جورج قرداحي ومواقفه الشجاعة
أجرىجورج القرداحي حوارا مع قناة «الدنيا» عبّر فيها عن موقفه من الأحداث التي تجري في سورية، ولقاءات أخرى له في عدد من وسائل الإعلام العربية المختلفة، ومحاضرةٍ ألقاها في دمشق بيّن فيها أن ما يجري في سورية ما هو إلا مؤامرة خارجية عمدت إلى تسخير عددٍ ليس بقليل من وسائل الإعلام العربية والعالمية لتحقيق مآربها الدنيئة في سورية المقاومة، جاءت الأوامر أخيراً من «أصحاب سلطان المال» وأسيادهم بضرورة معاقبة القرداحي وكسر شوكته و(قصّ جناحيه كما يقول العامّة)..
جورج قرداحي الذي بلغ صيته الآفاق، وعُرِف عنه سعة الإطّلاع ووفرة الثقافة وقوة الحضور وشدّة التأثير في الناس، والأهم من ذلك كله سلامة السريرة ونقاء القلب لم يعد مسموحاً له بإبداء رأيه بعد الآن! بل صار لزاماً على المجموعة التي عمل بها القرداحي لأكثر من 17 عاماً أن تعاقبه على الملأ، وأن ترسل بياناً يفيد بذلك إلى كل الصحف والمجلات! والسؤال الذي يطرح نفسه بنفسه هنا: قرار من هذا؟ أهو قرار صاحب المجموعة الذي كان وما زال يتبجّح على المنابر بكونه -كما يحلو له أن يسمي نفسه «أبو الإعلام العربي» وأقصد بذلك وليد الإبراهيم؟ أم هو قرار أسياد الإبراهيم في مملكة الـسعود؟ وهم كما يُشاع أصحاب المال وأصحاب المحطة الحقيقيون، وصاحب المال سلطان! أم هم أسياد هؤلاء في البيت الأبيض؟!
يعلم المتتبّع للشأن الإعلامي السعودي أن وليد الإبراهيم ومعه ثلةٌ من الإعلاميين السعوديين على غرار عبد الرحمن الراشد مدير قناة العربية وداوود الشريان الكاتب السعودي المعروف والإعلامي تركي الدخيل وآخرين.. محسوبون سياسياً على التيار الوسطي المعتدل في السعودية الذي يُعدّ الأمير عبد العزيز بن فهد أحد منظّريه، وطبعاً فإن الداعم الأول لهذا التيار كان الملك الراحل فهد بن عبد العزيز. أما تيار المُغالين – أو الصقور بمصطلح السياسة- فهم المحسوبون على الأمير سلمان بن عبد العزيز وثلّته الأكثر تعصّباً لوهابيّتهم، وهم غير راضين «نسبياً» عن النهج «المنفتح» لمجموعة إم بي سي عموماً، وإن كانوا لا يختلفون إطلاقاً مع الخط السياسي للمجموعة ولقناة العربية ومديرها المُتأمرِك عبد الرحمن الراشد، وهو الخط المُطبّع مع الولايات المتحدة، والمروّج لتوجهّاتها وسياساتها في المنطقة. وعلى الرغم من محاولات الإبراهيم ومن معه المضيّ ظاهرياً في سياسة الانفتاح وارتداء قناع التحرّر والمباهاة بنهجهم الديمقراطي، غير أن ضعف التيار المعتدل بعد رحيل الملك فهد، وتغيّر المعطيات الإقليمية في المنطقة، إضافة إلى تخبّط القرار الأميركي بعد الأزمة الاقتصادية العالمية والفشل الأميركي المدوّي في العراق وأفغانستان.. كل ذلك قوّى من نفوذ الصقور في دائرة صناعة القرار السعودي الضيّقة، وهو ما تُرجم مؤخراً بقرار مجهول المصدر، اتُخذ ظلما وبهتاناً بحقّ الإعلامي القدير جورج قرداحي. ولأن الشيء بالشيء يُذكر، تلوح في الذاكرة القريبة نبأ استقالة عبد الرحمن الراشد من منصبه في إدارة قناة العربية، بعد أن تمّ إيقاف عموده في جريدة الشرق الأوسط، وذلك كما قيل حينها، على خلفية بثّ قناة العربية لبرنامج وثائقي يتحدث في أحد جوانبه عن نشأة الوهابية وحروب مؤسسها محمد عبد الوهاب، وهو الأمر الذي يقضّ مجرد ذكره مضاجع التيار المتشدد في المملكة. الراشد الذي استقال من منصبه في قناة العربية، لم يلبث أن عاد لنفس المنصب في أقل من 24 ساعة، بعد تدخلّ قوة أشد بطشاً وتأثيراً من قوة تيار الوهابيين السعودي والأمير سلمان وحاشيته.. إنها الولايات المتحدة التي بادرت بالتدخل (كما يتدخل الوالد) لدى صناع القرار السعودي على أعلى مستوى لتنهي نزاع الأطفال ذاك، ولترفع العقاب عن الراشد وتُرجع له عموده في جريدة الشرق الأوسط، وتعيده بالتالي إلى قناة العربية، وهو ما جعل مجموعة الإم بي سي آنذاك تتخبّط بإرسال البيانات الصحفية واحداً تلو الآخر، تارةً لتبرّر نبأ الاستقالة، وطوراً لتنفيها، وتُفبرك الأعذار الواهية حول رفض الإبراهيم طلب استقالة الراشد، وكأن الإبراهيم في موقع من يملك حق الرفض والقبول أصلاً! القرار باختصار أميركي في المقام الأول.. فالأصل (الذي بدأنا به المقال) في أميركا، والفرع في (السعودية)، وما بين الفرع والأصل فصول طويلة من التآمر على المنطقة عموماً وعلى محور المقاومة خصوصاً، وعلى سورية والسوريين أخيراً.
