إصلاح ذات البين في السنة النبوية للشيخ عثمان عيسى.
لقد تَنَوَّعت ميادينُ الإصلاح في الشَّريعة الإسلاميَّةِ السَّمْحَةِ، من إصلاحِ النَّفسِ باطنًا بالإيمان الصَّحيحِ، والمعتقدِ السليمِ، وتقويمِ السُّلوكِ والخُلُقِ ظاهرًا كما جاء في عنوانِ الرِّسالة النَّبويَّة وشعارِها: «إِنَّمَا بُعِثْتُ لأُتَمِّمَ صَالِحَ الأَخْلاَقِ»، وتقويمِ المنْطِقِ بميزان البَيَانِ حِفاظًا على اللِّسانِ، إذِ الكلمةُ أصلُ عقيدةِ أهلِ الإيمان، فَأَطْيَبُها كلمةُ التَّوحيد، وأخْبَثُهَا كلمةُ الشِّرك، وقد رَاعَتِ الشَّريعةُ إصلاحَ الفردِ والمجتمعِ على حدٍّ سواء، إذْ لا مجتمعَ للنَّاس إلاَّ بمجموع أفراده، وإنَّ صلاحَ المجتمع مَبْنِيٌّ على صلاح الفرد وأهليَّتِه لِتَحَمُّلِ الأمانة وأدائها، ولا مجتمعَ صالحاً إلاَّ بتوحيدٍ خالصٍ من أفراده لربِّ العالمين، وأخوةٍ صادقةٍ لا يُكَدِّرُ صفوَها شيءٌ، قائمةٍ على أساس المودَّة والرَّحمة والتَّناصح والتَّناصر.
هذا، وقدِ اهتَمَّ الإسلامُ بالإصلاح اهتمامًا بالغًا، وخاصَّةً فيما يتعلَّق بِذَاتِ بَيْنِ المسلمين، فكان في حدِّ ذاتِه مقصدًا من مقاصده الكبرى، وغايةً من غاياته المثلى، جسَّد هذا الإصلاحَ النبيُّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ في واقع حياته، وبِهَدْيِه القَوْلِيِّ والعَمَلِيِّ، مع الصَّحابة الكرام ي فحرص كلَّ الحرصِ على إيصالِ كلِّ نفعٍ حسيٍّ ومعنويٍّ لهم، ودفعِ كلِّ ضَرَرٍ وأذى عنهم، فنهاهم عن الاختلاف والتَّفرُّق والتَّشَتُّتِ، وأَمَرَهم بالبعد عن كلِّ أسباب الخصومة والعداوة والبغضاء، وقَطْعِ دابرِ الهجران والكفران، بأنواع شتَّى وطرقٍ متنوِّعة فاضتْ بها السُّنَّة النَّبويّةُ العَطِرَةُ، وذلك كلُّه رحمةً منه ـ صلى الله عليه وسلم ـ ورأفةً بالخلق، واستجابةً للخالقِ جلَّ وعلا الآمرِ بالاجتماعِ والوِفاقِ.
ولما كان المرءُ معرَّضًا للفتنِ الظَّاهرةِ والباطنةِ، ومبتَلَى بما يلقاهُ في المخالطةِ والمعاشَرةِ من البَغيِ والأثَرَةِ، ولمَّا كانتْ طبيعةُ الإنسانِ كما خُلق، وتركيبةُ نفسِه كما فُطر، تقتضي ـ من حيثُ الواقعُ ـ حبَّهُ الاستئثارَ بالأشياء، وانفرادَه بها عن غيره، لم يُغفلِ الإسلامُ هذا الجانبَ من طبيعةِ النَّفسِ البشريَّةِ، بل راعى في معالجتها ومداواتها النّقصَ الموجودَ فيها، والضّعفَ المتمكّنَ منها؛ ضعفٌ من آثاره: سرعةُ الانفعال، وشدّةُ التّأثُّر، واضطرابٌ عند زوال ما تَلَذُّهُ النفسُ وتشتَهِيهِ، أو تَوَهُّمِ ذهابِهِ وفَواتِه، وما يقع لها من قِلَّة حلمٍ مع الغَرِيمِ منَ المعَاشَرين والمشارَكين، ـ مما لا يكاد يَسْلَمُ منه أحدٌ ممَّن لاَبَسَ النَّاسَ وخالطهم باستثناءِ قليلٍ من المؤمنين حقًّا، والعاملين الصَّالحات صِدقًا ـ ، كما قال جلَّ وعلا: ﴿وَإِنَّ كَثِيراً مِّنْ الْخُلَطَاء لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ﴾ [ص:24].
