خطبة واصل بن عطاء

حمو أمل

:: عضو بارز ::
أحباب اللمة
إنضم
2 أوت 2010
المشاركات
1,159
نقاط التفاعل
23
النقاط
37
العمر
36


سبب الخطبة:
كان واصل ابن عطاء قد دعي لإلقاء خطبته على الملأ في حفل جامع ضم صفوة القوم، أقامه والي العراق عبد الله بن عمر بن عبد العزيز. فقد حضر المجلس سادة المفوهين والبلغاء، وفي طليعتهم ثلاثة من أعلام الخطابة وأرباب الفصاحة، هم خالد بن صفوان وشبيب بن شيبة والفضل بن عيسى. وشرع كل واحد يلقي خطبته، وكان واصل بن عطاء أخرهم، فارتجل خطبته العتيدة وسط دهشة الحاضرين وإعجابهم.
خطبة واصل ابن عطاء التي جانب فيها حرف الراء:
“الحمد لله، القديم بلا غاية، والباقي بلا نهاية، الذي علا في دنوه، ودنا في علوه، فلا يحويه زمان، ولا يحيط به مكان، ولا يؤوده حفظ ما خلق، ولم يخلق على مثال سبق، بل أنشأه ابتداعاً، وعدّ له اصطناعاً، فأحسن كل شيء خلقه وتمم مشيئته، وأوضح حكمته، فدلّ على ألوهيته، فسبحانه لا معقب لحكمه، ولا دافع لقضائه، تواضع كل شيء لعظمته. وذلّ كل شيء لسلطانه، ووسع كل شيء فضله، لا يعزب عنه مثقال حبة وهو السميع العليم. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا مثيل لـه، إلهاً تقدست أسماؤه وعظمت آلاؤه، علا عن صفات كل مخلوق، وتنزه عن شبه كل مصنوع، فلا تبلغه الأوهام، ولا تحيط به العقول ولا الأفهام، يُعصى فيحلم، ويدعى فيسمع، ويقبل التوبة عن عباده، ويعفو عن السيئات ويعلم ما يفعلون. وأشهد شهادة حق، وقول صدق، بإخلاص نية، وصدق طوّية، أن محمد بن عبد الله عبده ونبيه، وخالصته وصفيه، ابتعثه إلى خلقه بالبينات والهدى ودين الحق، فبلغ مألكته، ونصح لأمته، وجاهد في سبيله، لا تأخذه في الله لومة لائم، ولا يصده عنه زعم زاعم، ماضياً على سنته، موفياً على قصده، حتى أتاه اليقين. فصلى الله على محمد وعلى آل محمد أفضل وأزكى، وأتم وأنمى، وأجل وأعلى، صلاة صلاّها على صفوة أنبيائه، وخالصة ملائكته، وأضعاف ذلك، إنه حميد مجيد.
أوصيكم عباد الله مع نفسي بتقوى الله والعمل بطاعته، والمجانبة لمعصيته، فأحضكم على ما يدنيكم منه، ويزلفكم لديه، فإن تقوى الله أفضل زاد، وأحسن عاقبة في معادٍ. ولا تلهينكم الحياة الدنيا بزينتها وخدعها، وفواتن لذاتها، وشهوات آمالها، فإنها متاع قليل، ومدة إلى حين، وكل شيء منها يزول. فكم عاينتهم من أعاجيبها، وكم نصبت لكم من حبائلها، وأهلكت ممن جنح إليها واعتمد عليها، أذاقتهم حلواً، ومزجت لهم سماً. أين الملوك الذين بنوا المدائن، وشيدوا المصانع، وأوثقوا الأبواب، وكاثفوا الحجاب، وأعدّوا الجياد، وملكوا البلاد، واستخدموا التلاد. قبضتهم بمخلبها، وطحنتهم بكلكلها، وعضتهم بأنيابها، وعاضتهم من السعة ضيقاً، ومن العز ذلاً، ومن الحياة فناء، فسكنوا اللحود، وأكلهم الدود، وأصبحوا لا تعاين إلا مساكنهم، ولا تجد إلا معالمهم، ولا تحس منهم أحداً ولا تسمع لهم نبساً.
فتزودوا عافاكم الله فإن أفضل الزاد التقوى، واتقوا الله يا أولي الألباب لعلكم تفلحون. جعلنا الله وإياكم ممن ينتفع بمواعظه، ويعمل لحظه وسعادته، وممن يستمع القول فيتبع أحسنه، أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولو الألباب.إن أحسن قصص المؤمنين، وأبلغ مواعظ المتقين كتاب الله، الزكية آياته، الواضحة بيناته، فإذا تلي عليكم فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم تهتدون.
أعوذ بالله القوي، ومن الشيطان الغوي، إن الله هو السميع العليم. بسم الله الفتاح المنان. قل هو الله أحد الله الصمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد.
نفعنا الله وإياكم بالكتاب الحكيم، وبالآيات والوحي المبين، وأعاذنا وإياكم من العذاب الأليم. وأدخلنا جنات النعيم. أقول ما به أعظكم، وأستعتب الله لي ولكم.
أصداء الخطبة:
كان لخطبة واصل بن عطاء، فيما تروي لنا كتب الأدب والأخبار، دوي في أوساط الشعراء والمتأدبين، وتعدت هؤلاء إلى سائر الناس. وكان ذلك اليوم بمنزلة المباراة بين خطباء العصر، وقد تفوق واصل عليهم جميعاً.
وكما قال الجاحظ: “كان واصل مع ارتجاله الخطبة التي نزع منها الراء، كانت مع ذلك أطول من خطبهم”.
وما يجدر قوله إن أهمية خطبة واصل التي جانب فيها الراء لا تنبع من مضمونها ومعطياتها المعرفية والدينية فقط. إنها على هذا الصعيد خطبة كسائر الخطب المعهودة في عصر الراشدين والأمويين، وفيها شبه كبير بخطبتي عمر بن عبد العزيز وسليمان بن عبد الملك…غير أن أهميتها تتجلى في بنيتها اللفظية وسمتها الأسلوبية، وكونها مرتجلة تدل على اقتدار صاحبها في امتلاك ناصية اللغة، وتمكنه من معطياتها التعبيرية، من قوة بديهة وحسن أداء… وكل ذلك أكسبها قيمة فنية وقيمة تاريخية، بحيث غدت قطعة نثرية بالغة الطرافة والتفرد في الأدب العربي.
وقد نجم عن خطبة واصل كثير من منظوم الكلام ومنثوره، لم يخرج في جملته عن مشاعر الإعجاب والتقدير. من مثل وصف الشاعر صفوان الأنصاري ما حدث في ذلك اليوم المشهود إذ قال من قصيدة:
فسائل بعبد الله في يوم حفله

