، فلعل تخلف رسائلها ناتج عن التغيرات التي طرأت في البريد.. وأنا شخصياً لا أراسل أحداً. ولكن هل لي الحق في المراسلة؟ وما وضعيتي بالضبط؟ لقد بلغني أنهم جاءوا لإلقاء القبض علي. لا يهم! الأهم من ذلك أن هذا الحب باق، ما دام هذا العصر الذي نعيش فيه هو عصر الإيمان والمحبة.‏



وإلا فالويل للإنسان من هذا الزمان!.."(4)‏



وهكذا تصبح "باريس أمام عينيه وكأنها صحراء لا أنيس بها، وخيل إليه أنه يسير وحيداً في درب الحياة، وأنه سيلتقي في نهاية هذا الدرب بوريدة، ولا شك أن هناك كثيراً من الناس حرموا من التمتع بنعمة الوطن واجتماع الشمل مع الزوجة، وكان خالد لا يفتأ يمني نفسه باللقاء مع وريدة ذات يوم وهذا الأمل في اللقاء لا يعود في الواقع إلى أنانية في طبعه بقدر ما يعود إلى حاجة في نفسه تدفعه إلى أن ينظر إلى الأشياء من زاوية الإنسانية وأن يحكم على الأشياء مستنداً على القيم الإنسانية وحدها ومع ذلك فإن هذا الإنسان أو بالأحرى، هذا الكاتب الذي يفكر تفكيراً سياسياً، ليس في الواقع سياسياً"(5).‏



لكن السياسية تقتحم علينا عالمنا من دون استئذان، ولا اختيار، أليس التفكير في (الوطن) ومصيره: سياسة؟ أليس التفكير في (الجهاد) و (الاستشهاد) سياسة: "سيأتي ذلك الحين الذي يتحتم فيه أن تمجد بطولات أولئك المجاهدين الذين شاركوا في الكفاح من غير أن يرتدوا اللباس العسكري. كان خالد يتمنى أن تقوم الحرب، وفي نفس الوقت كان متخوفاً منها مثلما يتخوف الطبيب الجراح من نتائج العمليات الخطيرة. ومع ذلك، لم يكن هناك حل آخر لأن القوّة لا تعرف سوى القوّة"(6).‏



لكن حي "رصيف الأزهار" الذي كان يقصده (خالد) شرع يفقد طعمه وبهاءه "كان الثلج يتساقط فوق رصيف الأزهار"(7) حتى باتت تحلق "فوق حي رصيف الأزهار سحب الكآبة والحزن"(8).‏



وهو ما يجد الاستجابة التامة له في نفس (خالد) المطبوع على (التجهّم) الذي كانت تضيق به (مونيك) نفسها زوج (سيمون).‏



في "رصيف الأزهار لا يجيب" يلتحم الهمّ الشخصي بالهموم الوطنية والإنسانية، بمشاعر الحنين، والخيانة والوفاء في بوتقة واحدة، صدى لمعاناة وطني على جبهات اختلفت، لكنها جميعاً التهبت نيرانها في روح (خالد بن طبال) الذي ليس سوى (مالك حداد) نفسه، في انكساراته، وأشواقه، هي الواقعية الشفافة، في تجربة روائية، ذات مضمون وطني إنساني.‏



وهذه الرواية مثل معظم روايات (مالك حداد) ترجمت إلى العربية، وأغلبها ترجم ونشر في (لبنان) و(تونس) و (دمشق) و (الجزائر) تحت وهج الثورة الجزائرية، لكن بعد النصر انقلبت الموازين، بفعل جهود (الطلقاء) الجدد في تاريخنا الجزائري المعاصر، وبفعل النشاط الحثيث لقوى الاستعمار العاملة لضرب (الجزائر) العربية المسلمة في العمق، فكيف يسهو الاستعمار وبيادقه عن (مالك) الساخط على (زنزانته) في (الفرنسية) أداة تفكير وتعبير؟ وكله توق في أن ينتقم له ابنه، فيجيد العربية لغة آبائه وأجداده، فيعرف ضميره بعض الراحة والطمأنينة.‏



لقد ولد الرجل في مدينة الوطنية الجزائرية المعاصرة (قسنطينة) مدينة المفكر الجزائري المصلح (عبد الحميد بن باديس) لكنه سرعان ما انتهى كاتباً بالفرنسية، ولم يشعر بمأساته إلا في عمق الثورة، ولم يتمكن من تجاوزها عقبة تؤرّق ضميره، لكنّ أعداءه استغلوها بعدما استحال عليهم ترويضه، فكان الحصار والصمت جزاء تمردّه على أوامر (باريس) وعملائها: فكراً، ولغة، و (أيديولوجية). وقد وجدت في (رجالها) بوطنه (الجزائر) عوناً لها، رجالها في السياسة وفي الثقافة وفي الإعلام، وقد مضى نشاطهم يتّسع ويطرد منذ الساعات الأولى للاستقلال، منذ الساعات الأولى حقيقة لا مجازاً.‏