وَمَرَدُّ ذلك إلى الشُّحِّ المُطَاعِ، والهوى المتَّبَعِ، كما قال جلَّ وعلا: ﴿وَأُحْضِرَتِ الأَنفُسُ الشُّحَّ﴾ [النساء:128].
قال ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ: «الشُّحُّ: هَوَاهُ في الشَّيء يحرص عليه» (1).
فلمَّا يَرْسُمُ المرءُ لنفسه حقوقًا يحرص عليها، يريد استيفاءَها كاملةً غيرَ منقوصةٍ، ويحمي لجنابِها حِمًى يُعَادِي مَن تعدَّاهَا وتجاوزَها، ولا يسامح فيها ولا يتنازل عنها يقعُ الخلَلُ، ويَنْجُمُ الزَّلَلُ، فتَبْدُو حينئذ النَّفسُ خائفةً، قد هَلَعَ صاحبُها وجَزَعَ إذا مسَّه الشَّرُّ، واجْتَحَفَ مُستَأثِرًا ومَنَع إذا مسَّه الخيرُ، يبحث عن أوَّلِ فُرصةٍ لقطْعِ حَبْلِ الوِصَالِ، بذريعةِ الاختلاف مع غيره في نَفِيسٍ غالٍ أو في عِقال، أو بسببِ تَأَثُّرٍ بسوءِ أقوالٍ أو فِعال... ومن لوازم ذلك؛ وقوعُ التَّعادِي والتَّباغضِ والتَّدابرِ والتَّنافرِ والتَّقاطعِ، بل والتَّقاتل بين النَّاس، وقد حُرِّم عليهم ونُهوا عنه؛ فيضيق حالُهم، ويَنْكَسِف بالُهم.
ولم تَخْلُ سنَّةُ نبيِّنا ـ صلى الله عليه وسلم ـ من دعوةٍ إلى الإصلاح وحثٍّ عليه، وبيانٍ لوسائله وسُبُلِهِ، ومن تَنَسَّمَ وحيَ السُّنَّةِ العَطِرَةِ، وتَدَثَّرَ بِدثَارِهَا، وأعمل الفكرَ في استنباط الأحكامِ منها والحِكَمِ، واستخراجِ الإرشادات والقِيَمِ، والْتِمَاسِ المواعظِ والعِبَرِ، وَفْقَ منهجٍ دقيقٍ سليمٍ، وتأصيلٍ راسخ قويم، أدرك ذلك بيقين، فقد جاء الأمر بإصلاح ذات بين المؤمنين، ورأب صَدْعِهِمْ، وسلِّ سَخَائِم قلوبهم، والتَّأليفِ بينهم، وَلَمِّ شعثِهم، وجمعِ شملِهم، وتوحيدِ كلمتِهم، هذا كلُّه ممَّا قام به النَّبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بين الصَّحابة ـ رضي الله عنهم ـ حقَّ القيام، مُسْتَهْدِيًا اللهَ جلَّ في علاه، ومستعينًا بربِّه ومَوْلاَهُ، مع عِظَمِ الرِّسالةِ، وثِقَلِ الأمانةِ، أمانةِ الهدايةِ والبيان، والمجاهدةِ باللِّسانِ والسِّنان، أمانةِ تربيةِ الصَّحابةِ التَّربيةَ الإيمانيّةَ، ورعايةِ شؤونهم حقَّ الرِّعاية، قال اللهُ جلَّ وعَلا: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب:6] قال مجاهد: «هُو أبٌ لهم»(2)، ومصداقُ ذلك قولُ النَّبِيِّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ: «إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ بِمَنْزِلَةِ الوَالِدِ»(3) الحديث.
أي: «في الشَّفقة والحُنُوِّ... وفي تعليم ما لا بُدَّ منه»(4).
