والدي أستاذ للغة العربية، يعشقها كثيرا ويحيط نفسه بمكتبات ضخمة من الكتب التي لا تتحدث عن سواها...
عشت طفولتي كاملة في مدينة تيارت، كان والدي يحدثنا باللغة العربية الفصحى بنسبة 80٪ فتكون الدارجة هي الدخيلة في لغته...
في تيارت أين كنت أعيش، لم يكن لدينا أقارب أو زوار..
فمدينتنا الأصلية هي معسكر، لذلك لم يكن أحد يزورنا ...
كانت علاقتنا فقط مع الجيران، كانوا يعرفون طبع والدي في التكلم باللغة العربية، فقد نشأنا معا، وذلك الحي الذي كنت أسكن فيه ،كان يضم الأساتذة فقط، كانوا غريبي الأطوار، فهذا أستاذ التربية البدنية يدور حول الحي كل يوم سبعة أشواط مع ابنه، وكثيرا ما يركب الدراجة لقضاء حوائجه، لم يكن يستعمل سيارة أبدا..
وهذا أستاذ الرسم، يقوم بزخرفة جداريات الحي..
وذاك أستاذ الموسيقى، لا تراه إلا مع قيثاره...
أما أستاذ الشريعة فقد كان يحب تلاوة القرآن بصوت خاشع...
كما أنه كان بمثابة المنبه، كنا نضبط ساعتنا بتوقيت خروجه الدقيق إلى الصلوات، وكثيرا ما كان يفض النزاعات بين أبناء الحي..
انتقلنا بعدها للعيش في معسكر، وبدأ أقاربنا وأبناؤهم بزيارتنا كل مرة...
أذكر أول مرة زارنا فيها ابن خالي لقضاء اليوم كله معنا، وربما المبيت أيضا...
حينها وجه له أبي أمرا بإحضار شيء ما كان ينقصه، فوقف ابن خالي مشدوها متسمرا وكأن أحدا ما ضغط زر (pause) عليه..
فتجمد الكون، وتجمد معه ابن خالي...
لقد كان منظره غريبا جدا، لم يستوعب أن والدي كلمه باللغة العربية الفصحى...
انتهره والدي بالعربية ، هذه المرة لم يستجب أيضا، فسألني الوالد يومها:
- مابال عبد الله، طلبت منه احضار شيء فتخشب كاللوح؟!
فقط عندما زال التخشب عنه، عرفنا أن العربية هي السبب ..
لمدة خمس سنوات أو يزيد، كان الأقارب يستغربون ويتندرون علينا في المجالس واللقاءات...
هذه فقط احدى الأمور عن أبي، الأمر الآخر الذي كان يميز والدي هوسه بتصحيح الأخطاء اللغوية ، لجميع من حوله، حتى لو كان ذلك الشيء جمادا لا ينطق كعلبة طماطم مصبرة، كان سيقرأ تاريخ الصلاحية ويقرب نظارتيه لتصحيح الأخطاء اللغوية...
حتى فاتورة الكهرباء، لم يكن يهمه أن ترتفع الأسعار إلى الضعف، لم يكن يراقب ذلك، كان كل همه لماذا ارتفعت الألف هنا ولماذا خفضت وكتبت على السطر هناك !!
أما معاركه على الفيس بوك فحدث ولا حرج، لم يكن يدخل نقاشا إلا وكانت اللغة العربية محل جدل فيه...
أذكر أنه ناداني مرة لرؤية منشور أحدهم على الفيس بوك - وقد كان معتادا على مناداتي لمشاركة أفكاره –
اقتربت منه وقرأت المنشور وصحت أقول:
- ماشاء الله، لم يترك لنا صاحب المنشور شيئا لنضيفه، صدقا لقد أتعب من بعده.
- أتعب من بعده، ها أنت تقولينا، هذا الأحمق ارتكب مجزرة حقيقية..
في خبر واحد صغير مؤلف من دزينة سطور..نسير في حقل من الألغام يحتوي على زهاء نصف دزينة من الأخطاء الصارخة التي تنتمي إلى الوزن الثقيل!
انظري هنا كيف شنق التاء المفتوحة بلا رحمة!!
وانظري هنا كيف أطلق سراح التاء المربوطة وما كان ينبغي ذلك!!
وانظري هناك كيف كسر المفعول بلا ضمير، وكيف نصب الفاعل بلا تبرير!!
حينها سرحت بخيالي هنيهة كيف لو كان ذلك الشخص أمامه،
فلو رآه لفلاه..وشلع أذنه..وعلّمه درسا في التربية لا يُنسى.. وأصلح أمره من مبتدئه إلى منتهاه!