وها هم اليوم يعلنونها في (الجزائر) صراحة، في زمن الضعف والهوان، وموت الروح الوطنية، والطاقة الجهادية، فيتظاهرون في (1998) في شوارع (تيزي وزو) استنكاراً لتعميم (اللغة العربية) الذي يترتب عنه تقليص هيمنة (الفرنسية) حتى في المواقع البسيطة، هم أحفاد (لاكوست) و (بيجارا) و (غي مولي) و (ديغول) الذين بقوا أكثر ولاء للغة الجد (لاكوست) و (الأخوال) من أمثال (ميتران) و (شيراك) و(ديستان) هو المسخ الثقافي والاستعمار الفكري الذي ناهضه (مالك حداد).‏





وهذا ما يبرر.. إن كان الأمر في حاجة إلى تبرير سرّ إهمال الرجل، والصمت عنه حتى في الدراسات العليا بالجامعات الجزائرية، فلم تعد عن أعماله ولا رسالة واحدة جامعية، ولا رسالة (ماجستير) كما يبرّر في الوقت نفسه من جهة أخرى هذا الصخب الذي لا يكاد يتوقف في تلميع كتاب (فرنسا) في (الجزائر) أي (الجزائريين) ببطاقة الهوية فقط، الفرنسيين: لغة وفكراً وشعوراً وطموحاً وآمالاً، وانتماء حضارياً في النهاية.‏



والخاتمة: (مالك حداد) المبدع بالفرنسية رقم مهمل، أما غيره من كتاب فرنسيين عاديين جداً أو دون العادي، أمثال (مولود معمري) و (كاتب ياسين) في الأولين، و (طاهر جاووت) و (رشيد ميموني) في الآخرين فهم (أعلام) تدقّ لهم الطبول بمناسبة ما... ومن دونها، تعد عنهم الرسائل الجامعية، والمقالات التحليلية في الصحافة الفرنسية (بباريس) و (الجزائر) يحظون بالتكريم المادي والمعنوي؛ فترصد لهم الجوائز في فرنسا الأم، وتسند إليهم "أدوار" في الجزائر وفي (فرنسا) بعضها "سرّي" وبعضها معلن، كما تطلق أسماؤهم على: جمعيات "ثقافية" فرنسية أو (فرنسية- جزائرية) ومؤسسات فرنسية و(جزائرية)... كما هم موضع دعم سياسي ومادي ومعنوي... في كل الظروف. كما أن (فرنسا) ملاذهم عند (الملمات) في (الزّمن الصعب) فيحلّون بها كأبطال وافدين أو فارين... لحضن الأم... المرضعة... الحنون فتبقى (فرنسا) واللغة الفرنسية: الروح والفكر والانتماء إلى مجال حضاري أوروبي، إنه التمسك بالعبودية، فما ألذّ وقع السياط في أيدي الجلاّدين على ظهور العبيد ذوي القابلية للتبعية للمستعمر الغالب!‏



أما (مالك حداد) الجزائري العربي الوطني المضطهد؛ فقد ثار الإنسان الجزائري الأصيل في أعماقه؛ فحاول رفض واقعه أملاً في تجاوزه، كما أعلن عداءه للاستعمار ومجاله الحضاري، فدفع إلى زاوية مظلمة محاصراً بصمت مطبق... أسلوب النذالة الاستعمارية... واليسار الانتهازي، وخطط التطويق... والعزل، في زمن تسوده ثقافة المسخ والنسيان... ونكران الجميل! في زمن (العمالة) و (الخيانة) وسلطة (الطلقاء)!.‏



فرحمك الله أيها الرجل... وغفر لك! وستبقى في ضمائر كلّ الشرفاء كلما حلّت ذكرى ميلادك أو وفاتك أو انسحبت تلك أو هذه في اكتئاب!‏




وكان الله في عون وطنك... وهو ينزّ جراحات العشرية الحمراء (1992-1999م) بعد العشرية السوداء.. ويعاني آلاماً... ومخاضاً... ربّما! لعلّ! وعسى! أليس مع العسر يسراً؟ بلى... هو وعد الله... والله لا يخلف وعده! كما ينجز وعيده... لكل الطغاة، ومنهم "طلقاء" الثورة، في زمن الغدر.. والخيانة! وقد فجروا... وغدروا!.‏






ونلتقي لنرتقي في الحلقة الخمسين من سلسلة أعلام 

الجزائر  

إن شاء الله تعالى. 

فانتظــــــــــرونا






العودة
Top