الإعلامي النزيه جورج قرداحي ذو المبادئ الثابتة والمواقف المشرّفة والذي لا يملك (وله الشرف في ذلك) من يسانده في البيت الأبيض، كان ضحيةً لموقفه الشريف والمقاوم.. ضحيةً لكلمة حقٍّ قالها... ضحية لكذبة كبيرة كانت وما زالت مجموعة إم بي سي وقناة العربية تتغنّى بها وتروّجها وتسوقها علينا نحن المشاهدين، بل تسوقها حتى على إعلامييها وموظّفيها أنفسهم.. كذبة عنوانها «حرية الإعلام» و«حرية الرأي» و«حرية التعبير»... كذبة اسمها الرأي والرأي الآخر... فها هي المجموعة الإعلامية الأكبر في المنطقة، لم تستطع أن تحتمل - لا هي ولا من يقف خلفها- كلمة حقٍّ واحدة تعارض توجهاتها الرخيصة. وها هم دعاة الحرية يسقطون في فخ حريّتهم الزائفة. ففي بادئ ذي بدء، رحنا نتابع وعلى مدى 10 أيام هجوماً مسعوراً يشنّه أصحاب الأقلام المأجورة في الصحف الصفراء على القامة الإعلامية الشريفة جورج قرداحي فيتهمونه بالوقوف إلى جانب النظام في سورية، وكأن مناصرة الحق تهمة- وبالتهجم على الشعب السوري، محوّرين أقواله التي لا لَبس فيها، ومدوّرين الزوايا الحادة عبر فبركة الأكاذيب على لسانه وتقويل الرجل ما لم يقله وما لا يمكن أن يقوله أصلاً، وهو صاحب الموقف الذي لم يتغيّر منذ أن سطع نجمه في لبنان قبل 30 عاماً، ولاحقاً في راديو مونت كارلو، قبل إطلاق مجموعة الإم بي سي بسنوات.
وبعد انقضاء الفصل الأول من الحملة الصحفية المسعورة على القرداحي، آن أوان الفصل الثاني الذي يحمل عنوان «رصاصة الرحمة» التي تطلقها إم بي سي على أبرز وجوهها وأكثرهم إشراقاً.. فتعلن المجموعة على الملأ، وبصفاقةٍ لا مثيل لها، إيقاف برنامج القرداحي «حفاظاً على مشاعر ودماء الشعب السوري..» تلك الدماء الذكية التي دأبت قناة العربية ومن وراءها على إراقتها في درعا وتل كلخ وجسر الشغور والمعرة والبوكمال ودير الزور... تلك الدماء التي أريقت زوراً وبهتاناً على شاشات الجزيرة والعربية قبل أن تراق على أرض سورية الطاهرة.. في سعي حثيث للتحريض على القتل، ومن ثم الخروج في عزاء المقتول!
واليوم يسقط قناع جديد من أقنعة الفتنة والتحريض الإعلامي الموتور الذي حذّر منه القرداحي.. قناعٌ كان ثمن سقوطه هذه المرة محاولة تشويه صورة القرداحي واسمه الناصع عبر التسلّق على حائط «كرامة الشعب السوري»، ولكن «سذاجة» الرأي العام العربي الذي تراهن عليه إم بي سي وأسيادها هو خاسرٌ هذه المرة. فالشعب السوري الذي بذل الدم والعرق والمال نصرةً للمقاومة، لا يقبل أن تُستغل دماء أبنائه ومشاعرهم في مشروع حاقد يهدف إلى تشويه صورة أحد الشرفاء في العالم العربي. ولجورج قرداحي نقول: «قرّ عيناً، فمكانتك وبيتك في قلب كل شريف على امتداد هذه الوطن».