وذاك مقام لا يشاهده وغد
أقام شبيب وابن صفوان قبله

بقول خطيب لا يجانبه القصد
وقام ابن عيسى ثم قفاه واصل

فأبدع قولاً، ما له في الورى ند
فما نقصته الراء إذ كان قادراً

على تركها، واللفظ مطرد سرد
ففضل عبد الله خطبة واصل

وضوعف في قسم الصِّلات له الشكد
ويعد بشار بن برد في طليعة المادحين لواصل والمشيدين بنبوغه، وذلك بطبيعة الحال قبل أن يختلف معه في مسائل. فقد أفعمت نفس بشار إعجاباً بواصل، ونظم أشعاراً عديدة ينوه فيها بفضله ويعلي من بداهته وقدرته على الارتجال، ومفضلاً إياه على أنداده:
أبا حذيفة، قد أوتيت معجبة

من خطبة بدهت من غير تقدير
تكلفوا القول والأقوام قد حفلوا

وحبروا خطباً ناهيك من خطب
فقام مرتجلاً تغلي بداهته

كمرجل القين لما حف باللهب
وجانب الراء لم يشعر به أحد

قبل التصفح والإغراق في الطلب
وإذا خرجنا من نطاق خطبة واصل إلى دائرة أرحب في حياته، وحرصه المستديم خلالها على مواجهة اللثغة في الراء، بدا لنا مدى اهتمام العديدين بدراسة هذه الظاهرة الصوتية لديه. ومن هذا القبيل قول الجاحظ: “وكان واصل إذا أراد أن يذكر البُر قال القمح أو الحنطة. والحنطة لغة كوفية، والقمح لغة شامية…”. وهذا ما قاله أيضاً ضرار بن عمرو شعراً، وبقدر من الزيادة:
ويجعل البر قمحاً في تصرفه

وجانب الراء حتى احتال للشّعر
ولم يطق مطرا والموت يعجله

فعاذ بالغيث إشفاقاً من المطر
امتحان الشباب له:
ويبدو أن بعض الشباب كان يطيب لهم أحياناً أن يتحرشوا بابن عطاء بدافع الفضول وبقصد امتحانه أو إحراجه والتندر بلثغته، إذ ليست مجانبة الراء في الكلام بالأمر الهين، ولا سيما أن الراء من أكثر الحروف دوراناً على الألسنة، فكان واصل شديد الحرص على ألا يقع في شركهم. ويروى أن نفراً من هؤلاء دفعوا إليه رقعة ليقرأها عليهم، وفيها:
“أمر أمير الأمراء الكرام أن تحفر بئر على قارعة الطريق فيشرب منها الصادر والوارد”.
فقرأ واصل على الفور: “حكم حاكم الحكام الفخام أن ينبش جب على جادة الممشى، فيستقي منه الصادي والغادي”. وكان واصل إذا أراد أن يقول أعوذ بالله القوي من الشيطان الرجيم، باسم الله الرحمن الرحيم، فإنه يقول: “أعوذ بالله القوي، من الشيطان الغوي، باسم الله الفاتح المنان”.
وكان طبيعياً لدى معاصري واصل بن عطاء أن يجلوه ويكبروا فيه اقتداره ونبوغه، إذ انطوت مشاعرهم تجاهه على مزيج من الإعجاب والاستغراب. وقد عبر أحدهم عن ذلك بتساؤلات تنم على الدهشة والحيرة، إذ قال: “… وكيف كان واصل يصنع في العدد، وكيف يصنع بعشرة وعشرين وأربعين؟، وكيف كان يصنع بالقمر والبدر، ويوم الأربعاء، وشهر رمضان. وكيف كان يصنع بالمحرم وصفر وربيع الأول وربيع الآخر وجمادى الآخرة ورجب…”. وإذ ذاك تمثل أحد السامعين بقول الشاعر صفوان الأنصاري الذي سبق أن أشاد بنبوغ واصل:
ملقن ملهم فيما يحاولـه