ومن شأنِ المصْلِحِ أنْ يقومَ بالإصلاح بنفسه، ويقوِّمَ بالإصلاح غيرَه، ولا يُوكِلُ مُهِمَّةَ ذلك لمن خلفَه، أو يتَّكِئُ للقيام بهذا الواجبِ على من بعدَه، بل يسعى بنفسِه، بشدِّة ساقَيْهِ وذراعَيْهِ، لإصلاح الدَّانِي والقاصِي، سعيًا مدفوعًا بإخلاصٍ للهِ تعالى وإرادةٍ لوجهِهِ الكريم، ورغبةٍ في ثوابه، وهمَّةٍ ونشاطٍ واندفاعٍ بحقٍّ وللحقِّ، وسعيٍ بحَزْمٍ على بصيرة، وقد عبَّر النَّبِيُّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ في حديثِ الصَّدقاتِ عن شيء من ذلك فقال «...وَتَسْعَى بِشِدَّةِ سَاقَيْكَ إِلَى اللَّهْفَانِ المُسْتَغِيثِ، وَتَرْفَعُ بِشِدَّةِ ذِرَاعَيْكَ مَعَ الضَّعِيفِ، كُلُّ ذَلِكَ مِنْ أَبْوَابِ الصَّدَقَةِ مِنْكَ عَلَى نَفْسِكَ...»(5).
والمرْءُ ـ عادَةً ـ يستغيثُ بخاصَّتِه وأهل ثِقَتِه، ويرجو الإعانةَ منهم، ومن أمثالِ العربِ: «إلى أُمِّه يَلْهَفُ اللَّهْفانُ»، والَّذي يريد الإصلاحَ ويَصْبُو إليه، يَنْتَظِرُ مثلَ هذه الإغاثةِ ويَأْمَلُها من أصحابها الصَّالحين المُصلِحين، من العلماء الرَّبَّانِيِّينَ، وطلبةِ العلمِ الموَثَّقينَ، الّذين يَدْعُون الخلقَ إلى التَّوحيد الخالص، ويُبدِّدُون ظلماتِ الشِّرك والوثنيَّة، ويربُّون النَّاسَ على السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ المحمَّديَّةِ، ويمحُون آثارَ المحدثات البدعيَّةِ، حاملين رايةَ الإصلاح خَفَّاقَةً شَامِخَةً، راجين من الله تعالى لدعوتهم النَّجاحَ، وللعبادِ جميعًا الفلاحَ.
ومن هذا الإصلاحِ المرجُوِّ، إصلاحُ ذاتِ البَيْنِ، وهو جُهْدٌ وعملٌ لا غِنَى لجماعة المسلمين عنه، فحاجتُهم إليه وإلى من يقُوم به من المخلِصين، شيءٌ يُدْرِكُه مَن يعلم مقدارَ الثَّلْمِ الذي يُحدِثُه الفسادُ والإفسادُ بين المسلمين، ويعلمُ مقدارَ الشَّرخِ الكائنِ في الأمَّة بسبب الأدواء والأهواء المفرِّقَةِ لها، والقاضيةِ عليها وعلى وحْدَتِها، من أسباب التَّنازع ومُوَرِّثَاتِ الفَشَلِ وذهابِ الهيبةِ، مِمَّا يُوهِنُ أمرَ الأمَّةِ في الدَّاخل، ويوهنُ شأنَها في الخارج مع غيرها من الأمَمِ الأخرى، قال الله جلَّ وعلا: ﴿وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال:46].
والمخلصُ منِ المصْلِحين يَمْتَثِلُ أمرَ الله ورسولِه في إصلاحه للمجتمع، وإصلاحِ ذاتِ بَيْنِ المسلمين، لا يَخرُجُ عن سُنَنِ التَّغيِيرِ الشَّرعيَّةِ، ويُوَظِّفُ ما في يده من وسائلَ دعويَّةٍ(6) لهذا المقْصَدِ النَّبيلِ، ويستحضرُ معيَّةَ الله الخاصَّةِ لعباده الصَّابرين على المأمور والمحظورِ والمقْدُورِ، فهي معيَّةٌ مُتَضَمِّنَةٌ إعانةَ الله جلَّ وعلا لمن حقَّقَ طاعتَه وطاعةَ رسولِه ـ صلى الله عليه وسلم ـ.
هذا، وإنَّ أَوْلَى النَّاس بإصلاح ذات بَيْنِهم؛ الوالدان؛ فيحرِصُ المرءُ على أن يكونَ واصلاً لوالديه، مُوصِلاً لأحدِهما بالآخر، وهكذا الأمرُ مع الزَّوجين، والأقاربِ من العَصَبَةِ وذوي الأرحام، والجيرانِ لعِظَمِ حقِّهم في الإسلام، وسائرِ المسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات...