بقلم شمس الهمة
عشت طفولتي كاملة في مدينة تيارت، كان والدي يحدثنا باللغة العربية الفصحى بنسبة 80٪ فتكون الدارجة هي الدخيلة في لغته...
في تيارت أين كنت أعيش، لم يكن لدينا أقارب أو زوار..
فمدينتنا الأصلية هي معسكر، لذلك لم يكن أحد يزورنا ...
كانت علاقتنا فقط مع الجيران، كانوا يعرفون طبع والدي في التكلم باللغة العربية، فقد نشأنا معا، وذلك الحي الذي كنت أسكن فيه ،كان يضم الأساتذة فقط، كانوا غريبي الأطوار، فهذا أستاذ التربية البدنية يدور حول الحي كل يوم سبعة أشواط مع ابنه، وكثيرا ما يركب الدراجة لقضاء حوائجه، لم يكن يستعمل سيارة أبدا..
وهذا أستاذ الرسم، يقوم بزخرفة جداريات الحي..
وذاك أستاذ الموسيقى، لا تراه إلا مع قيثاره...
أما أستاذ الشريعة فقد كان يحب تلاوة القرآن بصوت خاشع...
كما أنه كان بمثابة المنبه، كنا نضبط ساعتنا بتوقيت خروجه الدقيق إلى الصلوات، وكثيرا ما كان يفض النزاعات بين أبناء الحي..
انتقلنا بعدها للعيش في معسكر، وبدأ أقاربنا وأبناؤهم بزيارتنا كل مرة...
أذكر أول مرة زارنا فيها ابن خالي لقضاء اليوم كله معنا، وربما المبيت أيضا...
حينها وجه له أبي أمرا بإحضار شيء ما كان ينقصه، فوقف ابن خالي مشدوها متسمرا وكأن أحدا ما ضغط زر (pause) عليه..
فتجمد الكون، وتجمد معه ابن خالي...
لقد كان منظره غريبا جدا، لم يستوعب أن والدي كلمه باللغة العربية الفصحى...
انتهره والدي بالعربية ، هذه المرة لم يستجب أيضا، فسألني الوالد يومها:
- مابال عبد الله، طلبت منه احضار شيء فتخشب كاللوح؟!
فقط عندما زال التخشب عنه، عرفنا أن العربية هي السبب ..
لمدة خمس سنوات أو يزيد، كان الأقارب يستغربون ويتندرون علينا في المجالس واللقاءات...
هذه فقط احدى الأمور عن أبي، الأمر الآخر الذي كان يميز والدي هوسه بتصحيح الأخطاء اللغوية ، لجميع من حوله، حتى لو كان ذلك الشيء جمادا لا ينطق كعلبة طماطم مصبرة، كان سيقرأ تاريخ الصلاحية ويقرب نظارتيه لتصحيح الأخطاء اللغوية...
حتى فاتورة الكهرباء، لم يكن يهمه أن ترتفع الأسعار إلى الضعف، لم يكن يراقب ذلك، كان كل همه لماذا ارتفعت الألف هنا ولماذا خفضت وكتبت على السطر هناك !!
أما معاركه على الفيس بوك فحدث ولا حرج، لم يكن يدخل نقاشا إلا وكانت اللغة العربية محل جدل فيه...
أذكر أنه ناداني مرة لرؤية منشور أحدهم على الفيس بوك - وقد كان معتادا على مناداتي لمشاركة أفكاره –
اقتربت منه وقرأت المنشور وصحت أقول:
- ماشاء الله، لم يترك لنا صاحب المنشور شيئا لنضيفه، صدقا لقد أتعب من بعده.
- أتعب من بعده، ها أنت تقولينا، هذا الأحمق ارتكب مجزرة حقيقية..
في خبر واحد صغير مؤلف من دزينة سطور..نسير في حقل من الألغام يحتوي على زهاء نصف دزينة من الأخطاء الصارخة التي تنتمي إلى الوزن الثقيل!
انظري هنا كيف شنق التاء المفتوحة بلا رحمة!!
وانظري هنا كيف أطلق سراح التاء المربوطة وما كان ينبغي ذلك!!
وانظري هناك كيف كسر المفعول بلا ضمير، وكيف نصب الفاعل بلا تبرير!!
حينها سرحت بخيالي هنيهة كيف لو كان ذلك الشخص أمامه،
فلو رآه لفلاه..وشلع أذنه..وعلّمه درسا في التربية لا يُنسى.. وأصلح أمره من مبتدئه إلى منتهاه!
بقلم شمس الهمة