جم خواطره جواب آفاق
وكأن الرجل اكتفى بهذا الجواب المقتضب تجاه أسئلة السائل المتلاحقة، مشيراً إلى أن ما انطوى عليه واصل بن عطاء من موهبة كان من قبيل الإلهام، إذ ليس إلى تفسير العبقرية من سبيل.
والحق أن الإمساك بزمام اللغة، وامتلاك ناصية التعبير، مع البداهة والقدرة على الارتجال….، كل ذلك لا يستطيعه إلا من كان من أولي العزم. ومن قبل رأى سهل بن هارون: “أن سياسة البلاغة أشد من البلاغة”.
إنه نموذج إنساني فريد عرف بلثغة أخرى، ولكنها مجهولة لا تعرف ماهيتها ولا يعرف نوعها، وهي تبعاً لذلك مغايرة للمعهود من حيث خفاؤها على الناس. إنها لثغة واصل بن عطاء المعتزلي. والجاحظ يقف وقفة متأنية عند ظاهرة اللثغة في الراء، ولا سيما عند واصل، وذلك في مواضع متعددة من كتابه “البيان والتبيين”. إنه لا يبين طبيعة هذه اللثغة ولكنه يصفها في كل مرة بصفات سلبية حادة كأن يقول: “وكان واصل بن عطاء قبيح اللثغة شنيعها. وكان طويل العنق جداً….”.
وبوسعنا القول إنه كان لواصل أثر واضح في تسليط الضوء لغوياً واجتماعياً على هذه الظاهرة الصوتية في الكلام. وابن عطاء هو من هو بين رجال عصره منزلة وفضلاً. كان فطناً ذكياً راجح العقل حاضر البديهة، واسع الحيلة، كما كان خطيباً بليغاً. لكنه كان مصاباً بلثغة تقع له في حرف الراء. فهاله الأمر، وعزم على أن يروض نفسه على مجانبة الراء والتغلب على هذا العيب واجتثاث الداء من أصله. وقد أوضح لنا الجاحظ حالته تجاه هذه العلة ببيانه المشرق فقال:
“ولما علم واصل بن عطاء أنه ألثغ فاحش اللثغ، وأن مخرج ذلك منه شنيع، وأنه كان داعية مقالة ورئيس نحلة، وأنه يريد الاحتجاج على أرباب النحل، وزعماء الملل، وأنه لا بد له من مقارعة الأبطال، ومن الخطب الطوال، وأن البيان يحتاج إلى تمييز وسياسة، وإلى ترتيب ورياضة، وإلى إتمام الآلة، وإحكام الصنعة، وإلى سهولة المخرج، وجهارة المنطق، وتكميل الحروف، وإقامة الوزن، وأن حاجة المنطق إلى الحلاوة والطلاوة، كحاجته إلى الفخامة والجزالة، وأن ذلك من أكثر ما تستمال به القلوب، وتثنى إليه الأعناق، وتزين به المعاني…، ومن أجل الحاجة إلى حسن البيان، وإعطاء الحروف حقوقها من الفصاحة، رام أبو حذيفة إسقاط الراء من كلامه، وإخراجها من حروف منطقه، فلم يزل يكابد ذلك ويغالبه، ويناضله، ويساجله، ويتأتى لستره، والراحة من هجنته، حتى انتظم له ما حاول، واتسق له ما أمّل…”.
والخطبة قيمة تربوية عظيمة قيمتها التاريخية تنبع من كونها أنموذج من خطب الوعظ الخالص في القرن الثاني للهجرة, تجنب فيها واصل فتن المذاهب والدعوات المذهبية وتصوير نهاية الأحياء, والتنوية بفضل القرآن, والحث على إتباع آيه وهديه.
 
شكراااااااااا لكم
 
لإعلاناتكم وإشهاراتكم عبر صفحات منتدى اللمة الجزائرية، ولمزيد من التفاصيل ... تواصلوا معنا
العودة
Top