لقد تَنَوَّعت ميادينُ الإصلاح في الشَّريعة الإسلاميَّةِ السَّمْحَةِ، من إصلاحِ النَّفسِ باطنًا بالإيمان الصَّحيحِ، والمعتقدِ السليمِ، وتقويمِ السُّلوكِ والخُلُقِ ظاهرًا كما جاء في عنوانِ الرِّسالة النَّبويَّة وشعارِها: «إِنَّمَا بُعِثْتُ لأُتَمِّمَ صَالِحَ الأَخْلاَقِ»، وتقويمِ المنْطِقِ بميزان البَيَانِ حِفاظًا على اللِّسانِ، إذِ الكلمةُ أصلُ عقيدةِ أهلِ الإيمان، فَأَطْيَبُها كلمةُ التَّوحيد، وأخْبَثُهَا كلمةُ الشِّرك، وقد رَاعَتِ الشَّريعةُ إصلاحَ الفردِ والمجتمعِ على حدٍّ سواء، إذْ لا مجتمعَ للنَّاس إلاَّ بمجموع أفراده، وإنَّ صلاحَ المجتمع مَبْنِيٌّ على صلاح الفرد وأهليَّتِه لِتَحَمُّلِ الأمانة وأدائها، ولا مجتمعَ صالحاً إلاَّ بتوحيدٍ خالصٍ من أفراده لربِّ العالمين، وأخوةٍ صادقةٍ لا يُكَدِّرُ صفوَها شيءٌ، قائمةٍ على أساس المودَّة والرَّحمة والتَّناصح والتَّناصر.
هذا، وقدِ اهتَمَّ الإسلامُ بالإصلاح اهتمامًا بالغًا، وخاصَّةً فيما يتعلَّق بِذَاتِ بَيْنِ المسلمين، فكان في حدِّ ذاتِه مقصدًا من مقاصده الكبرى، وغايةً من غاياته المثلى، جسَّد هذا الإصلاحَ النبيُّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ في واقع حياته، وبِهَدْيِه القَوْلِيِّ والعَمَلِيِّ، مع الصَّحابة الكرام ي فحرص كلَّ الحرصِ على إيصالِ كلِّ نفعٍ حسيٍّ ومعنويٍّ لهم، ودفعِ كلِّ ضَرَرٍ وأذى عنهم، فنهاهم عن الاختلاف والتَّفرُّق والتَّشَتُّتِ، وأَمَرَهم بالبعد عن كلِّ أسباب الخصومة والعداوة والبغضاء، وقَطْعِ دابرِ الهجران والكفران، بأنواع شتَّى وطرقٍ متنوِّعة فاضتْ بها السُّنَّة النَّبويّةُ العَطِرَةُ، وذلك كلُّه رحمةً منه ـ صلى الله عليه وسلم ـ ورأفةً بالخلق، واستجابةً للخالقِ جلَّ وعلا الآمرِ بالاجتماعِ والوِفاقِ.
ولما كان المرءُ معرَّضًا للفتنِ الظَّاهرةِ والباطنةِ، ومبتَلَى بما يلقاهُ في المخالطةِ والمعاشَرةِ من البَغيِ والأثَرَةِ، ولمَّا كانتْ طبيعةُ الإنسانِ كما خُلق، وتركيبةُ نفسِه كما فُطر، تقتضي ـ من حيثُ الواقعُ ـ حبَّهُ الاستئثارَ بالأشياء، وانفرادَه بها عن غيره، لم يُغفلِ الإسلامُ هذا الجانبَ من طبيعةِ النَّفسِ البشريَّةِ، بل راعى في معالجتها ومداواتها النّقصَ الموجودَ فيها، والضّعفَ المتمكّنَ منها؛ ضعفٌ من آثاره: سرعةُ الانفعال، وشدّةُ التّأثُّر، واضطرابٌ عند زوال ما تَلَذُّهُ النفسُ وتشتَهِيهِ، أو تَوَهُّمِ ذهابِهِ وفَواتِه، وما يقع لها من قِلَّة حلمٍ مع الغَرِيمِ منَ المعَاشَرين والمشارَكين، ـ مما لا يكاد يَسْلَمُ منه أحدٌ ممَّن لاَبَسَ النَّاسَ وخالطهم باستثناءِ قليلٍ من المؤمنين حقًّا، والعاملين الصَّالحات صِدقًا ـ ، كما قال جلَّ وعلا: ﴿وَإِنَّ كَثِيراً مِّنْ الْخُلَطَاء لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ﴾ [ص:24].
