(1)
بإمكاننا التدليل على عمق نزعة ابن رشد العقلية من خلال غير دليل ... لكننا سنقتصر على بيان هذه النزعة عبْر أمرين ... هما : منهج البحث في الحقيقة ، ونظام الطبيعة وعلاقة الإنسان بها .
1- منهج البحث في الحقيقة :
قرر ابن رشد ، شأن كثيرٍ سبقوه ، أن الحقيقة التي يتم التوصل إليها بالنظر العقلي / بطريق الفلسفة ... والمعنى واحد ، هي الحقيقة " الوحيدة " التي تسمو على الحدود القومية والدينية ، وهي تراث مشترك بين الأمم على مر العصور والأجيال ، أسهَمَ في الكشف عن جانب منها السابقون ، ونال منها اللاحقون ، وستبقى تُبنى طالما وُجِدتْ عقول .
وبسببٍ من سعة الأفق هذه ، جاء قول ابن رشد " يجب علينا ، إن ألفينا لمن تقدمنا من الأمم السالفة نظراً في الموجودات واعتباراً لها بحسب ما اقتضته شرائط البرهان ، أن ننظر في الذي قالوه من ذلك وما أثبتوه في كتبهم ، فما كان منها موافقاً للحق ، قبلناه منهم وسررنا به وشكرناهم عليه ، وما كان منها غيرَ موافق للحق نبهّنا عليه وحذرنا منه وعذرناهم " .
على أن الأهم من ذلك ، والذي يعبّر ، بحق ، عن نزعة ابن رشد العقلية الصارمة ، هو أن الحقيقة المذكورة ، أي التي يتم التوصل إليها بالبرهان ، أو بالقياس العقلي ... : " العارف ، وهو صاحب العلم بالبرهان ، عنده قياس يقيني " .
ولمعترضٍ أن يعترض بالقول إن مسعى ابن رشد في الكشف عن الحقيقة إنما كان يرمي إلى التوفيق بين الحقيقتين : الحقيقة الدينية ( = الشريعة ) والحقيقة الفلسفية ( = الحكمة ) ... أو بين طريق النقل وطريق العقل . ومن كان هذا مسعاه ، فلا يمكن أن تكون الحقيقة عنده هي التي يتم الكشف عنها بالطريق البرهاني فقط ، خاصةً وأن ثمة من النصوص المنتشرة في كتابات ابن رشد ما يمكن ، حال اعتمدنا عليها ، الزعم أنه كان يرمي إلى التوفيق بين الحقيقتين ... وإذن أفلا يتناقض هذا الجزم بأحادية طريقة الكشف عن الحقيقة عنده مع تلك النصوص ، ويعتبر محاولة بائسة لتفسير ابن رشد تفسيراً غير صحيح ؟ .
لم يكن ابن رشد يقبل أن ينطلق العقل إلا من منطلقه الخاص ، ولم يكن يقتنع إلا بما يتوصل إليه عبر هذا الطريق وحده ، وأنه في كل مجال من مجالات الفلسفة ظل متمسكاً بنزعته العقلية تلك ، أما إذا بدا أن هناك دلائل أخرى ، أو نصوصاً ، يُفهم منها أنه كان لديه مسلك آخر ، فليس ذلك ، برأينا ، سوى مظلة كان مضطراً إلى الاحتماء بها خوفاً من البطش الذي كان يتهدد كل من يحاول سلوك طريق الاستقلال الفكري سواء في الأدوات أو في النتائج .
يقول ابن رشد : "وإذا تقرّر أن الشرع قد أوجب النظر بالعقل في الموجودات واعتبارها ، وكان الاعتبار ليس شيئاً أكثر من استنباط المجهول من المعلوم واستخراجه منه ... وهذا هو القياس ، أو بالقياس ، فواجب أن نجعل نظرنا في الموجودات بالقياس العقلي . وبيِّن أنّ هذا النحو من النظر هو أتمّ أنواع النظر بأنواع القياس - وهو المسمى برهاناً - وإذا كان الشرع قد حث على معرفة الله تعالى ، وموجوداته ، بالبرهان ، كان من الأفضل - أو الأمر الضروري - لمن أراد أن يعلم ... أن يتقدم أولاً فيعلم أنواع البراهين وشروطها " .
وإيماناً من ابن رشد بطريق البرهان في الكشف عن الحقيقة ، فقد حسم الرجل حسماً قاطعاً المسألةَ التي طال الجدل حولها دونما لبس ولا مواربة ... وهي مسألة التوفيق بين الدين والفلسفة ... أو بين الشريعة والحكمة ؛ فقد أعلن اتفاق الشريعة والحكمة... : " نحن نقطع قطعاً أن كل ما أدّى إليه البرهان وخالفه ظاهر الشرع ، أن ذلك الظاهر يقبل التأويل على قانون التأويل العربي ، وهذه القضية لا يشك فيها مسلم ، ولا يرتاب بها مؤمن ، وما أعظم ازدياد اليقين بها عند من زاول هذا المعنى وجرّبه ، وقصد هذا المقصد من الجمع بين المعقول والمنقول " . و ... : " فإن أدى النظر البرهاني إلى نحوٍ ما من المعرفة بموجودٍ ما ، فلا يخلو ذلك الموجود أن يكون قد سُكت عنه في الشرع ، أو عرف به . فإن كانت الشريعة نطقتْ به ، فلا يخلو ظاهر النطق أن يكون موافقاً لما أدى إليه البرهان فيه ، أو مخالفاً . فإن كان موافقاً فلا قولَ هناك ، وإن كان مخالفاً طُلب هناك تأويله " .
ولا يعني ذلك أن ابن رشد كان يقصد " التشكيك " بصحة الشرائع ، لكنه قصدَ أن يقول إن الشرائع جاءت لتقول للناس ، من غير الراسخين في العلم ، ما هم " متهيئون " لفهمه ومعرفته ، وهو الذي يتعلق بتدبير حياتهم وما يفيدهم في بلوغ سعادتهم ... وهو الفضائل الخُلُقية ... : " إن الشرائع تنحو نحو تدبير الناس الذي به وجود الإنسان بما هو إنسان وبلوغه سعادته الخاصة به ، وذلك أنها ضرورية في وجود الفضائل الخلقية للإنسان والفضائل النظرية والصنائع العملية . إن الإنسان لا حياةَ له في هذه الدار إلا بالصنائع العملية ، ولا حياة له في هذه الدار ولا في الدار الآخرة إلا بالفضائل النظرية ، وإنه ولا واحد من هذين يتم ، ولا يبلغ إليه ، إلا بالفضائل الخلقية ، وإن الفضائل الخلقية لا تُتمّكن إلا بمعرفة الله تعالى وتعظيمه بالعبادات المشروعة لهم في كل ملة " .
وتبقي الفضائل النظرية ، وهي مهمة أخرى يقوم على البحث فيها ، أو الكشف عنها ، المؤهلون لذلك ... وهم " الراسخون في العلم " اعتماداً على الطريق العقلي / طريق البرهان / العلم بالتأويل .
يقول ابن رشد ، وهو يرد على أبي حامد الغزالي الذي قطع بتكفير الفلاسفة ، إلا الكندي ، مخافة " الاجماع " في قولهم بقدم العالم ، وبأن الله لا يعلم الجزئيات ، وبأن المبعوث من الإنسان نفسه لا جسمه : " ليس يمكن أن يتقرر إجماع في أمثال هذه المسائل ، لأن ههنا تأويلاتٍ لا يجب أن يُفصح بها إلا لمن هو من أهل التأويل ، وهم الراسخون في العلم ، لأن الاختيار عندنا هو الوقوف على قوله تعالى " والراسخون في العلم " لأنه إذا لم يكن أهل العلم يعلمون التأويل ، لم تكن عندهم مزية تصديق توجب لهم من الإيمان به مالا يوجد عند غير أهل العلم . وقد وصفهم الله تعالى بأنهم المؤمنون به . وهذا إنما يحمل على الإيمان الذي يكون من قِبَل البرهان . وهذا لا يكون إلا مع العلم بالتأويل ، فإن كان هذا الإيمان الذي وصف الله به العلماء خاصاً بهم فيجب أن يكون بالبرهان ، وإذا كان بالبرهان فلا يكون إلا مع العلم بالتأويل ، لأن الله عز وجل قد أخبر أن لها تأويلاً هو الحقيقة ، والبرهان لا يكون إلا على الحقيقة " . فالحكمة هي : " النظر في الأشياء بحسب ما تقتضيه طبيعة البرهان " .
وهذا الموقف الرافع لقيمة البرهان يملي على صاحبه غير المتناقض مع قناعاته أن لا يقيم وزناً كبيراً لطرق المعرفة الأخرى والتي هي : الجدلي الكلامي والذوقي الصوفي ، والتأويلي الخطابي / الوعظي ، فهذه ليست تؤدي بتابعها إلى أن يقف على الحقيقة كما هي في الحقيقة .
وقد بيّن ابن رشد صحة فكرته التي تقدم البرهان أداة للمعرفة اليقينية بدليلين : دليل الشرع ودليل العقل ؛ فأما دليل الشرع ، فلا شك أن هناك مسائل نظرية سكت عنها الشرع ، لكنه نبّه على ما يؤدي إليه البرهان فيها ، وسكت عنها في التعليم العام ... فإنه : " لما كان يوجد من ليس لديهم القدرة على ولوج طريق البرهان إما من قِبل فِطَرهم ، وإما من قِبل عاداتهم ، وإما من قِبل عدمهم أسباب التعليم ، وكانت توجد أشياء لخفائها لا تُعْلم إلا بالبرهان ، فقد تلطّف الله بأمثال هؤلاء بأن ضرب لهم أمثالَها وأشباهها ، ودعاهم إلى التصديق بتلك الأمثال إذا كانت يمكن أن يقع التصديق بها بالأدلة المشتركة للجميع ، أعني الجدلية والخطابية ، ولهذا فقد انقسم الشرع إلى ظاهر وباطن ، فإن الظاهر هو تلك الأمثال المضروبة لتلك المعاني ، والباطن هو تلك المعاني التي لا تنجلي إلا لأهل البرهان " .
و : " إن الفلسفة إذا كانت عبارة عن النظر في الموجودات ، واعتبارها ، من جهة دلالتها على الصانع ، وأن الموجودات تدل على الصانع لمعرفة صنعتها ، وكلما كانت المعرفة بصنعتها أتم كانت المعرفة بالصانع أتم ، فإن هذا يؤدي إلى القول بأن الشرع قد دعا إلى اعتبار الموجودات بالعقل وتطلّب معرفتها به " .
هذا عن دليل الشرع ، وأما دليل العقل ، فتقوم على بيان تهافت غيره من الأدلة عبر نقود ابن رشد لعلم الكلام والتصوف ؛ فعلماء الكلام يؤمنون بآراء معينة بناء على اعتقادات مسبقة ، ثم هم يجعلون همهم نصرتَها وتأييدها سواء تم هذا لهم عن طريق الأقاويل السوفسطائية أو الأقاويل الجدلية أو الأقاويل الخطابية أو الأقاويل الشعرية ، بحيث صارت هذه الأقاويل ، عند من نشأ على سماعها ، من الأمور المعروفة بنفسها ... فهؤلاء ينطلقون من منطلقات غير يقينية ، وليس يهمهم التدقيق بصحتها ما يفضي بهم إلى نتائج غير يقينية .
هذا عن علماء الكلام ، أما الصوفية ، فطرقُهم في النظر ليست " طُرقاً نظرية " بمعنى أنها ليست مركبة من مقدمات وأقيسة ، حيث يؤسسون المعرفة بالله ، وبغيره من الموجودات ، على ما يُلقى في النفس حال تجردت " من العوارض الشهوانية ، وأقبلت بالفكرة على المطلوب " ما يعني استحالة قيام البرهان على أيٍّ من أقوالهم ، من حيث هي لا تعدو كونها نزعاتٍ شخصيةً وجدانيةً" .
والطريف أن ابن رشد يشدد على أن طرح الصوفية الأمر على هذا النحو " قلبٌ للأمور " ؛ فبينما هؤلاء يقولون إن الكمال " الإلهي " للإنسان يتم عبر " الاتصال " يقول ابن رشد إن الكمال " الطبيعي " يتحقق عبر الصعود من المحسوس إلى المعقول ، وهذا لا يكون إلا بالاعتماد على الملكات التي عُددتْ في كتاب البرهان .
يُتْبع ...
بإمكاننا التدليل على عمق نزعة ابن رشد العقلية من خلال غير دليل ... لكننا سنقتصر على بيان هذه النزعة عبْر أمرين ... هما : منهج البحث في الحقيقة ، ونظام الطبيعة وعلاقة الإنسان بها .
1- منهج البحث في الحقيقة :
قرر ابن رشد ، شأن كثيرٍ سبقوه ، أن الحقيقة التي يتم التوصل إليها بالنظر العقلي / بطريق الفلسفة ... والمعنى واحد ، هي الحقيقة " الوحيدة " التي تسمو على الحدود القومية والدينية ، وهي تراث مشترك بين الأمم على مر العصور والأجيال ، أسهَمَ في الكشف عن جانب منها السابقون ، ونال منها اللاحقون ، وستبقى تُبنى طالما وُجِدتْ عقول .
وبسببٍ من سعة الأفق هذه ، جاء قول ابن رشد " يجب علينا ، إن ألفينا لمن تقدمنا من الأمم السالفة نظراً في الموجودات واعتباراً لها بحسب ما اقتضته شرائط البرهان ، أن ننظر في الذي قالوه من ذلك وما أثبتوه في كتبهم ، فما كان منها موافقاً للحق ، قبلناه منهم وسررنا به وشكرناهم عليه ، وما كان منها غيرَ موافق للحق نبهّنا عليه وحذرنا منه وعذرناهم " .
على أن الأهم من ذلك ، والذي يعبّر ، بحق ، عن نزعة ابن رشد العقلية الصارمة ، هو أن الحقيقة المذكورة ، أي التي يتم التوصل إليها بالبرهان ، أو بالقياس العقلي ... : " العارف ، وهو صاحب العلم بالبرهان ، عنده قياس يقيني " .
ولمعترضٍ أن يعترض بالقول إن مسعى ابن رشد في الكشف عن الحقيقة إنما كان يرمي إلى التوفيق بين الحقيقتين : الحقيقة الدينية ( = الشريعة ) والحقيقة الفلسفية ( = الحكمة ) ... أو بين طريق النقل وطريق العقل . ومن كان هذا مسعاه ، فلا يمكن أن تكون الحقيقة عنده هي التي يتم الكشف عنها بالطريق البرهاني فقط ، خاصةً وأن ثمة من النصوص المنتشرة في كتابات ابن رشد ما يمكن ، حال اعتمدنا عليها ، الزعم أنه كان يرمي إلى التوفيق بين الحقيقتين ... وإذن أفلا يتناقض هذا الجزم بأحادية طريقة الكشف عن الحقيقة عنده مع تلك النصوص ، ويعتبر محاولة بائسة لتفسير ابن رشد تفسيراً غير صحيح ؟ .
لم يكن ابن رشد يقبل أن ينطلق العقل إلا من منطلقه الخاص ، ولم يكن يقتنع إلا بما يتوصل إليه عبر هذا الطريق وحده ، وأنه في كل مجال من مجالات الفلسفة ظل متمسكاً بنزعته العقلية تلك ، أما إذا بدا أن هناك دلائل أخرى ، أو نصوصاً ، يُفهم منها أنه كان لديه مسلك آخر ، فليس ذلك ، برأينا ، سوى مظلة كان مضطراً إلى الاحتماء بها خوفاً من البطش الذي كان يتهدد كل من يحاول سلوك طريق الاستقلال الفكري سواء في الأدوات أو في النتائج .
يقول ابن رشد : "وإذا تقرّر أن الشرع قد أوجب النظر بالعقل في الموجودات واعتبارها ، وكان الاعتبار ليس شيئاً أكثر من استنباط المجهول من المعلوم واستخراجه منه ... وهذا هو القياس ، أو بالقياس ، فواجب أن نجعل نظرنا في الموجودات بالقياس العقلي . وبيِّن أنّ هذا النحو من النظر هو أتمّ أنواع النظر بأنواع القياس - وهو المسمى برهاناً - وإذا كان الشرع قد حث على معرفة الله تعالى ، وموجوداته ، بالبرهان ، كان من الأفضل - أو الأمر الضروري - لمن أراد أن يعلم ... أن يتقدم أولاً فيعلم أنواع البراهين وشروطها " .
وإيماناً من ابن رشد بطريق البرهان في الكشف عن الحقيقة ، فقد حسم الرجل حسماً قاطعاً المسألةَ التي طال الجدل حولها دونما لبس ولا مواربة ... وهي مسألة التوفيق بين الدين والفلسفة ... أو بين الشريعة والحكمة ؛ فقد أعلن اتفاق الشريعة والحكمة... : " نحن نقطع قطعاً أن كل ما أدّى إليه البرهان وخالفه ظاهر الشرع ، أن ذلك الظاهر يقبل التأويل على قانون التأويل العربي ، وهذه القضية لا يشك فيها مسلم ، ولا يرتاب بها مؤمن ، وما أعظم ازدياد اليقين بها عند من زاول هذا المعنى وجرّبه ، وقصد هذا المقصد من الجمع بين المعقول والمنقول " . و ... : " فإن أدى النظر البرهاني إلى نحوٍ ما من المعرفة بموجودٍ ما ، فلا يخلو ذلك الموجود أن يكون قد سُكت عنه في الشرع ، أو عرف به . فإن كانت الشريعة نطقتْ به ، فلا يخلو ظاهر النطق أن يكون موافقاً لما أدى إليه البرهان فيه ، أو مخالفاً . فإن كان موافقاً فلا قولَ هناك ، وإن كان مخالفاً طُلب هناك تأويله " .
ولا يعني ذلك أن ابن رشد كان يقصد " التشكيك " بصحة الشرائع ، لكنه قصدَ أن يقول إن الشرائع جاءت لتقول للناس ، من غير الراسخين في العلم ، ما هم " متهيئون " لفهمه ومعرفته ، وهو الذي يتعلق بتدبير حياتهم وما يفيدهم في بلوغ سعادتهم ... وهو الفضائل الخُلُقية ... : " إن الشرائع تنحو نحو تدبير الناس الذي به وجود الإنسان بما هو إنسان وبلوغه سعادته الخاصة به ، وذلك أنها ضرورية في وجود الفضائل الخلقية للإنسان والفضائل النظرية والصنائع العملية . إن الإنسان لا حياةَ له في هذه الدار إلا بالصنائع العملية ، ولا حياة له في هذه الدار ولا في الدار الآخرة إلا بالفضائل النظرية ، وإنه ولا واحد من هذين يتم ، ولا يبلغ إليه ، إلا بالفضائل الخلقية ، وإن الفضائل الخلقية لا تُتمّكن إلا بمعرفة الله تعالى وتعظيمه بالعبادات المشروعة لهم في كل ملة " .
وتبقي الفضائل النظرية ، وهي مهمة أخرى يقوم على البحث فيها ، أو الكشف عنها ، المؤهلون لذلك ... وهم " الراسخون في العلم " اعتماداً على الطريق العقلي / طريق البرهان / العلم بالتأويل .
يقول ابن رشد ، وهو يرد على أبي حامد الغزالي الذي قطع بتكفير الفلاسفة ، إلا الكندي ، مخافة " الاجماع " في قولهم بقدم العالم ، وبأن الله لا يعلم الجزئيات ، وبأن المبعوث من الإنسان نفسه لا جسمه : " ليس يمكن أن يتقرر إجماع في أمثال هذه المسائل ، لأن ههنا تأويلاتٍ لا يجب أن يُفصح بها إلا لمن هو من أهل التأويل ، وهم الراسخون في العلم ، لأن الاختيار عندنا هو الوقوف على قوله تعالى " والراسخون في العلم " لأنه إذا لم يكن أهل العلم يعلمون التأويل ، لم تكن عندهم مزية تصديق توجب لهم من الإيمان به مالا يوجد عند غير أهل العلم . وقد وصفهم الله تعالى بأنهم المؤمنون به . وهذا إنما يحمل على الإيمان الذي يكون من قِبَل البرهان . وهذا لا يكون إلا مع العلم بالتأويل ، فإن كان هذا الإيمان الذي وصف الله به العلماء خاصاً بهم فيجب أن يكون بالبرهان ، وإذا كان بالبرهان فلا يكون إلا مع العلم بالتأويل ، لأن الله عز وجل قد أخبر أن لها تأويلاً هو الحقيقة ، والبرهان لا يكون إلا على الحقيقة " . فالحكمة هي : " النظر في الأشياء بحسب ما تقتضيه طبيعة البرهان " .
وهذا الموقف الرافع لقيمة البرهان يملي على صاحبه غير المتناقض مع قناعاته أن لا يقيم وزناً كبيراً لطرق المعرفة الأخرى والتي هي : الجدلي الكلامي والذوقي الصوفي ، والتأويلي الخطابي / الوعظي ، فهذه ليست تؤدي بتابعها إلى أن يقف على الحقيقة كما هي في الحقيقة .
وقد بيّن ابن رشد صحة فكرته التي تقدم البرهان أداة للمعرفة اليقينية بدليلين : دليل الشرع ودليل العقل ؛ فأما دليل الشرع ، فلا شك أن هناك مسائل نظرية سكت عنها الشرع ، لكنه نبّه على ما يؤدي إليه البرهان فيها ، وسكت عنها في التعليم العام ... فإنه : " لما كان يوجد من ليس لديهم القدرة على ولوج طريق البرهان إما من قِبل فِطَرهم ، وإما من قِبل عاداتهم ، وإما من قِبل عدمهم أسباب التعليم ، وكانت توجد أشياء لخفائها لا تُعْلم إلا بالبرهان ، فقد تلطّف الله بأمثال هؤلاء بأن ضرب لهم أمثالَها وأشباهها ، ودعاهم إلى التصديق بتلك الأمثال إذا كانت يمكن أن يقع التصديق بها بالأدلة المشتركة للجميع ، أعني الجدلية والخطابية ، ولهذا فقد انقسم الشرع إلى ظاهر وباطن ، فإن الظاهر هو تلك الأمثال المضروبة لتلك المعاني ، والباطن هو تلك المعاني التي لا تنجلي إلا لأهل البرهان " .
و : " إن الفلسفة إذا كانت عبارة عن النظر في الموجودات ، واعتبارها ، من جهة دلالتها على الصانع ، وأن الموجودات تدل على الصانع لمعرفة صنعتها ، وكلما كانت المعرفة بصنعتها أتم كانت المعرفة بالصانع أتم ، فإن هذا يؤدي إلى القول بأن الشرع قد دعا إلى اعتبار الموجودات بالعقل وتطلّب معرفتها به " .
هذا عن دليل الشرع ، وأما دليل العقل ، فتقوم على بيان تهافت غيره من الأدلة عبر نقود ابن رشد لعلم الكلام والتصوف ؛ فعلماء الكلام يؤمنون بآراء معينة بناء على اعتقادات مسبقة ، ثم هم يجعلون همهم نصرتَها وتأييدها سواء تم هذا لهم عن طريق الأقاويل السوفسطائية أو الأقاويل الجدلية أو الأقاويل الخطابية أو الأقاويل الشعرية ، بحيث صارت هذه الأقاويل ، عند من نشأ على سماعها ، من الأمور المعروفة بنفسها ... فهؤلاء ينطلقون من منطلقات غير يقينية ، وليس يهمهم التدقيق بصحتها ما يفضي بهم إلى نتائج غير يقينية .
هذا عن علماء الكلام ، أما الصوفية ، فطرقُهم في النظر ليست " طُرقاً نظرية " بمعنى أنها ليست مركبة من مقدمات وأقيسة ، حيث يؤسسون المعرفة بالله ، وبغيره من الموجودات ، على ما يُلقى في النفس حال تجردت " من العوارض الشهوانية ، وأقبلت بالفكرة على المطلوب " ما يعني استحالة قيام البرهان على أيٍّ من أقوالهم ، من حيث هي لا تعدو كونها نزعاتٍ شخصيةً وجدانيةً" .
والطريف أن ابن رشد يشدد على أن طرح الصوفية الأمر على هذا النحو " قلبٌ للأمور " ؛ فبينما هؤلاء يقولون إن الكمال " الإلهي " للإنسان يتم عبر " الاتصال " يقول ابن رشد إن الكمال " الطبيعي " يتحقق عبر الصعود من المحسوس إلى المعقول ، وهذا لا يكون إلا بالاعتماد على الملكات التي عُددتْ في كتاب البرهان .
يُتْبع ...