وَمَرَدُّ ذلك إلى الشُّحِّ المُطَاعِ، والهوى المتَّبَعِ، كما قال جلَّ وعلا: ﴿وَأُحْضِرَتِ الأَنفُسُ الشُّحَّ﴾ [النساء:128].
قال ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ: «الشُّحُّ: هَوَاهُ في الشَّيء يحرص عليه» (1).
فلمَّا يَرْسُمُ المرءُ لنفسه حقوقًا يحرص عليها، يريد استيفاءَها كاملةً غيرَ منقوصةٍ، ويحمي لجنابِها حِمًى يُعَادِي مَن تعدَّاهَا وتجاوزَها، ولا يسامح فيها ولا يتنازل عنها يقعُ الخلَلُ، ويَنْجُمُ الزَّلَلُ، فتَبْدُو حينئذ النَّفسُ خائفةً، قد هَلَعَ صاحبُها وجَزَعَ إذا مسَّه الشَّرُّ، واجْتَحَفَ مُستَأثِرًا ومَنَع إذا مسَّه الخيرُ، يبحث عن أوَّلِ فُرصةٍ لقطْعِ حَبْلِ الوِصَالِ، بذريعةِ الاختلاف مع غيره في نَفِيسٍ غالٍ أو في عِقال، أو بسببِ تَأَثُّرٍ بسوءِ أقوالٍ أو فِعال... ومن لوازم ذلك؛ وقوعُ التَّعادِي والتَّباغضِ والتَّدابرِ والتَّنافرِ والتَّقاطعِ، بل والتَّقاتل بين النَّاس، وقد حُرِّم عليهم ونُهوا عنه؛ فيضيق حالُهم، ويَنْكَسِف بالُهم.
ولم تَخْلُ سنَّةُ نبيِّنا ـ صلى الله عليه وسلم ـ من دعوةٍ إلى الإصلاح وحثٍّ عليه، وبيانٍ لوسائله وسُبُلِهِ، ومن تَنَسَّمَ وحيَ السُّنَّةِ العَطِرَةِ، وتَدَثَّرَ بِدثَارِهَا، وأعمل الفكرَ في استنباط الأحكامِ منها والحِكَمِ، واستخراجِ الإرشادات والقِيَمِ، والْتِمَاسِ المواعظِ والعِبَرِ، وَفْقَ منهجٍ دقيقٍ سليمٍ، وتأصيلٍ راسخ قويم، أدرك ذلك بيقين، فقد جاء الأمر بإصلاح ذات بين المؤمنين، ورأب صَدْعِهِمْ، وسلِّ سَخَائِم قلوبهم، والتَّأليفِ بينهم، وَلَمِّ شعثِهم، وجمعِ شملِهم، وتوحيدِ كلمتِهم، هذا كلُّه ممَّا قام به النَّبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بين الصَّحابة ـ رضي الله عنهم ـ حقَّ القيام، مُسْتَهْدِيًا اللهَ جلَّ في علاه، ومستعينًا بربِّه ومَوْلاَهُ، مع عِظَمِ الرِّسالةِ، وثِقَلِ الأمانةِ، أمانةِ الهدايةِ والبيان، والمجاهدةِ باللِّسانِ والسِّنان، أمانةِ تربيةِ الصَّحابةِ التَّربيةَ الإيمانيّةَ، ورعايةِ شؤونهم حقَّ الرِّعاية، قال اللهُ جلَّ وعَلا: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب:6] قال مجاهد: «هُو أبٌ لهم»(2)، ومصداقُ ذلك قولُ النَّبِيِّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ: «إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ بِمَنْزِلَةِ الوَالِدِ»(3) الحديث.
أي: «في الشَّفقة والحُنُوِّ... وفي تعليم ما لا بُدَّ منه»(4).
ومن شأنِ المصْلِحِ أنْ يقومَ بالإصلاح بنفسه، ويقوِّمَ بالإصلاح غيرَه، ولا يُوكِلُ مُهِمَّةَ ذلك لمن خلفَه، أو يتَّكِئُ للقيام بهذا الواجبِ على من بعدَه، بل يسعى بنفسِه، بشدِّة ساقَيْهِ وذراعَيْهِ، لإصلاح الدَّانِي والقاصِي، سعيًا مدفوعًا بإخلاصٍ للهِ تعالى وإرادةٍ لوجهِهِ الكريم، ورغبةٍ في ثوابه، وهمَّةٍ ونشاطٍ واندفاعٍ بحقٍّ وللحقِّ، وسعيٍ بحَزْمٍ على بصيرة، وقد عبَّر النَّبِيُّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ في حديثِ الصَّدقاتِ عن شيء من ذلك فقال «...وَتَسْعَى بِشِدَّةِ سَاقَيْكَ إِلَى اللَّهْفَانِ المُسْتَغِيثِ، وَتَرْفَعُ بِشِدَّةِ ذِرَاعَيْكَ مَعَ الضَّعِيفِ، كُلُّ ذَلِكَ مِنْ أَبْوَابِ الصَّدَقَةِ مِنْكَ عَلَى نَفْسِكَ...»(5).
والمرْءُ ـ عادَةً ـ يستغيثُ بخاصَّتِه وأهل ثِقَتِه، ويرجو الإعانةَ منهم، ومن أمثالِ العربِ: «إلى أُمِّه يَلْهَفُ اللَّهْفانُ»، والَّذي يريد الإصلاحَ ويَصْبُو إليه، يَنْتَظِرُ مثلَ هذه الإغاثةِ ويَأْمَلُها من أصحابها الصَّالحين المُصلِحين، من العلماء الرَّبَّانِيِّينَ، وطلبةِ العلمِ الموَثَّقينَ، الّذين يَدْعُون الخلقَ إلى التَّوحيد الخالص، ويُبدِّدُون ظلماتِ الشِّرك والوثنيَّة، ويربُّون النَّاسَ على السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ المحمَّديَّةِ، ويمحُون آثارَ المحدثات البدعيَّةِ، حاملين رايةَ الإصلاح خَفَّاقَةً شَامِخَةً، راجين من الله تعالى لدعوتهم النَّجاحَ، وللعبادِ جميعًا الفلاحَ.
ومن هذا الإصلاحِ المرجُوِّ، إصلاحُ ذاتِ البَيْنِ، وهو جُهْدٌ وعملٌ لا غِنَى لجماعة المسلمين عنه، فحاجتُهم إليه وإلى من يقُوم به من المخلِصين، شيءٌ يُدْرِكُه مَن يعلم مقدارَ الثَّلْمِ الذي يُحدِثُه الفسادُ والإفسادُ بين المسلمين، ويعلمُ مقدارَ الشَّرخِ الكائنِ في الأمَّة بسبب الأدواء والأهواء المفرِّقَةِ لها، والقاضيةِ عليها وعلى وحْدَتِها، من أسباب التَّنازع ومُوَرِّثَاتِ الفَشَلِ وذهابِ الهيبةِ، مِمَّا يُوهِنُ أمرَ الأمَّةِ في الدَّاخل، ويوهنُ شأنَها في الخارج مع غيرها من الأمَمِ الأخرى، قال الله جلَّ وعلا: ﴿وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال:46].
والمخلصُ منِ المصْلِحين يَمْتَثِلُ أمرَ الله ورسولِه في إصلاحه للمجتمع، وإصلاحِ ذاتِ بَيْنِ المسلمين، لا يَخرُجُ عن سُنَنِ التَّغيِيرِ الشَّرعيَّةِ، ويُوَظِّفُ ما في يده من وسائلَ دعويَّةٍ(6) لهذا المقْصَدِ النَّبيلِ، ويستحضرُ معيَّةَ الله الخاصَّةِ لعباده الصَّابرين على المأمور والمحظورِ والمقْدُورِ، فهي معيَّةٌ مُتَضَمِّنَةٌ إعانةَ الله جلَّ وعلا لمن حقَّقَ طاعتَه وطاعةَ رسولِه ـ صلى الله عليه وسلم ـ.
هذا، وإنَّ أَوْلَى النَّاس بإصلاح ذات بَيْنِهم؛ الوالدان؛ فيحرِصُ المرءُ على أن يكونَ واصلاً لوالديه، مُوصِلاً لأحدِهما بالآخر، وهكذا الأمرُ مع الزَّوجين، والأقاربِ من العَصَبَةِ وذوي الأرحام، والجيرانِ لعِظَمِ حقِّهم في الإسلام، وسائرِ المسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات...