أسرار الكون في القرآن الكريم'طيور العلمة)

الحالة
مغلق ولا يسمح بالمزيد من الردود.

لينا1982

:: عضو متألق ::
أحباب اللمة
إنضم
28 جوان 2008
المشاركات
4,064
نقاط التفاعل
19
نقاط الجوائز
1,017
كيف خلق الله الكون ؟

بيّن الله عز وجلّ في القرآن الكريم أهم محدثات الكون بدءاً بمصدر مادته ، كما كشف للناس عن تشكل الرتق وانفطاره ، وعن تكوّن النجوم والكواكب وتقسيمها لسبع مجموعات كونية ومن ثم خلق الحياة ، منتهيا بصرف المادة الكونية ونشوء الدار الآخرة ، وفي محاولة لإظهار التفسير الصحيح للآيات الكريمة ذات العلاقة التي تخص نشوء الكون من القرآن الكريم ، سنقوم بالتّعرف أولاً على آخر نظرية علمية تشرح الكيفيّة التي نشأت عليها النجوم والكواكب في الوجود القائم ، كما سنبين السبب في اعتمادها كنظرية صحيحة تقوم على الدليل المادي الملموس ، ومن ثم سنظهر العلاقة بينها وما أنزله الله عز وجلّ في القرآن الكريم عن نشوء الوجود .

قدّم العلم الحديث تفسيرا دقيقا لنشوء الكون فأطلق نظرية ( البج بانج ) أي الانفجار الكوني العظيم ، وهي آخر نظرية علميّة تم الكشف عنها بالدليل المادي في أحد المراصد الفلكية عن النظام الكوني القائم ، ولو تدارسنا محدثات تلك النظرية العلمية وطريقة اكتشافها ، لوجدنا أن التوصل إلى هذه النتيجة المذهلة إنما كان بمحض الصدفة بعد أن سبقها الكثير من التكهنات والفرضيات التي لم تصمد كثيرا ، لذا سنبيّن تسلسل أحداث هذا الكشف الكبير بالتفصيل لأهميته .

بعض من المهام المعتادة للمراصد الفلكية في جميع أنحاء العالم أنها تقوم بشكل دوري بأخذ صور فوتوغرافية شفّافة للكون كصور الأشعة ، ومن ثم مطابقتها بصور أخذت في أيام سابقة وذلك بوضعها فوق بعضها البعض والنظر من خلالها لرؤية فيما إذا كانت إحدى الجسيمات قد تحركت من مكانها ولم تتطابق بين الصورتين ، وهذا الإجراء العملي يهدف أساسا إلى رصد ومن ثم دراسة الجسيمات المتحركة التائهة في الفضاء مثل الشهب والنيازك ، لتحديد مساراتها تحسبا من ارتطامها بالأرض .

بدأت نظرية ( البج بانج ) المذهلة تتجلى عندما قام أحد علماء الفلك عبثا وعلى غير عادة بمقارنة صورة قديمة تم التقاطها للكون مع صورة حديثة ، وبعد أن وَضع الصورتين فوق بعضهما البعض وسلط من تحتهما الضوء ، ما كان منه إلا أن ذهل عندما وجد أن جميع النجوم والكواكب قد تحركت من مكانها في الصورة السابقة ولم تتطابق الصورتان كعادتهما ، علماً بأن الصورتين قد أُخذتا من نفس المكان تماما ، كما لاحظ أن جميع النجوم والمجرات تتجه في الفضاء من نقطة انطلاق واحدة وكأنها قد قُذفت من نفس المصدر ، وبمثل تلك التجربة البسيطة تم الكشف عن أهم مؤشر يقوم على الدليل المادي يُظهر أن جميع النجوم والكواكب قد انطلقت من النقطة نفسها ، أو أنها قد قذفت من كتلة واحدة ، أنها باتساع دائم ، ولولا ظاهرة الاتساع تلك لما أمكن التوصل إلى هذا الكشف العظيم ، وهذا ما بيّنه القرآن الكريم في الآية الكريمة التالية عن كيفية نشوء الكون في قوله تعالى :

" بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ "

" وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ " ( 47 ) الذاريات .

تكشف الآية الكريمة خاصيّة هامة تتعلق باتساعه الكون الدائم ، وعلى أن خاصيّة الاتساع ثابتة في نشوئه وفي فطرته التي فطره الله عز وجلّ عليها يوم أن خلق السماوات والأرض ، وليبقى على فطرته إلى أن تقوم القيامة ومن ثم تقوم الساعة .

بالرجوع إلى نظرية الانفطار الكوني العظيم ، سنجد أن الدليل العلمي الناتج عن عملية المقارنة لصور النجوم والكواكب كانت بمثابة نواة أدت إلى التوصل لمثل تلك الفرضية المذهلة ، والتي تمخض عنها استنتاج الكتلة الكونية الواحدة كرافد طبيعي لهذه الظاهرة ، لذا فنظرية ( البج بانج ) أو الانفجار الكوني العظيم ليست فلسفة فكريّة أو تصوراً خيالياً ، إنما تقوم على الدليل المادي البيّن ، بل وتتفق في معطياتها مع جميع العلوم الثابتة ، أمّا الدليل الأقوى على صحتها ، فيعود إلى ما ورد ذكره في الآية الكريمة السابقة والتي تؤكد استمرار الكون في اتساعه إلى ما يشاء الله تعالى ، لذا فنظرية الانفجار الكوني للكتلة الواحدة تعتبر فرعاً من منظور الاتساع الكوني ، ومؤشراً يدلّ على أن جميع النجوم والكواكب المكونة للمجرات قد قذفت من مكان واحد ، وبالتالي نجد أن مكونات النجوم والكواكب في عموم الكون كانت محتواة في كتلة واحدة عظيمة جمعت مجمل المادة الكونية بعد نشوئها ، ثم نتج عنها انفطار كوني هائل أدى إلى تفككها وتناثر محتواها في المكان الكوني ، وهذه الأخرى نظرية صحيحة أيدها القرآن الكريم في الآيات البيّنات التالية :

" بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ "

" أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ " ( 30 ) الأنبياء .

السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ : تشمل الآية في معناها المجموعات الكونيّة السبع وجميع ما فيها من أراضٍ حيّة ، وليس سماء الأرض التي نحيا عليها أو غلافها الجوي .

رَتْقًا : الرتق عكس الفتق ، وهو الشيء المتماسك المضموم أو الملتصق ببعضه البعض ككتلة واحدة .
فَفَتَقْنَاهُمَا :الفتق ينتج عنه فصل المضموم عن بعضه البعض أو تجزئته أو تمزيقه بشدّة ، ولا يحدث مثل ذلك إلا عن عملية انفجار غاية في الشدّة .

وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ :

يأتي الماء في الدرجة الثانية من حيث الأهمية بعد فتق الرتق ونشوء الكون ، لسبب أن عُنصر الماء مُكوِّن أساسي لنشوء الحياة وأهم ركائزها ، كما لا يمكن لأي حياة أياً كان نوعها أو ماهيتها أن تستقيم دونه ، فلولا وجود الماء ما وجدت الحياة ، ولولا وجود الحياة ما خلق الله عز وجلّ الكون الذي خُصص في نشئه لخدمة نشء الناس ولاستخلافهم له ، لذا فوجود الحياة مرتبط ارتباطا جوهرياً بوجود الماء ، ووجود الكون بما فيه من سماوات وأرض مرتبط بوجود الاثنين معا ، ولولاهما لما أنشأ الله عز وجلّ الوجود القائم .

آيات كريمة تبين حدث انفطار الرتق

" قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ " ( 14 ) الأنعام .

كلمة " فَاطِر " أو " فَطَرَ " : تعني شقّ ، وكلمة " يَتَفَطَّرْنَ " : بمعنى يتشققن .

" إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ " ( 79 ) الأنعام .

كلمة " فَاطِر " أو " فَطَرَ " : تعني شقّ ، وكلمة " يَتَفَطَّرْنَ " : بمعنى يتشققن .

" رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ " ( 101 ) يوسف .

كلمة " فَاطِر " أو " فَطَرَ " : تعني شقّ ، وكلمة " يَتَفَطَّرْنَ " : بمعنى يتشققن .

" قَالَ بَل رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ " ( 56 ) الأنبياء .

كلمة " فَاطِر " أو " فَطَرَ " : تعني شقّ ، وكلمة " يَتَفَطَّرْنَ " : بمعنى يتشققن .

" قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى قَالُوا إِنْ

أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ " ( 10 ) إبراهيم .

كلمة " فَاطِر " أو " فَطَرَ " : تعني شقّ ، وكلمة " يَتَفَطَّرْنَ " : بمعنى يتشققن .

" الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ " ( 1 ) فاطر .

كلمة " فَاطِر " أو " فَطَرَ " : تعني شقّ ، وكلمة " يَتَفَطَّرْنَ " : بمعنى يتشققن .

" قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ " ( 46 ) الزمر .

كلمة " فَاطِر " أو " فَطَرَ " : تعني شقّ ، وكلمة " يَتَفَطَّرْنَ " : بمعنى يتشققن .

" فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ " ( 11 ) الشورى .

كلمة " فَاطِر " أو " فَطَرَ " : تعني شقّ ، وكلمة " يَتَفَطَّرْنَ " : بمعنى يتشققن .

فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ : فالق ومبتدئ ومبدع السماوات والأرض بنجومها وكواكبها على سنّته جلّ شأنه لأول مرة وعلى غير مثال سابق ، بمعنى أن الله عز وجلّ لم يسبق أن خلق كخلق كون الحياة الدنيا لا في الماهيّة أو الهيئة ولا في المكان أو الزمان ، كما أن كلمة " فَاطِرَ " أو " فَطَرَ " الوارد ذكرها في الآيات الكريمة تعني الشقّ ، وبالمثل فإنها تعني فتق المادة المضمومة التي كانت محتواة في الرتق قبل أن ينفطر لتتكون منها في مرحلة لاحقة جميع النجوم والكواكب ، ومن ثم تقسيمها إلى سبع سماوات أو سبع مجموعات كونيّة ، وبالمثل نجد أن السبب في التكرار المُتعدد لكلمة " فَاطِرَ " في القرآن الكريم يُعتبر مؤشر تذكير وتأكيد ودلالة على أهمية الحدث ، لذا فعملية الانفطار إنما هي آية عظيمة بدأ الله عز وجلّ بها خلق المرحلة الثالثة من الوجود التي نتج عنها تشكلّ النجوم والكواكب بعد نشوء المادة واحتواء الرتق لها .

كشفت الآيات الكريمة السابقة عن الكيفية التي تشكلت عليها النجوم والكواكب حين بيّنت أن تكونها نتج عن انفطار كتلة الرتق العظيم الذي احتوى مجمل المادة الكونية ، فتَمزق أو انفجر المضموم انفجارا هائلا أدى إلى تناثر مادته وانتشارها كالهباء في المكان المحتوي للمادة الآن ، ومن ثم تجمعت مع بعضها البعض في كتلٍ مختلفة ومتفرقة ، مكونة فيما بعد جميع النجوم والكواكب ... لكن دون تقسيم ! ، وبعد أن استقر تشكيلها كسماء واحدة أو كمجموعة كونيّة واحدة ، استوى جلّ شأنه لتلك السماء المختلطة نجومها بكواكبها " ... فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ " ( 29 ) البقرة ، بمعنى قسمها جلّ شأنه إلى سبع مجموعات كونية ، وجعل لكل مجموعة منها قانونها الذي يُنظم مسارها الداخلي ، وكذلك مسارها الكوني الذي تبقى عليه وتستمر باتساعها الدائم إلى أن تقوم القيامة ومن ثم تقوم الساعة فتصرف مادتها .

مراحل خلق الكون

تنقسم مراحل خلق الكون لعدة أقسام أهمها خلق المادة ونشوئها من العدم ( اقرأ باب مصدر المادة الكونية ) ، ثم تكوّن الرتق الذي جُمعت فيه المادة بعد نشوئها إلى أن فُتق وتناثر محتواه كالغبار في المكان الكوني ، ومن ثم تَجمع مادته في أشكال مختلفة الحجم منتهية على شكل نجوم وكواكب إلى أن استقرت في سماء واحدة ( مجموعة كونية واحدة ) دون أي تقسيم ، لذا سنبين في هذه المرحلة من البحث كيفية تقسيم السماء الواحدة إلى سبع مجموعات بآيات بيّنات من القرآن الكريم .

تقسم الكون إلى سبع سماوات

" بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ "

" هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ " ( 29 ) البقرة .

تُبين الآية الكريمة أن الله عز وجلّ خلق وهيأ للناس كل ما في الأراضي من منافع أولاً ، ثم قصد جلّ شأنه إلى السماء الكونيّة الواحدة التي تضمّ جميع النجوم والكواكب في هذه المرحلة ، فقسمها إلى سبع سماوات أو سبع مجموعات ، كما أن تسمية السماوات بكلمة " السَّمَاءِ " في بادئ الآية الكريمة استثناء ! مؤشرٌ يدلّ على عدم تباين النجوم والكواكب كمجموعات عن بعضها البعض في تلك المرحلة المبكرة من نشوء الكون ، وفور حدوث ذلك التقسيم ، تعود الآية الكريمة لتسميتها بما تعارفنا عليه في معظم الآيات الكريمة ذات العلاقة بكلمة " سَبْعَ سَمَاوَات " ، بالإضافة إلى أن الآية الكريمة بها تخصيص في خلق الأقوات والمنافع وتقديرها في جميع الأراضي أولا ، ليليها تقسيم " السَّمَاءِ " إلى " سَبْعَ سَمَاوَات " وتنظيمها ومن ثم خلق الناس ، مما يعني أن الآية الكريمة لا تخص نشوء ذات المادة أول مرة وتشكُلها على هيئة نجوم أو كواكب ، إنما تُبين تهيئة جميع الأراضي لخلق الدّابة عليها ، بالإضافة إلى أن تنظيم النجوم والكواكب وتقسيمها إلى سبع مجموعات كونية ووضع مساراتها الفلكية ، بمعنى آخر أن أمر الله عز وجلّ في بدء نشوء الكون يخص المادة كي تَمتثل لباريها " طَوْعًا أَوْ كَرْهًا " عندما كان الكون خاليا منها لقوله تعالى " ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ ( خالية ) فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ " ( 11 ) فصلت ، ثم شكلّ جلّ شأنه منها الرتق لحظة تجمعها فيه ، ومن بعد ذلك فتقه مكوناً منه جميع النجوم والكواكب لقوله تعالى " أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ " ( 30 ) الأنبياء ، وبعد الانتهاء من تلك المرحلة ، استوى جلّ شأنه للسماء الكونية الواحدة وهي مختلطة بنجومها وكواكبها كما هو بيّن في الآية الكريمة ، فقسمها إلى سبع سماوات بعد أن قدر الأقوات في جميع الأراضي ، وهذا تواتر صحيح لمراحل نشوء الكون الدنيوي كما بيّنه الله عز وجلّ في القرآن الكريم ، بالإضافة إلى ما سبق ، نستخلص من الآية الكريمة دليلاً آخر يُظهر وجود النجوم والكواكب في تلك المرحلة ، مما يعني أن الله عز وجلّ يكشف للناس في الآية الكريمة عن خلق ما في الأراضي من أقوات وأرزاق لقوله تعالى " هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ " وليس نشء ذات الأرض أو ذات السماوات ، أي أنها كانت موجودة وقائمة تلك الساعة .

" إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ " ( 54 ) الأعراف .

تُبين الآية الكريمة أن الله عز وجلّ هو الخالق الواحد لجميع السماوات وجميع الأرض في جميع الكون ، كما يتضح أن المعنى من قوله تعالى " خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ " لا يُقصد منه النشأة الأولى للكون من العدم ، إنما لإظهار مدّة تقسيم السماء الكونيّة الواحدة " فِي سِتَّةِ أَيَّام " بما فيها من نجوم وكواكب إلى سبع سماوات أو سبع مجموعات منفصلة ، ثم ليستوي جل شأنه من بعد ذلك على سلطان مُلكه بعد أن أكمل نشوء الوجود وأتم نظامه وسخر الشمس والقمر والنجوم تمهيدا لنشوء الحياة على جميع الأراضي ( اقرأ باب العرش ) .

" إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ " ( 3 ) يونس .

يُبين الله عز وجلّ في بادئ الآية الكريمة مرحلة تنظيم الكون وتقسيمه إلى سبع سماوات وما بينها لقوله تعالى " إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ " ذلك أن الإشارة لخلق " السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ " في الآية الكريمة به تحديد لمدة زمنية معلومة " فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ " للدلالة على أن المقصود منها هو تقسيم السماوات والأرض وليس نشوئها من العدم أول مرة ، وبالمثل فإن سبب الإشارة المباشرة للسماوات والأرض في الآية الكريمة على أنها متعددة إنما هو دليل يؤيد كمال نشوئهما ، ثم يلي هذه المرحلة قوله تعالى " ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ " ، وهذا بيان آخر يُظهر كمال نشوء الدّابة على الأرض بعد مرحلة التنظيم ومن ثم تكليف الناس بعبادة الله جلّ شأنه لقوله تعالى " ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ " ، وبنهاية هذه المرحلة تنتهي مراحل نشوء الوجود المادي في الحياة الدنيا ، ليبقى على ما هو عليه إلى أن تقوم القيامة ومن بعدها تقوم الساعة وتصرف مادته ، وبالمثل نستنتج أن ما ورد ذكره في الآية الكريمة إنما هو بيان يكشف عن مرحلة تنظيم الكون وتقسيمه وخلق الحياة على الأرض ، وللسبب نفسه نجد في الآية الكريمة نفسها خطاباً مباشراً من الخالق جلّ شأنه إلى خلقة وتكليفه لهم بعبادته لقوله تعالى " ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ " كمؤشر بيّن يدلّ على وجود حياة في هذه المرحلة لسبب كمال نشوء الوجود والحياة الدنيا .

أسرار الكون
 
C005.jpg
 
تقسم الكون إلى سبع سماوات

" بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

" هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ " ( 29 ) البقرة .

تُبين الآية الكريمة أن الله عز وجلّ خلق وهيأ للناس كل ما في الأراضي من منافع أولاً ، ثم قصد جلّ شأنه إلى السماء الكونيّة الواحدة التي تضمّ جميع النجوم والكواكب في هذه المرحلة ، فقسمها إلى سبع سماوات أو سبع مجموعات ، كما أن تسمية السماوات بكلمة " السَّمَاءِ " في بادئ الآية الكريمة استثناء ! مؤشرٌ يدلّ على عدم تباين النجوم والكواكب كمجموعات عن بعضها البعض في تلك المرحلة المبكرة من نشوء الكون ، وفور حدوث ذلك التقسيم ، تعود الآية الكريمة لتسميتها بما تعارفنا عليه في معظم الآيات الكريمة ذات العلاقة بكلمة " سَبْعَ سَمَاوَات " ، بالإضافة إلى أن الآية الكريمة بها تخصيص في خلق الأقوات والمنافع وتقديرها في جميع الأراضي أولا ، ليليها تقسيم " السَّمَاءِ " إلى " سَبْعَ سَمَاوَات " وتنظيمها ومن ثم خلق الناس ، مما يعني أن الآية الكريمة لا تخص نشوء ذات المادة أول مرة وتشكُلها على هيئة نجوم أو كواكب ، إنما تُبين تهيئة جميع الأراضي لخلق الدّابة عليها ، بالإضافة إلى أن تنظيم النجوم والكواكب وتقسيمها إلى سبع مجموعات كونية ووضع مساراتها الفلكية ، بمعنى آخر أن أمر الله عز وجلّ في بدء نشوء الكون يخص المادة كي تَمتثل لباريها " طَوْعًا أَوْ كَرْهًا " عندما كان الكون خاليا منها لقوله تعالى " ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ ( خالية ) فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ " ( 11 ) فصلت ، ثم شكلّ جلّ شأنه منها الرتق لحظة تجمعها فيه ، ومن بعد ذلك فتقه مكوناً منه جميع النجوم والكواكب لقوله تعالى " أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ " ( 30 ) الأنبياء ، وبعد الانتهاء من تلك المرحلة ، استوى جلّ شأنه للسماء الكونية الواحدة وهي مختلطة بنجومها وكواكبها كما هو بيّن في الآية الكريمة ، فقسمها إلى سبع سماوات بعد أن قدر الأقوات في جميع الأراضي ، وهذا تواتر صحيح لمراحل نشوء الكون الدنيوي كما بيّنه الله عز وجلّ في القرآن الكريم ، بالإضافة إلى ما سبق ، نستخلص من الآية الكريمة دليلاً آخر يُظهر وجود النجوم والكواكب في تلك المرحلة ، مما يعني أن الله عز وجلّ يكشف للناس في الآية الكريمة عن خلق ما في الأراضي من أقوات وأرزاق لقوله تعالى " هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ " وليس نشء ذات الأرض أو ذات السماوات ، أي أنها كانت موجودة وقائمة تلك الساعة .

" إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ " ( 54 ) الأعراف .

تُبين الآية الكريمة أن الله عز وجلّ هو الخالق الواحد لجميع السماوات وجميع الأرض في جميع الكون ، كما يتضح أن المعنى من قوله تعالى " خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ " لا يُقصد منه النشأة الأولى للكون من العدم ، إنما لإظهار مدّة تقسيم السماء الكونيّة الواحدة " فِي سِتَّةِ أَيَّام " بما فيها من نجوم وكواكب إلى سبع سماوات أو سبع مجموعات منفصلة ، ثم ليستوي جل شأنه من بعد ذلك على سلطان مُلكه بعد أن أكمل نشوء الوجود وأتم نظامه وسخر الشمس والقمر والنجوم تمهيدا لنشوء الحياة على جميع الأراضي ( اقرأ باب العرش ) .

" إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ " ( 3 ) يونس .

يُبين الله عز وجلّ في بادئ الآية الكريمة مرحلة تنظيم الكون وتقسيمه إلى سبع سماوات وما بينها لقوله تعالى " إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ " ذلك أن الإشارة لخلق " السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ " في الآية الكريمة به تحديد لمدة زمنية معلومة " فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ " للدلالة على أن المقصود منها هو تقسيم السماوات والأرض وليس نشوئها من العدم أول مرة ، وبالمثل فإن سبب الإشارة المباشرة للسماوات والأرض في الآية الكريمة على أنها متعددة إنما هو دليل يؤيد كمال نشوئهما ، ثم يلي هذه المرحلة قوله تعالى " ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ " ، وهذا بيان آخر يُظهر كمال نشوء الدّابة على الأرض بعد مرحلة التنظيم ومن ثم تكليف الناس بعبادة الله جلّ شأنه لقوله تعالى " ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ " ، وبنهاية هذه المرحلة تنتهي مراحل نشوء الوجود المادي في الحياة الدنيا ، ليبقى على ما هو عليه إلى أن تقوم القيامة ومن بعدها تقوم الساعة وتصرف مادته ، وبالمثل نستنتج أن ما ورد ذكره في الآية الكريمة إنما هو بيان يكشف عن مرحلة تنظيم الكون وتقسيمه وخلق الحياة على الأرض ، وللسبب نفسه نجد في الآية الكريمة نفسها خطاباً مباشراً من الخالق جلّ شأنه إلى خلقة وتكليفه لهم بعبادته لقوله تعالى " ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ " كمؤشر بيّن يدلّ على وجود حياة في هذه المرحلة لسبب كمال نشوء الوجود والحياة الدنيا .

بعض من الآيات الكريمة ذات العلاقة

" وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ " ( 7 ) هود .

" الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا " ( 59 ) الفرقان .

" اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ " ( 4 ) السجدة .

" هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ " ( 4 ) الحديد .

تُبين الآيات الكريمة جميعها أن الله عز وجلّ خلق الأقوات في جميع الأراضي وقدرها للناس أولا ... كدليل على وجود الأرضي تلك الساعة ، ومن ثم استوى جلّ شأنه إلى سماء الكون فقسمها إلى سبع سماوات ، كما يتضح من بعض الآيات الكريمة ، أن كلمة " السَمَاءٍ " التي ورد ذكرها بحال الفرد إنما تعني الكون ساعة تشكُله كمجموعة واحدة نتيجة لفتق الرتق وذلك قبل تقسيمه إلى سبع مجموعات ، لذا فالسماء المشار إليها إنما هي مرحلة مؤقتة لم يشهدها الناس من مراحل تكوين الكون القائم وقبل تقسيمه إلى سبع سماوات ، بمعنى أن النجوم والكواكب التي تشكلت أثر فتق الرتق لم تتخذ في مرحلتها الأولى نظاماً كونياً صحيحاً كالذي هي عليه الآن ، أو أنها قُسمت فور تكوّنها إلى سبع مجموعات ساعة أن فُتق الرتق ، إنما كانت مجموعة واحدة دون تقسيم ، ولسبب تداخل نجومها وكواكبها بعضها ببعض سميّت " السَّمَاوَات " التي تعارفنا عليها استثناءً في القرآن الكريم بكلمة " السَمَاء " لبيان أنها لا تزال مجموعة كونية واحدة ، وبعد تمام مراحل تَخلّقها وثباتها على وضعها الجديد ، يستوي الله عز وجلّ لتلك " السَمَاء " بعد تقدير الأقوات في جميع الأراضي ، فيقسمها جلّ شأنه إلى سبع سماوات أو سبع مجموعات كونية ، وليضع لكل مجموعة منها نظامها الفلكي الذي تبقى عليه إلى أن تقوم القيامة ومن ثم تقوم الساعة ، لذا فحين يَنتهي تقسيم " السَمَاء " إلى سبع سماوات ويكتمل تنظيمها ، يستوي جلّ شأنه على العرش بعد خلق الحياة على جميع الأرضي فيكلفها بعبادته جلّ شأنه ، وللسبب نفسه نجد أن القرآن الكريم لم يُشر بعد تلك المرحلة للسماوات السبع على أنها سماء واحدة أبداً .

من الآيات الكريمة ذات العلاقة بتقسيم السماء الكونيّة إلى سبع مجموعات قوله تعالى " قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ " ( 9 ) فصلت .

الآيات الكريمة التي سبقت أشارت جميعها إلى خلق السماوات وخلق الأرضي بصورة منفصلة وكأن خلق الأرضي يَختلف عن خلق النجوم والكواكب الموجودة في بقيّة الكون ، ويعود سبب الفصل في الدرجة بين خلق السماوات وبين خلق الأرضي لسبب أن الأرضي كواكب حيّة وبها ماء ، أمّا بقيّة النجوم والكواكب فهي ليست حيّة مما يجعلها أقلّ درجة وأقل أهميّة عن خلق الأرضي ، لذا فخلق الأرضي المشار إليه في الآية الكريمة لا يشمل تَشكيلها ككواكب فحسب ، إنما ليشمل خلق الماء ومن بعده خلق الأرزاق وجميع أشكال الحياة بما فيها الدّابة والنبات ، كما ويشمل تأهيلها لتكون صالحة للبعث ومن ثم تأجيل صرف مادتها المكونة لها إلى ما بعد نهاية الحساب لجميع أشكال حياة الدّابة التي ستعيش عليها ، وبمثل تلك الأهميّة وغيرها ، بيّن الله عز وجلّ في الآية الكريمة أن خلق الأراضي جميعها وتهيئتها لتكون صالحة لحياة الدّابة عليها كان في يومين من مجمل الأيام الستة اللازمة لخلق المجموعات الكونيّة السبعة لقوله تعالى " خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْن " ، لذا فالخلق المشار إليه في الآية الكريمة لا يخص خلق ذات الأرض من العدم ، إنما يخص تهيئتها حين شاء الله عز وجلّ وقدر أن يُقسم السماء الكونيّة الواحدة إلى سبع مجموعات .

" فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ " ( 12 ) فصلت .

قد يختلط المعنى عند الناس بين كلمة " خَلَقَ " السماوات السبع في ستة أيام ، أي تقسيمها إلى سبع مجموعات كونيّة بعد أن كانت سماء واحدة ، والتي خُصص منها يومين لتهيئة جميع الأرض لتكون صالحة لخلق الحياة عليها كقوله تعالى " هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ... " ( 4 ) الحديد ، وبين التقرير الإلهي " فَقَضَاهُنَّ " في المدّة اللازمة لتنظيمها ولاستقرارها من قبل خلقهما في الوجود ! وهو موضوع الآية الكريمة ، بمعنى أن كلمة " فَقَضَاهُنَّ " لا تعني خلقهما أو تكوين ذات السماوات من العدم أبداً ، كما أنها لا تعني مدّة تشكيلها كمجموعات كونيّة سبع بعد أن كانت سماء واحدة ، إنما تخص التقرير الإلهي في المدّة اللازمة لاستقرارها بعد تقسيمها إلى سبع سماوات ... " فَقَضَاهُنَّ " وليس فخلقهن مثلاً ، وبالمثل نجد أن الآيات الكريمة ذات العلاقة بخلق ( وليس القضاء في أمرها ) السماوات والأرض تُشير جميعها إلى مدّة التقسيم على أنها ستة أيام ، ولهذا وردت كلمة " قَضَى " في مواضع مُختلفة من القرآن الكريم لبيان معناها الصحيح منها قوله تعالى " بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِذَا قَضَى ( شاء وقدّر ) أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ " ( 117 ) البقرة " ، وقوله تعالى " هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن طِينٍ ثُمَّ قَضَى ( شاء وقدّر ) أَجَلاً وَأَجَلٌ مُّسمًّى عِندَهُ ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ " ( 2 ) الأنعام " ، بمعنى أن قوله تعالى " فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ " يراد منه بيان مدّة استقرارها بعد تشكُلها إلى سبع سماوات وليس مدّة تقسيمها .

تمهيد لبيان مصدر المادة

بعد أن تجلّت الكيفية التي تكوّنت عليها النجوم والكواكب نتيجة لفتق الرتق العظيم ومن ثم تقسيمها إلى سبع سماوات ، سنبحث في هذه المرحلة عن مصدر المادة الكونية التي شكلت الرتق أول مرة قبل أن ينفطر وتتفرق مكوناته في الكون ، أو الماهيّة التي أنشأ الله عز وجلّ عليها المادة من قبل أن تتجمع مع بعضها البعض في جزيئات صغيرة مكونة الرتق العظيم ، والذي انفطر فيما بعد مكوناً جميع السماوات والأرض وكل ما يحتويه الكون من مادة .

لتوضيح كيفيّة نشوء مادة الوجود أول مرّة من القرآن الكريم ، علينا أولاً نفسر بعض الكلمات التي ورد ذكرها في الآيات الكريمة ذات العلاقة تفسيرا صحيحا ، أهمها كلمة " السَّمَاء " ، وكلمة " سَمَاوَات " ، وعلاقة معناهما الجديد بتفسير نشوء المادة الكونية ، فالكلمتان وإن تشابهتا في مخارج اللفظ ، إلا أنهما مختلفتان كل الاختلاف فيما يراد لهما من معنى ، وعند التوصل إلى إظهار الفرق بين هاتين الكلمتين وتفسير معانيهما تفسيرا صحيحا بآيات بيّنات من القرآن الكريم ، عندها فقط سنتمكن بإذن الله تعالى من الكشف عن مصدر المادة الكونية وكيفية تكوّنها في الوجود الدنيوي .

تمهيد لبيان مصدر المادة

بعد أن تجلّت الكيفية التي تكوّنت عليها النجوم والكواكب نتيجة لفتق الرتق العظيم ومن ثم تقسيمها إلى سبع سماوات ، سنبحث في هذه المرحلة عن مصدر المادة الكونية التي شكلت الرتق أول مرة قبل أن ينفطر وتتفرق مكوناته في الكون ، أو الماهيّة التي أنشأ الله عز وجلّ عليها المادة من قبل أن تتجمع مع بعضها البعض في جزيئات صغيرة مكونة الرتق العظيم ، والذي انفطر فيما بعد مكوناً جميع السماوات والأرض وكل ما يحتويه الكون من مادة .
 
الفرق بين كلمة " السَّمَاء " وكلمة " السَمَاوَات "

إن أغلب ما ورد في القرآن الكريم من معنى لكلمة " السَّمَاء " خُصّ به جوّ الأرض أو غلافها الغازي المكوّن في غالبه من النيتروجين والأكسجين وبخار الماء ، عدا ما يَراد من معنى مُختلف لنفس الكلمة للدلالة إمّا على السماء العُلا ، أو على سماء الكون قبل تقسيمها إلى سبع مجموعات ، وبالمثل فإن كل ما ورد في القرآن الكريم عن كلمة " سَمَاوَات " تُشير حصراً ( دون أي معنى آخر ) للسماوات السبع على أنها سبع مجموعات كونية ، بحيث يُصبح مفرد كلمة " سَمَاوَات " يعنى مجموعة كونية واحدة من المجموعات السبع ، كما سنبين بآيات بيّنات من القرآن الكريم أن كلمة " سَمَاء " ليست مفرداً لكلمة " سَمَاوَات " ، وذلك بإيضاح سبب ودرجة الاختلاف بينهما من كل آية ، وعلى أن الكلمتين تختلفان تماماً في المعنى وإن تشابهتا في مخارج اللفظ .

معنى كلمة " سَمَاء "

نود أن نُعرّف أولاً بعض الحقائق المهمة غير المتعارف عليها عن خصائص الغلاف الجوي المحيط بالأرض ، وما له من تأثير على الحياة ، وعلاقته بكلمة " سَمَاء " الوارد ذكرها في القرآن الكريم

يتكوّن الغلاف الجوي المحيط بالأرض من خليط من الغازات والأبخرة المختلفة وبعض الغبار المعلق فيه أو الهباء ، وللغلاف الجوي فوائد كثيرة تساعد على استقامة الحياة على الأرض أهمها ... تكوّن النهار ! مهم

قد يبدو للقارئ أن مفهوم النهار بسيط كونه ظاهرة اعتاد الناس عليها وألفوها ، ولا علاقة لها بكلمة " سَمَاء " الوارد ذكرها في القرآن الكريم ، لكن تكوّن النهار على الأرض يُعتبر ظاهرة كونية فريدة من نوعها وهي غاية في الأهمية ، حيث إن خاصيّة النهار لا توجد إلا على الكواكب التي لها غلاف غازي شفاف يحيط بها ككوكب الأرض التي نحيا عليها ، ولها مصدر ضوئي قويّ وقريب منها كالشمس التي نتبع إليها ... تعريف ، ويتجلى النهار أو يُبصر نتيجة لمرور الضوء الساقط من الشمس إلى الأرض متخللا طبقة الهواء ، فيصطدم بجزيئاته محرضا إياها لتُضيء مكونة النهار ! ، وما تبقى من الضوء يصطدم بسطح الأرض فيضيئه مضيفاً في ضوئه على ضوء النهار ، بمعنى أن النهار يتشكل بفعل طبقة الغازات الخفيفة المحيطة بسطح الأرض وهي مضاءة جزيئاتها بفعل تخلل ضوء الشمس لها واصطدامه بها ، ومن فوق النهار ظلام كوني شامل يبدأ عند نهاية الغلاف الغازي المحيط بالأرض لقوله تعالى " أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا ( سماء الكون قبل تقسيمها إلى سبع سماوات ) ( 27 ) رَفَعَ ( زاد ) سَمْكَهَا ( اتساعها ) فَسَوَّاهَا ( 28 ) وَأَغْطَشَ
( ظلمة ) لَيْلَهَا ( ليل سماء الكون ) وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا " ( 29 ) النازعات ، أو كقوله تعالى " إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي ( يلف أو يُحيط ) اللَّيْلَ ( ظلام الكون ) النَّهَارَ ( نهار الأرض يَطْلُبُهُ ( يتبعه نتيجةً لدوران الأرض ) حَثِيثًا ( بإلحاح ) وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ " ( 54 ) الأعراف ، لذا فالكون مُعتم وشديد الظلام كما هو بيّن في الآيات الكريمة ، وأن ظلام الكون من فطرة نشوئه الأصيلة على العكس من النهار المخصص في المكان والمحدد في المدة ، أمّا شعاع الشمس فتختلف إضاءته للأرض ولغلافها الجوي نهارا عن إضاءته لسطح القمر كون أن القمر ليس له غلاف غازي مع أنه يقع على المسافة نفسها التي تقع عليها الأرض من الشمس تقريباً ، لكن هذا التفسير لا يعني أن سطح القمر مظلم من جهة الشمس ، إنما يلتصق الظلام بسطحه المضيء كالتصاق الجلد على اللحم ... وليس له نهار!! ، لذا يمكن رؤية النجوم والكواكب من سطح القمر نهاراً كرؤيتنا لها ليلاً لسبب عدم وجود طبقة غازيه تحيط بسطحه قادرة على تحويل ضوء الشمس إلى نهار كنهار الأرض الذي ينسلخ عنه الظلام فيحجب رؤية النجوم لشدّة إضاءته عنها لقوله تعالى " وَآيَةٌ

( معجزة ) لَهُمُ اللَّيْلُ ( في ظلامه الكوني ) نَسْلَخُ مِنْهُ ( نزيل عنه ) النَّهَارَ ( كونه غير أصيل ) فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ " ( 37 ) يس ، وبالمثل فنحن لا نستطيع أن نرى ضوء النجوم وظلمات الكون نهارا لسبب شدة إضاءة الغلاف الغازي للأرض وحجبه لها ، والحقيقة إننا لا نرى نهاراً سوى الطبقة الغازية من الغلاف الجوي المحيط بالأرض وهي مضاءة ... مهم ، مما يعني أننا لا نستطيع رؤية ما بعدها إلا بحلول الليل ، وبعيدا عن المدن الكبيرة التي تتسبب شدة إضاءتها هي الأخرى في تحريض جزيئات الهواء المحيطة بها من الأسفل إلى الأعلى ، مضيئة طبقة الهواء القريبة من سطح الأرض ، فتحجب بذلك أضواء النجوم الخافتة القادمة من الفضاء عن رؤيتها ، كما أن من الخصائص الهامة للضوء أنه لا يُرى ، لكنه يكشف الأجسام حال سقوطه عليها محرضاً مادتها لتُضيء ، لذا وبعيداً عن الغلاف الجوي لسماء الأرض ، نرى الشمس شديدة الإضاءة وكذلك جميع النجوم دون فرق بين ليلٍ أو نهار ، وفي الوقت نفسه نرى الظلام الكوني يلف الشمس ويلتصق بسطحها رغم شدّة إضاءتها لسبب أن الشمس ليس لها غلاف جوّي قادر على تكوين ظاهرة النهار من حولها لقوله تعالى " وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا " ( 4 ) الشمس ، بمعنى أن الليل يغشى الشمس فيغطيها كما تغطي الملابس الجسد .

من الخواص الأخرى للغلاف الجوي المحيط بالأرض ، أنه يرسم صورة غير حقيقية عن الكون ، من حيث أن كل ما نراه مرتسما في سماء الأرض أو في غلافها الجوي من نجوم إنما تَختلف صورته عن حقيقة ما هو عليه ، بمعنى أنه عندما ننظر إلى السماء ليلاً ، ونرى تلك الصورة الجميلة المرتسمة لأضواء النجوم وهي تملأ سماء الأرض كالمصابيح المعلقة ، فإنها لا تعكس واقعاً صحيحاً عن ذات النجوم إن كانت موجودة تلك الساعة أم لا ولا عن مواقعها الكونية ، كما لا يمكن تصنيفها إلا أنها زينة ضوئيّة لناظرها من الأرض وبالتالي فهي ليست نجوماً لقوله تعالى " إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ " ( 6 ) الصافات ، فالآية الكريمة قد أشارت إلى النجوم بكلمة " الْكَوَاكِبِ " لبيان أضوائها التي نراها مرتسمة في سماء الأرض على أنها زينه للناظرين إليها ممن هم على الأرض دون أن يروا ذات النجوم ... " إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا " ، وبالمثل فالزينة كالحلية التي تُضيف على صاحبها رونقاً وجمالاً عند ارتدائه لها ، لكنها لا تزدان به ، بحيث يُصبح المزدان هو الأصيل ، وتصبح الزينة فرعاً منه ، كما نود أن نُبين أن الآية الكريمة ليس فيها علّة من تقديم درجة الناس على ما أُشير له في الآية الكريمة بكلمة " الْكَوَاكِبِ " ، كون أن التقديم يرجع سببه لحقيقة وجود الناس على الأرض ، وعدم صحة ما يرونه من زينة مرتسمة في سماء الأرض ، لذا فالصورة التي نراها مرتسمة للنجوم في السماء لا تعكس واقعاً صحيحاً عنها لعدة أسباب :

السبب الأول : يعود إلى أن الغلاف الجوي يُزيل الكثير من أطياف الضوء ودرجاته المختلفة فيجلّيه ويضفي عليه بريقا ولمعاناً عند اختراقه لطبقة الهواء قادما من مصدره بما في ذلك ضوء الشمس ، كما أنه يُعطي للكون صورة تختلف عن أصلها لقوله تعالى " وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا " ( 3 ) الشمس ، بمعنى أن النهار المتمثل في الغلاف الجوّي يُجلّي صورة الشمس عمّا هي عليه .

السبب الثاني : والأهم هو أن جميع المواقع التي نراها مرسومة للنجوم في سماء الأرض غير صحيحة لسبب تغيّرها عن مواقعها التي كانت عليها لحظة خروج الضوء منها ، بل إن بعضها قد فني ولا يزال ضوؤها في طريقه لسماء الأرض مشكلا صورة خيالية كالمصابيح لا تعكس واقعاً صحيحاً عن مواقع تلك النجوم ، بل ولا عن حقيقة وجودها التي لا يعلمها إلا الله عز وجلّ لقوله تعالى " فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ ( 75 ) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ " ( 76 ) الواقعة .

السبب الثالث : يعود إلى أن الصورة التي نراها للنجوم ومواقعها لا تخص في شكلها ومظهرها سوى سماء الأرض التي نحيا عليها دون بقيّة الكواكب الموجودة في الكون وذلك لسبب اختلاف الموقع الكوني للأرض عن بقية الكواكب ، بالإضافة إلى أن تلك الكواكب ليس لها غلاف جوّي ، لذا فسماء الأرض أو غلافها الجوي له من السمات التي تتميز بها الأرض عن بقيّة الكواكب من مجمل الكون بالإضافة إلى وجود الماء .

آيات كريمة تظهر معنى كلمة " سَمَاء " على أنها الغلاف الجوي المحيط بالأرض

" بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ "

" أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ " ( 19 ) البقرة .
تُبين الآية الكريمة في عموم معناها أن كلمة " صَيِّب " تعني المطر ، وأن قوله تعالى " أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ " بمعنى مطر شديد منـزلّ من السماء لما فيه من " ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْق " ، وبالمثل نستنتج أن " السَّمَاءِ " المشار إليها في الآية الكريمة تعني الغلاف الجوي المحيط بالأرض ، والذي من خاصيَّته حمل السحاب وتنـزيل المطر ، لسبب أن المطر لا يسقط من بين النجوم والكواكب كونها ليست ضمن سماء الأرض ! .

" الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ " ( 22 ) البقرة .

تُبين الآية الكريمة خاصيَّة أخرى من خصائص الأرض وتظهرها على أنها كالفراش للدلالة على ما دنا منها أو ما هو أسفل القدم نسبة للماشي عليها ، كما خصّت الآية الكريمة " الْأَرْضَ " بتحديد اسمها ، أمّا كلمة " بِنَاءً " فإنها تُشير قبل كل شيء إلى أن البناء المشار إليه يخص ذات الأرض دون غيرها ، بحيث تصبح كلمة " السَّمَاءَ " الوارد ذكرها في الآية الكريمة من مكوناتها وليست قائمة بذاتها المستقل ، ذلك أن كلمة " بِنَاء " تعني قصراً كل ما التصق ( شرط أساسي ) بسطح الأرض ومن ثم علاه ، وهي صفة طبيعية لسماء الأرض أو غلافها الجوي المحيط بها لقوله تعالى في بقية الآية الكريمة " وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً " ، للدلالة على أن السماء المعنيّة هي الغلاف الجوي المحيط بالأرض ، لذا يصبح المعنى من كلمة " سَمَاء " الوارد ذكرها في الآية الكريمة ليس مفرد لكلمة سماوات وإن تشابه الاسمان في مخارج اللفظ ، لكنها تعني الغلاف الجوّي المحيطة بالأرض ، وللسبب نفسه يتكرر ذكر كلمة " سَمَاء " التي تخص الغلاف الجوّي في القرآن الكريم على الدوام مترادفةً أمّا بالأرض أو بنزول المطر ، أو بالوديان والشجر ، أو بالرياح والرزق ، أو يليها مخاطبة لمن هم على الأرض من خلق ... تعريف ، بهدف تمييز معناها وإظهار الفرق بينها وبين كلمة " سَمَاوَات " ، أمّا كلمة " سَمَاوَات " فإنها تُشير على الدوام للمجموعات الكونية السبع وما تحتويه من نجوم وكواكب ! .

" وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ " ( 32 ) الأنبياء .

يتضح من قوله تعالى أن " السَّمَاءَ " الوارد ذكرها في الآية الكريمة تعني سماء الأرض أو غلافها الجوي ، ويعود سبب ذلك الترجيح إلى أن الله عز وجل يكشف للناس عن آية مهمة في نشوئها وما تقوم عليه لحفظ ما تحتها ، وقوله تعالى " وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ " به بيان يُظهر غفلة الناس عن أهمية سماء الأرض وما لها من أثر عظيم على حياتهم التي لا يمكن لها أن تستقيم دون وجودها ، لذا فالآية الكريمة تُشير لفائدة محددة من فوائد سماء الأرض المتعددة أو غلافها الجوي ، وذلك بالكشف عن خاصيَّة حفظها للأرض وكأنها بناء واقٍ لما تحتها ، كما أن كيفيّة حفظها ناتجة عن خواص طبقة الهواء وما تحتويه من مواد مختلفة ، فهي على سبيل المثال لا الحصر تحمي الكائنات الحيّة من الإشعاعات الخطرة القادمة من الشمس ، كما تمنع الشهب من الوصول إلى الأرض حين تحترق عند تخللها لطبقة الهواء ، كذلك تعمل سماء الأرض كالبطانية فتقوم على موازنة حرارة الأرض والحفاظ عليها من التأثر المباشر بالفضاء الخارجي ، فلولا وجود طبقة الهواء مثلاً لتجمدت الأرض بمن عليها ليلاً ، ولاحترقت ومن عليها نهاراً من شدّة حرارة الشمس ، كما يضاف إلى خاصيّتها تكوّن الرياح ، وحمل السحاب الذي يتنـزل منه المطر ، وغيرها الكثير من الفوائد الهامة التي لا يمكن للحياة أياً كان نوعها أن تستقيم دونها ، بالإضافة إلى وجود مخاطبين في الآية الكريمة لتعريف معناها تماشياً وما ذكرناه في التعريف السابق .

" أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ " ( 21 ) الزمر .

البيّن من الآية الكريمة أن كلمة " السَّمَاءِ " الوارد ذكرها تخص سماء الأرض أو غلافها الجوي المحيط بها لسبب علاقتها المباشرة بنـزول المطر وفوائده في إخراج مختلف الأرزاق .

نستنتج مما سبق أن جميع ما ورد في القرآن الكريم من كلمة " السَّمَاءِ " المخصصة للغلاف الجوي المحيط بالأرض يَترادف معها في الذكر ما يربط بينها " السَّمَاءِ " في العلاقة وبين الرياح أو السحاب أو المطر وغيرها من الصفات التي تُبين المعنى الصحيح لكلمة " سَمَاءِ " وتظهرها على أنها الغلاف الجوي المحيط بالأرض ، وبالمثل نجد أن جميع ما ورد في القرآن الكريم من كلمة " سَمَاوَات " قد خُصصت في معناها لتدل على أنها السماوات السبع أو المجموعات الكونية السبع ... تعريف .

" وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ " ( 5 ) الملك .

تُظهر الآية الكريمة أن كلمة " سَمَاءِ " الوارد ذكرها تعني الغلاف الجوي المحيط بالأرض ، لسبب أن الآية الكريمة تظهر صفة فريدة من الصفات المعروفة والمألوفة لسماء الدنيا ليلاً وما نرى فيها من مصابيح ، ذلك أن المصابيح الوارد ذكرها إنما زينة كي نراها من خلال الغلاف الجوي المحيط بالأرض وما له من تأثيرات تتجلى على إثره أضواء تلك النجوم ، وبالمثل نجد أن كلمة " الدُّنْيَا " الواردة في الآية الكريمة تعني الأرض التي نحيا عليها لسبب وجود إشارة إلى مخاطبين عليها في قوله تعالى " وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ " .

" تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا " ( 61 ) الفرقان .

بُرُوجًا : البروج هي التشكيلة التي تظهر عليها أضواء النجوم ليلاً مرتسمة في سماء الأرض ، بمعنى أن كل ما نراه من صور مرتسمة على شكل مصابيح في جوّ السماء أو الغلاف الجوي المحيط بالأرض ، إنما تختلف عن مواقع تلك النجوم ولا تعكس شيئا عن حقيقتها ، لسبب أن الأضواء المرتسمة في سماء الأرض لا تعكس صورة حقيقية عن المكان الفعلي لتلك النجوم أو أنها تؤكد حقيقة وجودها تلك الساعة ، ولسبب بعدها الشديد عن الأرض ، فإن بعض تلك النجوم قد انتهى أو أفل ضوؤها ولم يعد لها نور أو إشعال ذاتي لحظة وصول ضوئها لسماء الأرض ، ومن ذلك نستنتج أن المصابيح التي نراها مرتسمة في سماء الأرض إنما من خاصيَّة غلافها الجوي نسبةً لموقعها الكوني ضمن السماوات السبع .

وَجَعَلَ فِيهَا : أي خلق الله عز وجلّ بمشيئته في سماء الأرض لتكون من خاصيَّتها الفريدة في التعريف .

سِرَاجًا : تخص الكلمة في معناها الشمس التي نتبع لها كونها أقرب النجوم إلى الأرض ، ويعود سبب ترجيح هذا المعنى لسبب أن الكلمة قد خَصت سراج واحد ... بحال الفرد ، وبالمثل فالمعنى العام لكلمة " سِرَاجًا " لا يقتصر تحديداً على ذات الشموس أو النجوم ، إنما الشيء الذي يصدر عنه ضوء وبه إشعال ذاتي كالمصباح على سبيل المثال ، أمّا الكواكب فهي باردة ولا يصدر عنها أي ضوء .

وَقَمَرًا مُنِيرًا : كلمة " مُنِيرًا " صفة للأجسام العاكسة للضوء كالكواكب ، أو كالقمر التابع للأرض التي نحيا عليها والذي ليس له إشعال ذاتي ، وقوله تعالى " وَقَمَرًا مُنِيرًا " به تحديد لصفتين هامتين من صفات القمر المشار إليه في الآية الكريمة ، أولاهما أنه كوكب وليس له إشعال ذاتي ، والثانية أنه قمر واحد وليس عدة أقمار كما هو الحال في معظم الكواكب ، ومن ذلك نستنتج أن القمر المشار إليه في الآية الكريمة يخص سماء الأرض أو غلافها الجوي المحيط بها ، وأن كلمة " السَّمَاء ِ" الواردة في الآية الكريمة تعني جوّ الأرض أو غلافها الغازي وإلا لتعددت شموس السماء وأقمارها! .

كشف الله عز وجلّ في الآية الكريمة بعض الصفات المهمة الفريدة لسماء الأرض بيان المعنى الصحيح لكلمة " سَمَاءِ " الوارد ذكرها والتي تعني الغلاف الجوي المحيط بالأرض وليس الفضاء الكوني لما فيها من تخصيص لصفاتها الفريدة بقوله تعالى " وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا " أي جعل في " سَمَاءِ " الأرض التي نحيا عليها ، وهذا تحديد دقيق في الآية الكريمة لصفة فريدة من صفات الأرض وما سخر الله عز وجلّ لها ومن عليها من " سِرَاجًا " واحداً " وَقَمَرًا " واحداً بحال التخصيص المُميز دون بقيّة الكواكب التابعة لمجموعتنا الشمسية وما لها من أقمار وخلاف ، وبهذا البيان يتضح المعنى من كلمة " سَمَاءِ " الذي يدل على أنها تعني الغلاف الجوي المحيط بالأرض عدا ما خُصص من ذكر لسماء الكون قبل تقسيمها إلى سبع سماوات أو ما يقصد منه كإشارة إلى السماء العُلا التي تخرج عن نشوء الوجود المادي وعن الزمان والمكان .

" أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ " ( 79 ) النحل .

أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ : بمعنى لم لا ينظرون إلى الطيور ويتفكرون في قدرتها على الطيران .

مُسَخَّرَاتٍ : مُكلّفات في قدرتها بما فطرها الله عز وجلّ عليه .

فِي جَوِّ السَّمَاءِ : كلمة " جَوِّ " تعني الطبقة الغازية التي تستطيع الطيور التحليق فيها من الغلاف الجوي ، أمّا كلمة " السَّمَاءِ " فإنها تعني مجمل الغلاف الجوي المكون لسماء الأرض .

تكشف الآية الكريمة عن خاصيَّة أُخرى للسماء الوارد ذكرها لتظهر معناها الصحيح على أنها طبقة الهواء المحيطة بالأرض ، وتتمثل هذه الخاصيَّة في قدرة الطيور على التحليق فيها ، من حيث أن الطيور لا تستطيع الطيران في فراغ الكون دون وجود طبقة الهواء التي تخص " سَمَاءِ " الأرض ، والتي يُمسك الله عز وجلّ مادتها من أن تزول .

" إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ " ( 164 ) البقرة .

الآية الكريمة من أكثر الآيات بيانا وتفسيرا لمعنى كلمة " سَمَاءِ " على أنها الغلاف الجوي المحيط بالأرض ، لسبب ما ورد فيها من صفات تخص السماء مما لا يدع مجالاً للشك في معناها الصحيح ، ذلك أن كلمة " سَمَاءِ " الوارد ذكرها في منتصف الآية الكريمة ترتبط في خاصيَّتها بنـزول المطر وإحياء الأرض بما فيها من زرع ودابّة لقوله تعالى " وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ " ، بمعنى أن المطر لا ينـزل من بين النجوم والكواكب أو الفراغ الكوني ، إنما هو جزء من مناخ الغلاف الجوي أو من " سَّمَاءِ " الأرض ، ثم تنتهي الآية الكريمة لتكشف صفة أخرى لسماء الأرض بقوله تعالى " وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ " ، ذلك أن الله عز وجلّ يُظهر من خواص السحاب على أنه مسخر تكليفاً بين السماء والأرض ، وبالمثل فكلمة " بَيْنَ " تعني بمنتصف الشيء على وجه التقريب ، ذلك أن من خاصيَّة السحب والغيوم أنها لا ترتفع إلى طبقات الجوّ العليا ، إنما تبقى وكأنها مُعلقة بالقرب من سطح الأرض لسبب اختلاف كثافتها عن كثافة الهواء في طبقات الجوّ العليا ، فإن جاز أن يكون معنى كلمة " سَمَاء " على أنها كل ما نراه في الكون مثلاً ، لكان السحاب معلقاً في منتصفها ، أو أنه بين النجوم والكواكب القريبة من الأرض ، ومن ذلك نستنتج أن معنى كلمة " سَمَاء " في هذه الحالة يقصد منه أنها الغلاف الجوي المحيط بالأرض عدا سماء الكون وهي مختلطة بعضها ببعض قبل تقسيمها إلى سبع سماوات أو سبع مجموعات كونية ، أو ما يخص من معنى للسماء العُلا .

بعض الآيات الكريمة ذات العلاقة بكلمة " سَمَاء " الأرض أو غلافها الجوي المحيط بها .

" أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ ( سماء الأرض ) عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ " ( 6 ) الأنعام .

" وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ ( سماء الأرض ) مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ " ( 99 ) الأنعام .

" قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ ( سماء الأرض ) وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ " ( 31 ) يونس .

" وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ ( سماء الأرض ) مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ " ( 22 ) الحجر .

" أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ ( سماء الأرض ) مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ " ( 43 ) النور .

" وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ ( سماء الأرض ) مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ " ( 24 ) الروم .

" اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ ( سماء الأرض ) كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ " ( 48 ) الروم .

" وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ ( سماء الأرض ) مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ " ( 5 ) الجاثية .

" وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ ( سماء الأرض ) سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ " ( 44 ) الطور .

" أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ ( سماء الأرض ) مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ " ( 17 ) الرعد .

" وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ ( سماء الأرض ) بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ " ( 16 ) الحجر .

" وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ ( سماء الأرض ) مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ " ( 18 ) المؤمنون .

" وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ ( سماء الأرض ) مَاءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ " ( 11 ) الزخرف .

تُبين الآيات الكريمة جميعها المعنى الصحيح لكلمة " سَمَاء " وتظهرها على أنها الغلاف الجوي المحيط بالأرض وذلك ببيان خاصيَّة أو أكثر من خصائصها في كل آية .

في المرحلة التالية من البحث سنستعين ببعض الآيات الكريمة التي تحتوي على كلمتي " السَّمَاء ِ" و " السَّمَاوَاتِ " معاً لغرض زيادة التوضيح وإعطاء قدر أكبر لمعنى كلمة " سَمَاء " ، ومن ثم إظهارها على أنها الغلاف الجوي المحيط بالأرض ، وعلى أنها غير مرتبطة في مفهومها وكلمة "سَمَاوَات" أو ما نراه في الكون من نجوم وكواكب .

" أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ( المجموعات الكونية السبع بما فيها من أراض ) وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ ( سماء الأرض أو غلافها الجوّي ) مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ " ( 60 ) النمل .

" اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ( المجموعات الكونية السبع بما فيها من أراض ) وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ ( سماء الأرض التي نحيا عليها أو غلافها الجوّي ) مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ " ( 32 ) إبراهيم .

تُظهر الآيتان الكريمتان الفرق في المعنى بين كلمة " سَمَاء " وكلمة " سَمَاوَات " ، وتُبين كبقية الآيات الكريمة ذات العلاقة أن كلمة " سَمَاء " مرتبطة في معناها على الدوام بورود الماء والرزق كقوله تعالى " وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً " أمّا كلمة " سَمَاوَات " فتبقى متلازمة بخلق الله عز وجل لعموم سماوات الكون بمجموعاتها السبع كقوله تعالى " أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ " أي أوجد خلق الكون القائم بحال الشمول وأنشأه من العدم ، أمّا كلمة " سَمَاء " ، فبالإضافة لمعناها السابق وعلاقتها بالغلاف الجوي المحيط بالأرض ، فإنها تعني إمّا سماء الكون قبل تقسيمها إلى سبع مجموعات ، وإمّا السماء العُلا ، وبالمثل سنبين المعنى لكل منها ببيان السبب في تفسيرها من خلال تسلسل الآيات الكريمة التالية :

كلمة " سَمَاء " بمعانٍ مختلفة عن المعنى السابق .

" هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ " ( 29 ) البقرة .

كلمة " السَّمَاءِ " الوارد ذكرها في الآية الكريمة لا تعني في هذه الحالة سماء الأرض أو غلافها الجوّي ، إنما تخص في ذات السماوات السبع وهي مجتمعة مع بعضها البعض كمجموعة واحدة قبل تقسيمها إلى سبع مجموعات كونية لقوله تعالى في بقية الآية " ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ " بمعنى أن " السَّمَاء " المشار إليها في الآية الكريمة تعني الوجود عندما كان مجموعة كونيّة واحدة دون تقسيم بعد أن تشكل نتيجة لفتق الرتق ومن ثم تكوّن النجوم والكواكب ، وقوله تعالى " فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَات " ، بمعنى قَسمها بعد أن كانت مجتمعه إلى سبع مجموعات كونية ( اقرأ باب -كيف خلق الله الكون ) ، لذا فكلمة " السَّمَاءِ " بموضعها القائم استثناءً ، تعني مجموعة كونيّة واحدة كإشارة إلى السماوات السبع قبل تقسيمها ، كما أنها لا تشترك في معناها وكلمة " سَمَاء " التي تخص الغلاف الجوّي أو طبقة الهواء المحيطة بالأرض .

بالإضافة إلى ما سبق بيانه من تفسير معنى كلمة " السَّمَاءِ " المشار إليها في الآية الكريمة السابقة ، نود أن نوضح أن السبب في تفسيرها بهذا المعنى يرجع لموقع الكلمة من تواتر أحداث نشوء الكون من القرآن الكريم ، ذلك أن الله عز وجلّ أمر المادة المكونة للسماوات والأرض أولاً أن تأتيه جلّ شأنه " طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ " ، بمعنى أنها امتثلت لأمر الله عز وجلّ فاجتمعت مع بعضها البعض مكونةً الرتق ( اقرأ باب مصدر المادة الكونيّة لبيان كيفية خروجها من العدم ) ، ثم أمر الله عز وجل من بعد ذلك الرتق لينفطر ، فانفطر بأمره جلّ شأنه مشكلاً جميع النجوم والكواكب في مجموعة واحدة سميت في هذه المرحلة استثناءً بكلمة " السَّمَاءِ " ، عندها استوى جلّ شأنه لتلك " السَّمَاءِ " بعد أن استقرت على وضعها الجديد فقدر الأقوات في جميع الأراضي أولاً ، ومن ثم قسم السماء الواحدة إلى سبع سماوات أو سبع مجموعات كونيّة سُميت فيما بعد ب" السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ " ، لذا فسبب تسمية الكون عند بدء تشكله في القرآن الكريم بكلمة " السَّمَاءِ " يعود لسبب احتوائه في مجموعة كونيّة واحدة ، ولسبب أنه موجود كنجوم وكواكب ومعه جميع الأراضي ، وبالمثل نجد أن الآية الكريمة تؤيد في مضمونها المعنى المذكور من حيث إن كلمة " سَمَاوَات " تأتي كمرحلة تلي كلمة " السَّمَاءِ " بعد أن سواها الله عز وجلّ وقسمها إلى سبع مجموعات كونيّة .

" فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ " ( 12 ) فصلت .

تُبين الآية الكريمة من المعاني المختلفة لكلمة " سَمَاءِ " حسب ورودها ، ثم تُظهر الفرق في المعنى بين كلٍ منها ، بمعنى أن كلمة " سَمَاءٍ " الواردة في بادئ الآية الكريمة تُشير لمجموعة كونية واحدة من بين المجموعات السبع ، وما يؤيد ذلك قوله تعالى " وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا " بعد تقسيمها لسبع مجموعات ، دليلاً على أن كلمة " سَمَاءٍ " المشار إليها تخص في معناها مجموعة كونية واحدة من مجمل السماوات السبع ، أمّا كلمة " السَّمَاءَ " الثانية في بقية الآية الكريمة فتعني " سَمَاءٍ " الدنيا أو الغلاف الجوي المحيط بالأرض ، ذلك أن الآية الكريمة تُبين من فوائدها على الأرض بقوله تعالى " وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ " ، بمعنى أن الله عز وجلّ يصور للناس وما يرونه مرتسما في سماء الأرض من مصابيح على أنها زينة لسمائهم ، كما نلاحظ أن الآية الكريمة تُشير للضوء الصادر عن النجوم الذي لا يعكس حقيقتها أو مكان وجودها ، لسبب أن الناس يرون أضواء النجوم لكنهم لا يعلمون مواقعها لقوله تعالى " فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ ( 75 ) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ " ( 76 ) الواقعة .

" يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ "(104) الأنبياء .

بينا في الآيات الكريمة السابقة عن كلمة " السَّمَاءَ " وما لها من معنى يُشير إلى سماء الكون بنجومها وكواكبها وهي مختلطة بعضها ببعض قبل تقسيمها إلى سبع سماوات ، أو على أنها تعني الغلاف الجوي المحيط بالأرض ، أمّا الآية الكريمة موضوع البحث ، فتعود في معنى كلمة " سَمَاء " مرةً أخرى لتُظهرها على أنها مجموعة كونيّة واحدة وغير مقسمة كيوم تشكُلها أول مرة بعد فتق الرتق ، بمعنى أن الله عز وجلّ يُصور في الآية الكريمة النجوم والكواكب بعد عودتها من حال السماوات السبع إلى حال السماء الكونية الواحدة كي تُطوى مادتها لتعود إلى حال الرتق ، ثم يُبيّن صرفها عند قيام الساعة بقوله تعالى " يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ " كإشارة لضمّ مادة السماء الكونية وعودتها مرةً أخرى إلى حال الرتق .

كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ : الخلق الأول المشار إليه في الآية الكريمة هو خلق السماوات والأرض وليس خلق الناس ، أمّا كلمة " نُعِيدُهُ " فإنها تُظهر كيفيّة إعادة مادته بعد طيّها إلى حال العدم التي كانت عليها قبل نشوئها ، ثم ليخلق الله عز وجل من بعدها الدار الآخرة بماهيّة تختلف في تكوين مادتها عن مادة الدار الأولى ( اقرأ باب قيام الساعة ) .

" ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ " ( 11 ) فصلت .

" وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ " ( 47 ) الذاريات .

تُظهر الآيتان الكريمتان حالات أخرى تختلف في مفهومها عمّا سبق بيانه من معنى لكلمة " السَّمَاءِ " ، بمعنى أن الآية الأولى تُشير لخلوّ الكون من المادة ساعة أن قصد الله عز وجلّ " إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ " أي خالية من المادة ، فأمر جلّ شأنه بنشوء المادة وعلى أن تمتثل لأمره جلّ شأنه إمّا طوعاً أو كَرها ، فما كان إلا أن امتثلت لباريها طائعة لأمره جلّ شأنه مُشكلة محتوى الرتق المادي ، أمّا الآية الثانية فتُبين من صفات مكان الكون على أنه باتساع دائم .

من المعاني الأخرى التي وردت في القرآن الكريم عن كلمة " السَّمَاءِ " هي السماء العُلا ، والآيات الكريمة التالية تُبين ذلك المعنى وتوضح أن " السماء " المشار إليها في الآيات التالية لا تعني سماء الكون قبل تقسيمها ، أو سماء الأرض أو ما نسميه بالغلاف الجوي المحيط بها ، إنما هي سماء مُختلفة وتخرج عن أقطار الكون الدنيوي وحدوده من حيث الزمان والمكان لقوله تعالى " يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ " ( 32 ) الرحمن .

أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ : بمعنى أقاصي حدود المكان الكوني المحتوي للسماوات السبع ، ويعود السبب في ذلك التفسير من حيث إن الآية الكريمة قد شملت في مضمونها النفوذ من جميع السماوات السبع بما فيها من أراض " أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ " ، وليس النفوذ من سماء واحدة ، ومن ثم محاولة الناس تجاوز ما وراء حدود المكان المحتوي السماوات السبع ( أي تجاوز لمكان ولزمان الوجود ) ، مما يعني محاولة خروجهم من نطاق الوجود القائم ومن نشء الحياة الدنيا ، ومن ثم الدخول إلى نطاق السماء العُلا التي لا يحكمها زمان ولا مكان .

بالإضافة إلى ما سبق ، نستنتج من الآية الكريمة أن الذين سيتمكنون من الوصول إلى نهايات الكون هم من خلقٌ على هيئة ناس في نشء الحياة الدنيا ، وأنهم ليسوا على ماهيّة أو هيئة نشء البعث ، ذلك أن نشء البعث ليس على هيئة خلق الناس من إنس أو من جان ، إنما هو نشء موحد بين جميع الناس ، كما أن نشء البعث لا يموت ( اقرأ باب قيام القيامة ) ، لذا نستخلص من الآية الكريمة خبراً مهماً من أحداث المستقبل يؤيد قدرة الناس على الوصول إلى تلك الحدود لنهاية مكان الوجود وزمانه ، والدليل على تمكنهم من ذلك في المستقبل قوله تعالى " يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا ( معشر الجن والإنس ) شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنْتَصِرَانِ " ( 35 ) الرحمن ، أو كقوله تعالى " إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ " ( 18 ) الحجر ، أو كقوله تعالى " وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ ( السماء العُلا ) فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا ( 8 ) وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا ( من السماء العُلا ) مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا " ( 9 ) الجنّ ، وهذا دليل بيّن يُظهر قدرة الناس من إنس وجان على الوصول الفعلي في المستقبل لنهاية المكان من السماوات السبع ، ومن ثم منعهم من تخطيها بأمر بيّن من الله عز وجل ، أمّا الشواظ فهي عقاب يُنـزله الله عز وجل على من يحاول تجاوز تلك الحدود وقبل وصوله إلى السماء العُلا ، وقوله تعالى " فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ " بمعنى ستنفذون ( تأكيد قاطع !! ) بوسيلة تمكنكم من تحقيق ذلك الهدف ، والأرجح أن تكون تلك الوسيلة مرتبطة بعلم الكتاب الذي يقترب من عِلم خادم سليمان عليه السلام متمثلاً فيما آتاه الله عز وجلّ من علم الكتاب ( اقرأ باب الكتاب ) الذي مكنه من إحضار عرش بلقيس في طرفة عين ، لذا فالآية الكريمة تُحدد نوع الخلق الذي سيتمكن من الوصول لنهاية الكون بقوله تعالى " يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ " بمعنى أن المنادين هم على هيئة ناس من إنس وجان في نشء الحياة الدنيا ، وليسوا من نشء البعث الموحد في الماهيّة ، لذا فالحدث المذكور من أحداث الحياة الدنيا وخبر عن المستقبل القريب ! .

" وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِين َ( 34 ) وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ " ( 35 ) البقرة .

البيًن من الآيات الكريمة أن الله عز وجل يُخاطب الملائكة وآدم عليه السلام في مكان يخرج عن مكان الجنّة أو عن مكان السماوات والأرض لسببين أولهما : أن الحدث المذكور في الآيات الكريمة يَخص خلق آدم عليه السلام ومعه إبليس قبل نزولهما إلى الجنّة وقبل نشوء السماوات والأرض ومن ثم خلق الناس على هيئة زوج ( اقرأ باب خلق الزوج ) ، والسبب الثاني الذي يُرجح أن مكان الحدث هو السماء العُلا يعود إلى تواتر الآية الكريمة الذي يَظهر فيها أن الله عز وجل قد أمر آدم عليه السلام بعد سجود الملائكة له أن يسكن وزوجه الجنّة كمرحلة لاحقه ، مما يعني أن مكان الحدث في السماء العُلا التي تخرج عن نشء المادة وعن نطاق الزمان والمكان .
 
بعض الآيات الكريمة الدالة على السماء العُلا

" قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ ( السماء العُلا ) فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُمَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ " ( 144 ) البقرة .

" إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ " ( السماء العُلا ) ( 5 ) آل عمران .

" يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ ( السماء العُلا ) فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا " ( 153 ) النساء .

" إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ ( السماء العُلا ) وَلَا يَدْخُلُونَ الجنّة حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ " ( 40 ) الأعراف .

" رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ " ( السماء العُلا ) ( 38 ) إبراهيم .

" وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ ( السماء العُلا ) فَظَلُّوا فِيهِ ( في الباب ) يَعْرُجُونَ ( يصعدون ) ( 14 ) لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ ( سُدت ) أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ ( 15 ) وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ ( السماء الدنيا ) بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِين َ ( 16 ) وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ ( 17 ) إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ " ( 18 ) الحجر .

" قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ ( السماء العُلا ) مَلَكًا رَسُولًا " ( 95 ) الإسراء .

" قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ ( السماء العُلا ) وَالْأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ " ( 4 ) الأنبياء .

" وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ ( السماء العُلا ) وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ " ( 16 ) الأنبياء .

" أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ ( السماء العُلا ) أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ ( يوم تقوم الساعة ، وبعد صرف المادّة الكونيّة ) إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ " ( 65 ) الحج .

" إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ ( السماء العُلا ) آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ " ( 4 ) الشعراء .

" يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ ( السماء العُلا ) إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ " ( 5 ) السجدة .

" وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ ( السماء العُلا ) وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ " ( 28 ) يس .

" وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ ( السماء العُلا ) إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ ( جميع الأراضي الحيّة ) إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ " ( 84 ) الزخرف .

" فَوَرَبِّ السَّمَاءِ ( السماء العُلا ) وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ " ( 23 ) الذاريات .

" أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ ( السماء العُلا ) أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ ( 16 ) أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ ( السماء العُلا ) أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ " ( 17 ) الملك .

نستنتج مما سبق أن كلمة " السَّمَاء " التي ورد ذكرها في الآيات الكريمة لا تعني الكون كمجموعة واحدة قبل تقسيمه إلى سبع سماوات ، كما أنها لا تعني الغلاف الجوّي المحيط بالأرض أو سماءها ، إنما تُشير في مضمونها إلى ما قبل نشوء الوجود وقبل نشوء المكان الكوني ، بمعنى أن السماء المشار إليها تعني حيث خلق الله عز وجلّ الملائكة والروح وجميع الأنفس ( النشء غير المادي في ماهيّته ) من قبل أن يخلق مكان الوجود ومادته ، وأن " السَّمَاء " المشار إليها تَخرج في مفهومها عن جميع أشكال النشء المادي الذي يقوم الدهر على بقائها ( اقرأ باب نشوء المادة ) ، والذي ينتج عنه الزمن المحسوس كأحد فروعه وما له من تواتر ينعكس على ذات المادة وعلى ما تَشكل منها في صورة زوج مُركب ( كائنات حيّة ) من إحساس الماضي والحاضر والمستقبل ، لذا فالسماء العُلا التي ليست من النشء المادي الدنيوي الذي يزول عند قيام الساعة ، ولا من نشء الدار الآخرة لسبب أن الأُخرى نشؤها مادي ومؤقت ، كما أنها ليست على صلة في وجودها بالزمان أو بالمكان لأنها تخرج عن جميع أشكال المادة .

معنى كلمة " سَمَاوَات " وعلاقتها بالمجموعات الكونية

أخبر الله عز وجلّ في القرآن الكريم وكشف عن أهم علوم الحياة الدنيا وخاصةً ما يتعلق بنشوء الكون الدنيوي وأركانه التي يقوم عليها ومصدر مادته ، بل وكشف للناس عن الكيفية التي سينشئ عليها الدار الآخرة بما فيها من سماوات وأرض غير التي نحيا عليها ، ذلك أن القرآن الكريم به تبيان لكل شيء وهدى ورحمة ، وعند الانتهاء في هذه المرحلة من تفسير المعنى الصحيح لكلمة " سَمَاوَات " بآيات بيّنات من القرآن الكريم ، سنتمكن إن شاء الله تعالى من توضيح مصدر المادة الدنيوية ، وكيفية تكوّن الرتق الذي نتج عن فتقه محتوى الكون في النشأة الأولى .

إن كل ما ورد في القرآن الكريم من كلمة " سَمَاوَات " تخص قصراً المجموعات الكونية السبع على عكس كلمة " سَمَاءِ " ، بمعنى أن الله عز وجلّ قصد سماء الكون بعد تشكلها كمجموعة واحدة نتيجة لفتق الرتق ، فقسمها جلّ شأنه لسبع مجموعات كونية تحتوي كل مجموعة منها على مليارات المجرات ، كما تحتوي كل مجرة على مليارات النجوم والكواكب ، وتمهيدا لإظهار العلاقة بين كلمة السماوات والمجموعات الكونية السبع ، نود أولا إيضاح بعض الحقائق عن تركيب المجرة وعن شكلها وطبيعتها ، لأن المجرة تعتبر أهم لبنة في تشكيل المجموعات الكونية ، ومن ثم إيجاد العلاقة بينها وبين كلمة " السَّمَاوَات " الواردة في القرآن الكريم .

تحتوي كل مجموعة كونية من المجموعات السبع على عدد عظيم من المجرات المختلفة الحجم قد تصل في بعضها إلى ما يقارب المائة مليار مجرة ( مائة مليار مجرّة تعادل مجموعة كونية واحدة ، أو سماء كونيّة واحدة من السماوات السبع ) ، كما تتكوّن كل مجرّة منها بما يقارب الثلاثمائة مليار نجم ( ثلاثمائة مليار نجم تعادل مجرّة واحدة من المائة مليار مجرّة ) ، بالإضافة إلى ما يتبع كل نجم منها من أجسام مختلفة الأعداد والأحجام مثل الكواكب والأقمار والنيازك التي تدور ضمن فلكها الداخلي كالشمس التي نتبع لها ، بمعنى أن الأرض التي نحيا عليها تعتبر واحدة من عدّة كواكب مُختلفة الحجم تدور حول شمسنا في نظام فلكي خاص بها ، علماً أن الشمس التي نتبع لها تقاس على أنها نجم متوسط الحجم بين مليارات النجوم التي تتكون منها مجرة التبّانة ، التي تعتبر مجرة واحدة من بين مائة مليار مجرة تشكل وهي مجتمعة مجموعة كونية واحدة ( سماء كونيّة واحدة من مجمل السماوات السبع ) ، ويعود السبب في تسمية النجوم بهذا الاسم عن الشموس لبعدها الشديد عن الأرض التي لا يصل منها إلا بصيص من ضوئها دون حرارتها ، ومن خصائص المجرة أن لكل نجم منها مدارا خاصاً يتحرك فيها وباتجاه موحد مع بقيّة النجوم التي تُكون في مجموعها الشكل العام للمجرة .

الشكل العام للمجرة العملاقة يشبه إلى حد كبير الطبق أو الصحن ، فهي مفلطحة الشكل وشبه مستديرة الهيئة ، ولها نظام داخلي شامل تتحرك من خلاله جميع النجوم باتجاه واحد ، وتظهر المجرة نحيفة في محيطها الخارجي ، ثم تزداد كثافة وسمكاً كلما اقتربنا من مركزها ، كما أن لكل مجرة ضمن مجموعتها الكونية المؤلفة من مائة مليار مجرّة مسارها الكوني الذي تسلكه وكأنها منظومة واحدة ، ولسبب إجمالي كتلة المجرة الهائلة لما فيها من نجوم وكواكب ، فهي ذات طاقة جذب كونية شديدة للغاية .

توضيح طاقة جذب المجرات

لو نظرنا لفارق الجاذبية بين الأرض والقمر على سبيل المثال ، لوجدنا أن جاذبية القمر تعادل سدس جاذبية الأرض ، وبالمثل نجد أن كتلته تعادل سدس كتلتها ، ومن ذلك نستنتج وجود علاقة مهمة مرتبطة بين كتلة النجم أو الكوكب وبين قدرة جاذبيته ، ولو افترضنا مجازاً أن كتلة الأرض ازدادت لتصبح ضعف ما هي عليه الآن ، لازدادت بالتالي جاذبيتها بالقدر نفسه ... تعريف ، وبالمثل لو احتسبنا قوة الجذب بين الشمس والأرض مضافاً إليها قمرها الذي يتبعها ، وقوة الطرد الناتجة عن دوران الاثنين معاً حول الشمس ، لوجدنا أن الأرض بقمرها يعملان عمل الكتلة الواحدة مقابل كتلة الشمس وكأنهما جسم واحد ، بمعنى أن إجمالي قيمة الجذب لكتلة الأرض مضافاً إليها كتلة القمر ، أو ما هو مجموع كتلتيهما معاً يعادل تماماً قوة الطرد الناتجة عن دورانهما حول الشمس ، وهو سبب ثباتهما على نفس المدار دون تغيير إلى يومنا هذا ، وبنظرة أوسع نستنتج أن نظامنا الشمسي ( الشمس وتوابعها من كواكب وأقمار ) ، له تأثير الكتلة الواحدة نفسها مع بقية النجوم ضمن نفس المجرة ، كما نستنتج أن إجمالي محتوى مجرتنا المادي بحال الشمول الكلي لكل ما فيها من شموس ونجوم وكواكب وأقمار يعمل كقوّة واحدة تؤثر وتتأثر بالمجرات الأخرى ضمن المجموعة الكونية نفسها التي نتبع لها ، وعلى النهج نفسه يمكن القول إن لكل نظام كوني أو لكل مجموعة كونية " سَمَاء " من المجموعات السبع قوّة جذب إجمالية تجعلها تتفاعل كالجسم الواحد مع بقيّة المجموعات الكونية السبع في منظومة شاملة ، بحيث تصبح المجموعة الكونيّة الواحدة " السَمَاء " المؤلفة من مائة مليار مجرّة ، تتفاعل كالجسم الواحد مع بقيّة المجموعات السبع ، لتصبح السماوات السبع وكأنها سبعة أجسام من حيث القيمة .

بعد التصور السابق عن الأرض وما قد يحدث لجاذبيتها لو أن وزنها ازداد ليصبح ضعف ما هو عليه ، علينا الآن أن نتصور وحدة جاذبية الأرض لو أن وزنها تضاعف ليعادل إجمالي كتلة المجرة الكاملة بما فيها من نجوم وكواكب ، ثم تضاعفت ليعادل إجمالي كتلة المجموعة الكونية الواحدة التي نتبع لها من المجموعات السبع ، علما أن متوسط عدد النجوم بالمجرة العملاقة الواحدة يقارب من الثلاثمائة ألف مليون نجم ، عدا ما يتبع لكل نجم منها من كواكب وأقمار تدور حول بعضٍ منها ، وأن عدد المجرات من كل مجموعة كونية يعادل المائة مليار مجرة ، ولو افترضنا مجازا أن متوسط كتلة كل نجم من مجمل النجوم المكونة للمجرة تعادل كتلة الأرض ! ... علما أن بعضها يزيد بملايين المرات عن حجم الأرض ومعها الشمس التي نتبع لها ، لأصبح إجمالي قوة الجذب الفعالة للمجرة العملاقة الواحدة ضمن فلكها الكوني يعادل ثلاثمائة ألف مليون ضعف مما هو متعارف عليه من وحدة قياس لجاذبية الأرض ، ولأصبح وزن الكيلو غرام الواحد على قياس جاذبية الأرض يزن ثلاثمائة ألف مليون طن كحد أدنى! ، والأقرب أن تُضرب هذه القيمة بعشرة ملايين ، وحتى نتوصل لقياس شدة الجذب لمجموعة كونية واحدة من المجموعات السبع ، علينا بضرب الناتج السابق بمائة مليار وحدة وهو إجمالي عدد المجرات من كل مجموعة كونية ، وبما أن السماوات مقسمة لسبع مجموعات كونية ، لذا فكل مجموعة كونية منها ، أو كل سماء من السماوات السبع تحتوي على سُبع محتوى الكون المادي وكذلك سبع جاذبيته ، وتعمل كل سماء منها عمل الكتلة الواحدة فتؤثر وتتأثر ببقية المجموعات الأخرى ....... تلك إذا قوة جذب عظيمة للغاية تستحق صفة الشدّة ! .

" بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ "

" وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا " ( 12 ) النبأ .

فَوْقَكُمْ : فوق جميع الناس ممن هم في جميع الأراضي من جميع السماوات السبع ، بمعنى أن السماوات فوقنا نحن في هذا المكان ، وفوق الآخرين بالجهة الأخرى من الأرض ، بل وفوق جميع الأراضي التي خلقها الله عز وجلّ في جميع الكون .

سَبْعًا : إشارة عددية للمجموعات الكونية للدلالة على أنها سبع مجموعات .

شِدَادًا : جمعها شديدة ، والشدة درجة عالية من البأس ، وصفة عظيمة لكل سماء أو لكل مجموعة كونية من المجموعات السبع .

" أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا " ( 27 ) النازعات .

تساؤل في الآية الكريمة عن عِظم الكون في شدّة نشوئه مقارنة بخلق الناس على هيئة زوج في نشء الحياة الدنيا ، بمعنى أن الله عز وجلّ يُظهر للناس ضآلة نشئهم ببيان عِظم نشوء سماء الكون أول مرة من قبل تقسيمها لسبع سماوات .

" وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ " ( 17 ) المؤمنون .

فَوْقَكُمْ : أي فوق عباد الله أجمعين في جميع الأراضي .

سَبْعَ طَرَائِقَ : سبع أمثال الشيء بحال التكرار المتعدد ، أو سبع أضعاف الشيء وهي السماوات السبع أو المجموعات الكونية السبع .

وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ : أي أن الله عز وجلّ قد أحاط وشمل جميع خلق الدّابة في عموم خلق السماوات وعموم الأرض التي نحيا عليها .

" الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ " ( 3 ) الملك .

سَبْعَ سَمَاوَاتٍ : إشارة عددية تُظهر أن السماوات الكونيّة قد قسمت إلى سبع مجموعات متعادلة .

طِبَاقًا : الصفة الشكلية لكل سماء من السماوات السبع أو كل مجموعة كونية .

تَفَاوُتٍ : تناقض .

فُطُورٍ : بمعنى قصور أو نقص أو خلل أو اختلاف .

فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ : أي أعد النظر مرة أخرى وتحقق من خلق السماوات فهل ترى فيها من قصور أو خلل ، كذلك فالإشارة بها دلالة بيّنة على قدرة الناس بالنظر لتلك السماوات بالعين المجردة .

يَكشف الله عز وجلّ في الآية الكريمة عن عظيم خلقة جلّ شأنه في الكون ، ويدعو الناس للنظر في كيفيّة نشوء السماوات والأرض والبحث فيهما عمّا إذا كان بهما قصور أو خطأ يشوب نشأهما للدلالة على إعجاز الله عز وجلّ في كمال إبداعه ، كما أن الآية الكريمة بها تبيان لقدرة الناس على النظر لتلك السماوات من الأرض .

" أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا " ( 15 ) نوح .

أَلَمْ تَرَوْا : لم لا تنظرون بأعينكم ، أو لم لا تتفكرون في الكيفية التي خلق الله عز وجلّ عليها السماوات وفي ماهيّة نشئها .

سَبْعَ سَمَاوَات ٍ: إشارة عددية للسماوات على أنها سبع مجموعات كونية .

طِبَاقًا : الصفة الشكلية التي تدل على تشابه أو تطابق كل سماء من السماوات السبع بالأخرى ، أو كل مجموعة كونية منها بالأخرى من حيث الشكل والتشكيل والعدد والشدّة ... الخ .

كلمة " طِبَاقًا " الواردة في الآية الكريمة لا تعني أن المجموعات الكونيّة السبع عبارة عن طبقات مصفوفة فوق بعضها البعض أو أنها تحتوي كل منها الأُخرى ، لأن المشار إليها بالسماوات السبع إنما هي مجموعات كونية هائلة التكوين من حيث عدد المجرات وعدد النجوم والكواكب في كل منها ، فلو كانت السماوات السبع تُطبِقُ على بعضها البعض لما تكوّنت المجرات كمنظومات مستقلة ومنفصلة ، ولما تكوّنت المجموعات الكونية السبع بعد تقسيم السماء الكونيّة الواحدة ، مع العلم أن جميع النجوم التي نراها في سماء الأرض أو الغلاف الجوي بالعين المجردة إنما هي تابعة لمجرتنا التي نتبع لها والمسماة بدرب التبانة ، ومن ذلك نستنتج أن كلمة " طِبَاقًا " تعني أنها متساوية من حيث كميّة المادة ومن حيث عدد المكونات من كل سماء أو أنها تعني تشابها تاما بين كل مجموعة من المجموعات السبع أو الاثنين معاً ، بمعنى أنها متطابقة من حيث التكوين والتشكيل والعدد ، لكنها حتماً لا تعني أنها متراصة التكوين فوق بعضها البعض لقوله تعالى " هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ " ( 29 ) البقرة ، بمعنى أن الله عز وجل قصد إلى الكون بعد نشوئه وتشكله في مجموعة واحدة ، فقسمه إلى سبع مجموعات ، وأن محتوى كل مجموعة من المجموعات السبع مكوّن من المادة نفسها التي تشكلت منها المجموعات الأخرى كونها في الأصل سماء كونيّة واحدة ! .

بنهاية هذا الجزء من البحث ، اتضح الفرق في المعنى بين كلمة " سَمَاءَ " وكلمة " سَمَاوَات " بآيات بيّنات من القرآن الكريم ، من حيث إن كلمة " سَمَاءَ " تخص في عموم معناها الغلاف الجوي المحيط بالأرض ، بالإضافة إلى " سَمَاءَ " الكون كمجموعة واحدة قبل تقسيمها إلى سبع مجموعات ، أو أنها تعني " السَمَاءَ " العُلا ، كما تَبيّن أن كلمة " سَمَاوَات " لا تخص في معناها سوى المجموعات الكونية السبع ، وعلى أن الكلمتين تختلفان في معانيهما وإن تشابهتا في مخارج اللفظ .

مصدر المادة الكونية وعلاقتها بالدهر

بيّن الله عز وجلّ في آيات كثيرة من القرآن الكريم الكيفيّة التي قام عليها نشوء الوجود بدءاًً بانفطار الرتق وتفرق مادته ، ثم تَجمعها كهيئة نجوم وكواكب في سماء كونية واحدة ، وكيف أن الله عز وجلّ استوى لتلك السماء فقسمها إلى سبع سماوات وما بينها ، بمعنى أن الوجود المادي يتمثل في سبع مجموعات كونية ، وكل مجموعة منها تحتوى على ما يقارب من المائة بليون مجرة ، كما تحتوي كل مجرة عملاقة على ما يقارب من الثلاثمائة بليون نجم ...! ، تلك إذاً كمية هائلة من المادة احتواها الرتق قبل أن يُفتق يصعب تصورها ، ونحن نتساءل الآن عن مصدر مادته أول مرة ، أي من أين أتت تلك المادة التي تكوّن منها الرتق أول مرة فملأت محتوى الوجود بالنجوم والكواكب ، وما هو المكان المحتوي لها وكيف تكوّن من العدم ... ؟ .

كل ما نحتاج إليه للرد على مثل هذا التساؤل العظيم هو الربط الصحيح المتماسك بين جميع المواضيع السابقة ، كون أن التوصل لمعرفة المصدر والكيفية التي أنشأ الله عز وجلّ عليها المادة بالعلم الصحيح المؤيد بالقرآن الكريم ليس بالأمر اليسير الذي يمكن استخلاصه دون جهد ، وأن التوصل لمثل تلك العلوم سينتج عنه إدراك عظيم لسر الوجود وما يخص نشوء الحياة الدنيا والدار الآخرة ، وبالمثل فكل من سيتوصل إلى مسّ الردّ على هذا التساؤل ، سينتهي حتما إلى الاقتناع الصادق المؤيد بالشهادة الحق المبنيّة على الدليل المادي لوحدانية الله جل شأنه لقوله تعالى " شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ " ( 18 ) آل عمران ، لسبب تلازم أمريّ الارتباط بين معرفة أصل المادة وماهيتها ، وبين وجه الحق جلّ وعلا .
 
المادة ومصدرها

كلنا يعلم أن المادة مكونة بصفة مبدئية من ثلاثة عناصر تشترك فيما بينها مشكلة جزيئا صغيرا يحمل جميع صفاتها وهي البروتونات والنيترونات والإلكترونات ، وإن السبب في اختلاف أشكال المادة وصفاتها الكيميائية والفيزيائية ناتج عن اختلاف كمية الطاقة المحتواة في نواتها ، لذا فكلما زادت كمية الطاقة المحتواة في نواة المادة ثقلت وبالتالي تغيّرت صفاتها تغييرا جوهريا والعكس صحيح ... تعريف ، كذلك فمن المتعارف عليه أن المادة بجميع أشكالها في جميع الكون تقوم على القاعدة نفسها ولا تختلف في تكوينها بين شمس وكوكب لسبب توحد مصدرها الناتج عن فتق الرتق العظيم .

تلك بعض من المعلومات المتعارف عليها عن تكوين المادة وعن سبب تفاوتها في صفاتها الظاهرة بين عنصر وآخر ، ولكي يكتمل تفسير خروج المادة إلى الوجود بشكلها التي هي عليه ، هناك عنصر آخر مرتبط بها ارتباطا وثيقا متلازماً معها لحظة نشوئها متمثلا في الدهر!! ......... وليس تأثيره الجانبي المحسوس على المادة أو ما نسميه بالوقت المعدود !! مهم جداً ( الدهر مختلف ) .

ما هو الدهر ؟

لا تعني كلمة الدهر ما تعارف عليه الناس من زمن محسوس أو من وقت يتمثل في الماضي والمستمر والمستقبل ، إنما المؤثر الفاعل المسيطر على المادة وعلى وجودها ، بمعنى أن الوقت المحسوس ما هو إلا رافد ناتج عن تأثير الدهر وعن سيطرته على الطاقة واحتوائه لها عل شكل مادة ، وبالمثل يمكن اعتبار الزمن أو الجزء المؤثر أو الملموس من الوقت على المادة مؤشر يكشف عن العامل المستتر المتمثل في ذات الدهر كون الأخير ليس بمادة يمكن تعريفه ، إنما يُمكن استشعاره من خلال فروعه المختلفة الظاهرة على الوجود التي من أهمها الزمان والمكان ، علماً بأن الدهر ليس المؤثر الوحيد الذي لا يمكن تفسير ماهيّته ، إنما يوجد الكثير من المؤثرات الظاهرة على نشوء المادة والتي لا نعرف ماهيتها ، مثله مثل الجاذبية ، أو المغنطة ، أو الأشعة والأضواء بأنواعها ودرجاتها ، أو الموجات الكهرومغناطيسية ، أو الحرارة والبرودة ، أو وزن المادة وما لها من صفات كيميائية وفيزيائية … الخ ، وبالمثل قد يظنّ البعض أنهم مدركون لتلك المؤثرات ، لكن الحقيقة أنهم لا يلمسون سوى الآثار الجانبية الظاهرة عنها على المادة كنتيجة لفاعلية تلك القوى الخفية عليها دون معرفة ماهيتها ، بمعنى أننا نشعر بقوة جاذبية الأرض كما عرفنا قوانينها ، لكن لا نعلم الماهيّة التي تنتج على إثرها قوة الجذب المتمثلة في أصغر حالات المادة ، ونرى تأثير الضوء عند اصطدامه بالمادة فيضيئها ، لكن لا نعلم ماهيّته كونه لا يرى بذاته ولا عن ماهيّة إضاءته ، ونعرف تأثير القوى الكامنة في المادة ، لكن لا نعرف ماهيتها ، ونعرف ما للمغنطة من قدرة على جذب الأجسام والمعادن ولا نعرف ماهيتها ، ونعرف أن ذلك الجسم بارد والآخر حار ولا نعرف ماهيّة ذات الحرارة أو ذات البرودة ، كذلك نحس بمؤثرات الدهر التي سبق ذكرها ، دون أن نعلم ماهيّة الدهر! ، وبمثل تلك الأسباب يمكن تفسير الدهر على أنه القوة الخفية المسيطرة على المادة وليس ما يطرأ عليها من تأثيرات جانبيه ناتجة عن تأثيره عليها كالوقت المحسوس مثلاً ، والكثير من الظواهر الكيميائية والفيزيائية للمادة التي سنبينها لاحقاً حيث من أهمها وزنها الذري .

تعريف الدهر

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر" .

الخاصيَّة الجليلة والفريدة التي وردت في الحديث القدسي الشريف عن الدهر لم يرد لها نظير على الدرجة الرفيعة نفسها أبداً ، من حيث أن يكون الدهر هو من ذات الله عز وجلّ ، بمعنى أن يكون الدهر المهيمن على الوجود المادي لهذه النشأة ومن بعدها النشأة الآخرة إنما من ذات الله عز وجلّ ومن نوره ، وبمثل تلك العلاقة بين الدهر وذات الله جلّ شأنه ، سنكشف في هذا الباب عن علاقة الدهر بالمادة وكيفية سيطرته عليها في الوجود ، كما سنثبت أن الدهر هو الأصل في نشوء الوجود وليس المادة الظاهرة ، وأنه هو المحدد لماهيتها التي هي عليها الآن وليست الطاقة المحتواة فيها بآيات بيّنات من القرآن الكريم .

علاقة المادة بالدهر وكيفية خروجها

تعددت النظريات التي تبحث في مصدر المادة التي تتكون منها النجوم والكواكب أول مرّة قبل الكشف عن كيفية تشكيلها في نظرية ( البج بانج ) ولا تزال ، لكنها اتفقت جميعها على وجود ترابط جوهري يجمع بين المادة وبين الطاقة كأحد مكوناتها ، وبين والزمان والمكان ليكتمل ظهورها كما هي عليه الآن ( أي مادة ملموسة ) ، وعلى أن المادة بمختلف أشكالها في جميع الكون إنما في أصلها طاقة موجبة الشحنة ، كما اتفق الباحثون على أن الطاقة وهي المكون الرئيس للمادة لها نقيض من الشحنة السالبة نتج عنها الفراغ الكوني ، حيث سميت فيما بعد بالمادة المضادة ، بمعنى أن المادة الملموسة التي نراها في الوجود بكافة أشكالها ، ما هي إلا حزمة مكثفة من الطاقة الموجبة الشحنة تقع تحت تأثير الدهر في كل جزيء من مكوناتها ، وأن ساعة الزمن تبدأ بالدق في المادة فور تحولها من طاقة وخروجها إلى الوجود على شكلها التي هي عليه ، كما أنه لا يوجد في الكون من مادة تَحيد عن تأثير الدهر ، وأن كل مالا يقع تحت تأثير الدهر فهو ليس بمادة ولا يمكن تصنيفه كذلك ... تعريف ، مِثل تلك الحقائق العلمية تكشف بالدليل عن وجود علاقة حقيقيّة ثابتة تربط بين عامل الزمان وبين الطاقة في نشوء المادة ، كما تكشف عن نقيضها من الطاقة السالبة كقطب مضاد للطاقة المحتواة في المادة الموجبة لحظة تحولها إلى مادة ملموسة تحت تأثير الدهر ، أي أن لكل طاقة موجبة الشحنة وهي محتواة في أي جزيء من أي مادة كانت في الكون نقيض يعادلها في القيمة من الطاقة السالب الشحنة ... تعريف .

تلك العلوم المؤكدة لا علاقة لها في مصادرها بما ورد في القرآن الكريم ، لكنها تتفق معه تماما ... إلى هذه المرحلة فقط!! ، ولسبب الحداثة النسبيّة لتلك العلوم ، وفي محاولة لإيجاد تفسير مقنع يبيّن الكيفيّة التي خرجت عليها المادة الكونية أول مرة ، ظنّ الباحثون أن المادة الكونية كانت في بادئ الخلق كتلة صغيرة لا يتعدى حجمها عُقلة الإبهام ، وأن تلك العُقلة كان لها وزن وطاقة هائلة تعادل في قيمتها مجمل محتوى الكون المادي رغم صغرها ، ولسبب طاقتها ووزنها الهائل ، تناسخت العقلة عن بعضها البعض كما تنقسم الخليّة الحيّة إلى أن كوّنت محتوى الرتق المادي ! ، بمعنى أن العقلة أخذت تنقسم وتزداد من ذاتها منتهية بتشكيل مجمل المادة الكونية التي احتواها الرتق والتي تشكلّت منها جميع النجوم والكواكب بعد انفطاره ، وكأن التصغير في حجم المادة قبل تكوّنها كان كافيا لتفسير مصدرها أول مرة من العدم ! ، وللسبب نفسه لم يُحدد أحد بعد مصدر تلك العُقلة ، وبالمثل فإن كانت العقلة بحجم ذرة لجزيء واحد من عناصر المادة مثلاً ، فمن أين أتى أول مرّة ... ؟ ، هذا هو التساؤل الصحيح الواجب تفسيره ، لذا كان من الأجدر إثبات مصدر العقلة قبل التوصل لنظرية تكاثرها الذاتي .

لنعتبر أن ما سبق طرحه من علوم وفرضيات توصل إليها الباحثون بخصوص تفسير نشوء الكون ومصدر المادة لتاريخ كتابة هذا البحث قد أصابت في بعضها وأخطأت في تعريف مفهوم مصدر المادة ، ومع ذلك ستبقى الفرضية الأخيرة متداولة إلى أن يَثبت عكسها ، لكن أهمية تلك النظريات تكمن في بادئها وما اتفق عليه جميع الباحثين من أن المادة متلازمة في وجودها بعامل الزمن لحظة تكوّنها ، وأن ساعة الزمن تبدأ بالدق فيها لحظة تحولها من طاقة إلى مادة ، وأن المادة مرتبطة بالزمن ارتباطاً جوهرياً إلى أن تنتهي وتزول ، كما أن المادة لها نقيض من الطاقة يسمى بالمادة المضادة .

استنتاج عام

إن أي ذرة من أي جزيء في أي مادة منفردة كانت أو متحدة ، أو أصغر من ذلك أو أكبر خلقها الله عز وجلّ في الوجود يُسيطر عليها الدهر ويُشكل وجودها كهيئة مادة ملموسة في النشوء الدنيوي ويقرر عمرها الزمني ، أمّا ذات الدهر فهو أزلي وثابت ولا يتأثر بالزمن كون أن الأخير فرع منه ، كما أنه لا يتجزأ ولا تتغيّر صفاته ببقاء المادة أو بفنائها ، وهو الفاعل الوحيد المهيمن على وجودها ، وأن كل ما لا يقع تحت تأثير الدهر لا يمكن تصنيفه على أنه مادة ، كما لا يمكن للمادة أياً كان شكلها أن تتواجد في المكان الكوني دون أن تقع تحت تأثير الدهر أو أن تدق فيها عقارب الزمن لحظة نشوئها ، فإن رفع الدهر عنها مثلاً ، عندها تتحول المادة إلى طاقة فتتبدد وتزول ، ومن ثم تعود لسيرتها الأولى قبل خلقها وهي حالة العدم ... مهم جداً .

مصدر المادة الكونية

في محاولة لتعريف كيفية نشوء المادة التي تشكلت منها السماوات والأرض في الوجود وبيان مصدرها ، سنضرب مثالين نصوّر من خلالهما ما سبق إيضاحه من معطيات عن المادة ، ثم سنربطهما ببعض لبيان كيفية نشوء المادة بآيات بيّنات من القرآن الكريم .

لنتصور وجود زُجاجة فارغة ... تمثل الزجاجة الفارغة الكون وهو خال من المادة ... ، من حيث أن الضغط بداخل الزجاجة متعادل بخارجها بحيث يكون الفارق بينهما صفراً ... نسبة لتعادل الطاقة المكونة للمادة بين الموجب والسالب منها بحيث أن تكون محصلة الفارق بينهما صفراً ، كإشارة إلى عدم نشوء المادة والمكان في هذه المرحلة ... ، فإذا ما سُحب الهواء من داخل الزجاجة كَرهاً ... نسبة لأخذ قدراً من الطاقة الموجبة الشحنة دون حدّ التعادل أو الصفر ... ، عندها ينتج فارق في الضغط بين داخل الزجاجة وخارجها ، وهو وضع غير متعادل وبالتالي غير مُستقر ... عندها سينتج قدر من الطاقة الموجبة الشحنة يتم تحويلها إلى مادة ، كما سينتج عنها في الوقت نفسه طاقة أخرى سالبة الشحنة تعادلها في قيمتها ، وهو وضع غير متعادل وبالتالي غير مستقر ... ، بمعنى لو أننا سحبنا طاقة مّا لم تكن موجودة أو دون مستوى نقطة التعادل المفترضة ، لأوجدنا حالة مستحدثة ( أي بفعل فاعل ) من عدم الاستقرار بين طاقتين إحداهما موجبة الشحنة والأخرى سالبة ، وستبقى هذه الحالة في وضع غير متعادل إلى حين تركها كي تعود إلى طبيعتها كما يعود الهواء لداخل الزجاجة ، ومن ثم تتعادل الطاقتان كتعادل الضغط في الزجاجة ، لكن إذا ما أردنا أن نُبقي الزجاجة كَرهاً على ما هي عليه بوضعها غير المستقر ... وكذلك الطاقة الموجبة الشحنة ... ، عندها يجب استخدام أداة مّا تحول دون دخول الهواء إلى الزجاجة بغرض الحفاظ على وضعها الجديد الذي يُخالف طبيعتها ... وكذلك الطاقة الموجبة المحتواة في المادة .

لنفترض مرةً أخرى خلوّ الكون من الطاقة التي تعتبر المكوّن الرئيس للمادة ، وذلك بتعادل شقيها كدليل على عدم وجود أي نوع من المادة في هذه المرحلة ، فإذا ما أردنا نزع قدر من الطاقة دون نقطة التعادل المفترضة لغرض تحويلها إلى مادة ، عندها نحصل على قيمة فرضيّة موجبة الشحنة ، وفي المقابل ينتج عن انتزاعها فراغ يعادلها في القدر لكنه سالب القيمة على عكس القيمة المنتزعة ، بمعنى لو أننا شبهنا تلك القيمة بقطعة منتزعة من حائط ، وأن سطح الحائط المفترض هو نقطة التعادل ، عندها تحصل القطعة المنتزعة على حيّز إيجابي وملموس ، أمّا مكانها فسيكون فراغاً سلبياً يعكس حيّزها الذي أحدثته عند إزالتها منه أول مرة ، وبالمثل فعند إعادة القطعة المنتزعة لمكانها الذي أُخذت منه ، ستختفي القطعة المنتزعة وكذلك الفراغ الذي أحدثته عند إزالتها ، بحيث يتعادل الفارق بينهما وتكون قيمة التحصيل صفراً ، أي أنهما عادا لوضعهما السابق المستقر قبل نزعها وهو العدم ، أمّا إذا بقيت الكتلة المزالة منفصلة عن مكانها الأصلي ، فهذا سينتج عنه وضع غير سليم أو غير مستقر لكلتا الطاقتين ، بحيث تحتاج إحداهما لقوة تسيطر عليها وتضمن بقاءها مُنفصلة إلى أن تُترك لتعود إلى سيرتهما الأولى قبل نزعها ، وبالمثل نستنتج أن المادة بأشكالها المختلفة هي في أصلها طاقة موجبة الشحنة ( حقيقة علمية ) ، وأن إجمالي الطاقة المكونة للمادة في الوجود لها نقيضها على شكل طاقة سالبة لم تتحول على هيئة مادة كالتي تعارفنا عليها ( حقيقة علمية ) ، كذلك تَبين أن المادة بأنواعها تقع تحت الزمن ويظهر عليها كمؤثر ( حقيقة علمية ) ، لذا فعند تدارس المعطيات السابقة نستنتج أن أجمالي كتلة المادة الكونية بحال الشمول ، لها ما يعادلها وبالقدر نفسه من الطاقة السالبة الشحنة وهو دليل بيّن يُؤكد إن المادة أتت ساعة نشوئها من عدم ، بمعنى أن كميّة الطاقة الموجبة التي تتكون منها المادة تتعادل في قيمتها والطاقة الكونيّة السالبة ، فإن تُركت الطاقة المحتواة في المادة لتعود إلى طبيعتها حرّة ساعة رفع عامل الدهر عنها ، لتعادلت في قيمتها والشحنة السالبة ، ولاختفت المادة من الوجود نتيجة لذلك التعادل بين الطاقتين ( الموجب يُلقي السالب والعكس صحيح ) ، لذا يمكن الاستنتاج أن المادة لا يمكن لها أن تُستحدث إلا عندما تُنتزع طاقة مّا من العدم كَرهاً ... كونها لم تكن موجودة قبل ذلك ! ، ثم يتم تحويلها إلى مادة ملموسة تحت تأثير الدهر الذي يمنع تعادلها مع الطاقة الموجبة ، عندها فقط تظهر مثل تلك الظاهرة بين حالتي الطاقة ونقيضها ، بمعنى أنه إذا انتزعت طاقة موجبة من العدم وهي العنصر الأساس المكون للمادة ، عندها تنتج قوتين متعادلتين في القيمة ، لكنهما متناقضتان في الشحنة ، بحيث تكون إحداهما موجبة والأخرى سالبة ، أمّا الفرق الذي يُميز بين القيمتين المتناقضتين فيعود إلى أن الأولى ( الطاقة الموجبة ) قد تحولت تحت تأثير الدهر إلى مادة ملموسة لها الكثير من الصفات الكيميائية والفيزيائية وعلى رأسها وزنها الذري ، أمّا الأخرى فبقيت كطاقة سالبة الشحنة تَشَكل على إثرها المكان الكوني الذي يحتوي جميع السماوات السبع ، لذا فالدهر وهو العامل المستتر يقهر الأولى فيحول دون عودتها إلى طاقة ، بمعنى أن الدهر يُكرِهُها فيما هي عليه الآن لتبقى كمادة طالما تغشاها وأحاطها ، وكأنه يضمّها ويضفي عليها وزنها وصفاتها الكيميائية والفيزيائية ، وللسبب نفسه نجد أن وزن المادة نسبي وكثافة الطاقة المحتواة في نواتها ، فإن زادت كثافة الطاقة المحتواة داخل النواة ، زادت بالتالي قيمتها وزاد وزنها الذري ، كما ستتغير صفاتها الكيميائية والفيزيائية الظاهرة عليها ، علماً أن الطاقة ليس لها وزن ولا تشبه في صفاتها صفات المادة ، وبالمثل نستنتج أن العامل المستتر الذي قام على تحويل الطاقة إلى مادة وسيطر على بقائها في الوجود ، هو القادر على إظهار وزنها وجاذبيتها كأهم صفة من الصفات التي تقوم عليها المادة ... مهم للغاية .

نشوء المادة من القرآن الكريم

" بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ "

" بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ " ( 117 ) البقرة .

بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ : خالق المادة المكونة للسماوات والأرض أول مرة على غير مثال سابق ، فهي خاصته جلّ شأنه في الخلق وخاصته في الإبداع وفي التنظيم وفي المكان والزمان .

وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ : عندما شاء الله عز وجلّ وقدر أن يخلق الوجود الدنيوي ، أمر جلّ شأنه أولاً المادة وهي المكون الأساس للرتق ومن ثم للسماوات والأرض أن تأتيه طوعا أو كرها ، فإذا هي طائعة لأمر باريها كما في قوله سبحانه وتعالى " ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ ( المكان المخصص للوجود ) وَهِيَ دُخَانٌ ( كإشارة إلى خلوه من المادة ) فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ " ( 11 ) فصلت ، ذلك أن قوله تعالى في الآية الكريمة " فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْض " لا يَخص المجموعات السماوات السبع أو النجوم والكواكب ، إنما الأصل منها ساعة نشوء الرتق ، ودليل ذلك أن الله عز وجلّ خلق الرتق قبل أن يخلق السماوات والأرض ، ففتقه لتتكوّن منه النجوم والكواكب كهيئة سماء كونية واحدة ، ثم استوى جلّ شأنه لتلك السماء فنظمها وقسمها إلى سبع مجموعات ، وبذلك تصبح الآية الآيات الكريمة تخص في معناها الكشف عن كيفية نشوء المادة التي تكوّن منها الرتق ، وهي النشأة الأولى في الوجود الدنيوي .

" إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا " ( 41 ) فاطر .

إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ : إنما يمسك الله عز وجلّ المادة المكونة للسماوات والأرض أن تزول بفعل سيطرة الدهر عليها ، أمّا ذات السماوات والأرض فقد كانتا رتقاً ففتقه الله عز وجلّ وكوَّن منه النجوم والكواكب ، ثم استوى جل جلاله إلى سماء الكون وقسمها إلى سبع سماوات ووضع قوانينها التي تبقى عليها إلى أن تقوم القيامة ومن ثم تقوم الساعة .

أَنْ تَزُولَا : زوال الشيء لا يعني وقوعه عن مكانه المخصص له أو خروجه عنه أو تحطمه نتيجة صدمه بجسم آخر ، إنما إذا زال الشيء أصبح والعدم سواء وليختفي وجودة في أي صورة كانت ، لذا فالمعنى من كلمة " أَنْ تَزُولا " أي حتى لا تختفي مادتهما وتعود لسيرتها الأولى قبل خلقها .

وَلَئِنْ زَالَتَا : أي لو أن الله عز وجلّ رفع عن المادة قبضة الدهر القائم على وجودها والذي من ذات الله جلّ شأنه لزالت ، وهذا ما سيحدث عند قيامة الساعة ، عندما يُبدل الله عز وجلّ الأرض غير الأرض والسماء وينشئ الدار الآخرة نشأً جديدا بمادة جديدة تختلف في ماهيتها عن خلق مادة الحياة الدنيا .

إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ : فهل من أحد غير الله عز وجلّ قادر على إمساكها وتثبيت بقائها على هيئتها كمادة مستقرة .

" ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ " ( 11 ) فصلت .

قوله تعالى " ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ " أي قصد جلّ شأنه لخلق المادة عندما كان الكون خالياً منها ، وكلمة " السَّمَاء " تعني في هذا الموضع المكان المقرر للوجود وليس ذات المادة أو الزمان ، أمّا كلمة " دُخَان " فإنها ترمز إلى خلوّ الكون من المادة .

فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ : بمعنى كلّف الله عز وجلّ مكوناتهما أن تَمتَثل لأمره جلّ شأنه فتتكون على هيئة مادة .

اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ : أي أن الله عز وجلّ قد خير الطاقة المكونة للمادة أن تأتيه طواعية من ذاتها فإن لم تفعل فبالإكراه ، فما كان إلا أن اختارت الامتثال لأمر ربها والمثول طواعية لقوله تعالى " قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِين " .

" يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ " ( 104 ) الأنبياء .

تكشف الآية الكريمة عن كيفية صرف المادة لحظة قيام الساعة تمهيدا لعودتها إلى سابق عهدها قبل خلقها بقوله تعالى " يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ " بمعنى أن الله عز وجلّ يعيد السماء إلى حال الرتق كمرحلة تلي ضمّ السماوات السبع ، لذا فكلمة " السَّمَاءَ " الوارد ذكرها في الآية الكريمة تعني سماء الكون وقد عادت إلى حال الرتق واختلطت مكوناتها بعضها ببعض عند قيام القيامة ، أمّا الخلق المشار إليه بقوله تعالى " كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ " فهو خلق المادة المكونة للسماوات والأرض وليس خلق الناس لقوله تعالى " لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ " ( 57 ) غافر .

" وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ " ( 27 ) الروم .

قوله تعالى " وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ " ، بمعنى أن الله عز وجلّ هو الذي أنشأ الوجود وأوجد مادته من العدم ، وهو الممسك لها في قبضته إلى أن يأذن لها لتُصرف فتَنصرف عند قيام الساعة ، وقوله تعالى " ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ " بمعنى أن الله عز وجلّ يأذن لمكونات الكون المتمثلة في المادة أن تعود إلى سابق عهدها كما كانت قبل تسخيرها في تشكّل الرتق ومن ثم السماوات والأرض ، وكون أن الله عز وجلّ هو الممسك لتلك المادة ، لذا يصبح زوالها " أَهْوَنُ عَلَيْهِ " أيسر على الله عز وجلّ من أن يُمسكها .

" وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ " ( 67 ) الزمر .

تَقصير الناس في عدم معرفة عظمة الله عز وجلّ ناتج عن ضعف إدراكهم لقدرة الله جلّ شأنه وجهلهم لها لقوله تعالى " أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ " ( 9 ) الزمر ، لذا كلّما زادت معرفة الناس بقُدرة الله عز وجلّ وتجلّت لهم عظمتها ، قَدَروا الله عز وجلّ القدر الصحيح القائم على درجة معرفتهم ، وبالمثل يُبيّن الله عز وجلّ للناس في الآية الكريمة ويكشف عن بعض قدراته جلّ شأنه بقوله تعالى " وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِه " ، بمعنى أن الله عز وجلّ هو الممسك بقدرته وعزته جلّ شأنه للمادة في الحياة الدنيا ويوم القيامة لجميع السماوات وجميع الأرضي تحضيرا لصرفها ، كما أن كلمة " السَّماوَات " وكلمة " الْأَرْض " في الآية الكريمة إنما في مكان الإشارة للمادة المكونة لهما ، ولإظهار بقائهما في قبضة الله عز وجلّ إلى أن تقوم الساعة وتصرف .

الآيات الكريمة التالية تخص في مضمونها قيام الساعة وصرف المادة الكونية ( اقرأ باب قيام الساعة ) ، لكن السبب من ورودها في هذا الباب يخدم استخلاص بعض المؤشرات الدالة على نشوء المادة وثباتها في الوجود .

" إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ " ( 1 ) الانشقاق .

بمعنى خرجت عمّا كانت عليه وتجمعت في سماء واحدة كيوم أن تشكلت من الرتق تمهيدا لصرف مادتها ، كذلك فالمعنى من انشقاق السماء يتفق وانشقاق القمر وخروجه عن مساره متجها نحو الشمس ليجتمع بها .

" وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ " ( 2 ) الانشقاق .

بمعنى طلبت المادة المكونة لها الإذن من بارئها أن تُصرف ، فيأذن الله عز وجل لها لتنصرف بأمره ، ومن ذلك نستنتج أن المادة الكونية المشكلة للنجوم والكواكب في جميع السماوات السبع تطلب الإذن من الله عز وجلّ أن يَرفع عنها قبضة الدهر لكي تعود إلى سيرتها الأولى التي كانت عليها قبل نشوئها ، فيأذن الله عز وجلّ لها فتَنصرف دون جميع الأراضي التي تبقى في قبضة الله عز وجلّ لحين كمال حساب الناس ، لذا فطلب المادة الأذن من الله عز وجلّ بصرفها لهو ناتج عن وضعها المستحدث الذي لا يتناسب مع فطرتها ، مما يعنى أن عودتها إلى حال العدم خير لها من بقائها كمادة كونه وضع أصيل .

" وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ " ( 3 ) الانشقاق .

بمعنى زلزلت وتهيأت لبعث الناس عليها .

" وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ " ( 4 ) الانشقاق .

بمعنى بعث الناس ومعهم أثقالهم ، ووضع الكتاب ، وانتهى الحساب .

" وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ " ( 5 ) الانشقاق .

ثم تطلبت المادة المكونة لجميع الأراضي الإذن من بارئها أن تُصرف ، فيرفع الله عز وجل عنها قبضته فتنصرف ولا يبقى في الكون بعدها من مادة ، ومن ثم تعود السماء كيوم أن استوى جلّ شأنه لها وهى دخان قبل نشوء الوجود كقوله تعالى " ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ " ( 11 ) فصلت ، وبنهاية صرف المادة تبدأ مراحل نشوء الدار الآخرة .

بَين الله عز وجلّ في مواضع مختلفة من القرآن الكريم عن الماهيّة التي خُلقت عليها المادة التي تكون منها الوجود في الحياة الدنيا عندما كانت سماء الكون تخلو منها وهي كالدخان أو كالغمام ، كما بيّن جلّ شأنه عن أمر الإتيان بالمادة الأساسية التي تشكل منها الرتق الذي انفطر لاحقا مكوناً محتوى الكون ، ولتبقى المادة في قبضة الله عز وجلّ إلى أن تقوم الساعة فيؤذن لها أن تُصرف فتنصرف برفع الدهر عنها ، لذا فكلمة " السَّماوَات " أو كلمة " الْأَرْض " الوارد ذكرهما في الآيات السابقة لا تعني الشكل الذي هي عليه ، لسبب أن الأمر الإلهي قد سبق تكوّن الرتق الذي نتج عن فَتقه تكوّن السماوات السبع وما فيها من نجوم وكواكب وأراض ، وبذلك نستنتج أن كلمة " السَّماوَات " بمحل الإشارة لمصدر مادتها المكونة لها وللرتق ، كما نود أن نذكر أن المادة الكونية بوضعها الحالي مُكرهة على ما هي عليه بفعل قبضة الدهر واحتوائه لها كونها في أصلها طاقة ، كما أن وجودها كمادة يُخالف فطرتها أو طبيعتها الأصلية التي كانت عليها قبل نشوئها وهي العدم .

ملخص عن مصدر المادة

عندما شاء الله عز وجلّ وقدر أن يَخلق السماوات والأرض ، أمر سبحانه وتعالى المادة أولاً بالإتيان طوعا أو كَرها ، فما كان إلا أن أتت طائعة امتثالا لأمره تعالى ، ولتبقى من بعد ذلك في قبضته جلّ شأنه إلى أن يأذن لها بالانصراف لحظة قيام الساعة فتنصرف ، وحين اكتمل نشوء المادة من العدم ، خلق الله عز وجلّ منها الرتق الذي احتواها جميعاً ، ثم أمر وجلّ شأنه الرتق أن ينفطر ، فانفطر بأمره مكوناً فيما بعد جميع النجوم والكواكب على شكل سماء كونية واحدة دون تقسيم ، ومن ثم استوى جلّ شأنه لتلك السماء الموحدة بعد أن قدر الأقوات على جميع الأراضي ، فقسمها إلى سبع سماوات أو سبع مجموعات كونية متساوية ومستقره ، ثم خلق الله عز وجلّ الحياة وكان نشوئها يقوم على وجود الماء ، ولتبقى مادة جميع السماوات وجميع الأراضي مستقرة من بعد ذلك بمشيئة الله عز وجلّ إلى أن تقوم القيامة ، عندها يضمّ الله عز وجلّ المادة الكونية المتمثلة في النجوم والكواكب لتعود كسماء واحدة ، ومن بعدها إلى حال الرتق تمهيدا لصرفها لحظة قيام الساعة .

هنالك فروع كثيرة لما توصلنا إليه بخصوص مصدر المادة وعلاقتها بالدهر ، وعلاقة الدهر بالساعة ، فإذا توقفت الساعة مثلاً ( كرسوّها يوم القيامة ) ، يتوقف بالتالي تأثيرها على المادة المتمثلة في الزمن ، ونتيجة لذلك يصبح يوم القيامة وكأنه يوم لا بداية له ولا نهاية لسبب توقف الإحساس بالماضي والحاضر والمستقبل ، وإذا ما قامت الساعة ورفع تأثير الدهر عن المادة ، عادت المادة إلى طبيعتها التي كانت عليها قبل نشوئها كطاقتها موجبة الشحنة لتتعادل بشقيها وتزول ولتصبح والعدم سواء ، أي تتعادل الطاقتان الموجب منها بالسالب فتلغي بعضها بعضاً كما بيّنا ذلك سابقا ، ولا يبقى بعد زوالها من أثر للنشأة الأولى عدا الأصل منها الذي أحاط بها ولازم نشوءها المتمثل في والدهر الذي من ذات الله عز وجلّ ، كذلك بيّنا أن الكتاب مُستنسخ زمني من الدهر مُحدد فيه المكان والزمان لجميع أحداث الكون وحياة الناس ، وبالكتاب يستنسخ الله عز وجلّ حالات المادة في نشوئها الدنيوي ، ولا تغيب عنه صغيرة ولا كبيرة إلا يحصيها ويحيط بها .

أسرار الكون
 
merccccccccccccccccccci
 
الدهر والكتاب والحساب

نود أن نكشف في هذا الجزء من البحث بآيات بيّنات من القرآن الكريم عن فروع أخرى للدهر متمثلة في الكتاب ، ذلك أن كلمة " الْكِتَاب " الوارد ذكرها في الآيات الكريمة لها معانٍ أخرى قيّمة غير التي تعارف عليها الناس من أنه قرآن أو ورق أو قرطاس أو صحف أو سجل ، أو أي شئ منظور أو ملموس ، إنما " الْكِتَاب " على قدر عظيم من الأهمية لما له من خصائص تربط بين ماهيّته وماهيّة الدهر كسجل زمني محفوظ محدد فيه أحداث نشوء الكون ، ومحدد فيه الأقدار وغيرها الكثير مما سيتضح في الآيات الكريمة التالية :

" بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ "

" الم ( 1 ) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ " ( 2 ) البقرة .

قبل البدء في تفسير معنى كلمة " الْكِتَاب " الوارد ذكرها في الآية الكريمة ، علينا أولاً أن نُظهر قاعدة مهمة في القرآن الكريم تَخص معنى كلمة " الْكِتَاب " ، وذلك من حيث إن جميع الآيات في القرآن الكريم ذات العلاقة تُشير على الدوام إلى " آيات الْكِتَاب " أو إلى ذات الكتاب باسم الإشارة " تِلْك " أو " ذَلِكَ " على العكس من كلمة " قُرْآن " !!!، كما أن أغلب ما ورد في القرآن الكريم من ذكر عن ذكر " الْكِتَاب " به تخصيص لآياته " آيات الْكِتَاب " ، أي معجزات الكتاب وليس ذاته ، ويرجع السبب في ذلك لعدم توافق فطرة الناس وهم في نشء زوج الحياة الدنيا ومعرفة أو رؤية ذات الكتاب كونه ليس من ماهيّة نشء الوجود الدنيوي ، لكن بالإمكان لمس آثاره البيّنة على المادة وعلى الكثير من الظواهر الطبيعية ، وقد يتصور الناس عند قراءتهم لسورة البقرة من الآية الثانية ، أن كلمة " الْكِتَاب " قد تعني مثلاً ذات القرآن الذي بين أيديهم وهم يقرؤون منه ، لكن كلمة " الْكِتَاب " تعني شيئاً آخر غير ذلك !! لقوله تعالى " ذَلِكَ الْكِتَاب " ، بمعنى أن " الْكِتَاب " المشار إليه بعيد وغائب ، لسبب أن كلمة " ذَلِكَ " لا تعني هذا أبداً !! ، أو أنها قد تُشير إلى ما هو بين يدي القارئ أو ما يقرأه من قرآن ، إنما اسم إشارة للبعيد الغائب " ذَلِكَ " ، فإن كان المشار إليه في الآية الكريمة هو ذات القرآن الكريم جدلا ً! ، لحلت كلمة هذا عوضا عنها كإشارة مباشرة إلى ما بين يدي القارئ ، وما يعزز هذا التفسير هو أن المشار إليه في الآية الكريمة ليس ذات القرآن إنما شيء آخر بعيد عن القارئ ، بل غائب عنه ! قوله تعالى " لَا رَيْبَ فِيهِ " الذي ينفي الشك عن حقيقة الغائب المشار إليه بكلمة " ذَلِكَ " ، وتأكيداً يؤيّد وجوده وليس مضمونه ، فالقارئ ليس بحاجة إلى برهان كي يُثبت له أن القرآن الذي بين يديه موجود لسبب أنه يتلو منه ! ، أمّا السبب الآخر الدال على أن الكتاب المشار إليه في الآية الكريمة ليس ذات القرآن إنما هو شيء آخر يعود إلى أن الله عز وجلّ أنزل القرآن ليكون هدى ورحمة للناس كافة من إنس وجان دون تخصيص يميز بين شخص وآخر ، أمّا الكتاب المشار إليه في الآية الكريمة فبه تخصيص لفئة بعينها وذلك بتحديد درجة إيمانهم " هُدًى لِلْمُتَّقِينَ " كما هو بيّن في الآية الكريمة ، ثم يُبين الله عز وجلّ من صفاتهم بقوله تعالى " الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ " ( 3 ) البقرة ، وتلك بعض الصفات الخاصة بالمتقين وما يهديهم إليه كتاب الله عز وجلّ كدرجة تفضيل عن عامة الناس ، والتي من أهمها الإيمان بالغيب " الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ " ، ذلك أن الغيب هو كل ما يغيب عن إدراك الناس من أمور في نشء الحياة الدنيا والدار الآخرة التي من أهمها الكتاب وآياته الراسخة في خلق السماوات والأرض ، أمّا كلمة " القُرْآن " فقد وردت على الدوام في جميع الآيات ذات العلاقة باسم الإشارة المباشرة " هَذَا " للحاضر الغير مغيّب كقوله تعالى في الآيات الكريمة التالية :

" قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لَا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ " ( 19 ) الأنعام .

" وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ " ( 37 ) يونس .

" نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ " ( 3 ) يوسف .

" إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا " ( 9 ) الإسراء .

" وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُورًا " ( 41 ) الإسراء .

" قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا " ( 88 ) الإسراء .

" وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا " ( 89 ) الإسراء .

" وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا " ( 54 ) الكهف .

" وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا " ( 30 ) الفرقان .

" إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ " ( 76 ) النمل .

" وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُبْطِلُونَ " ( 58 ) الروم .

" وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ " ( 31 ) سبأ .

" وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ " ( 27 ) الزمر .

" وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ " ( 26 ) فصلت .

" وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ " ( 31 ) الزخرف .

" لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ " ( 21 ) الحشر .

في بادئ سورة البقرة ، ورد اسم إشارة للبعيد الغائب المُذكر في قوله تعالى " ذَلِكَ الْكِتَابُ " بمعنى أن الإشارة تخص ذات الكتاب ، أمّا الآيات الكريمة التالية فتشير للبعيد الغائب المؤنث " تِلْكَ " ، وهي أداة تأنيث لا تخص ذات الكتاب ، إنما معجزاته المتعددة المتمثلة في " آيَاتُ الْكِتَابِ " ، ثم ما يليها من صفات عن الكتاب على أنه " الْكِتَابِ الْمُبِين ِ" أو " الْكِتَابِ الْحَكِيمِ " ، لذا فآيات القرآن الكريم إمّا أنها تُشير إلى ذات الكتاب وصفاته ، أو أنها تُشير في غالبها لآياته المتعددة الظاهرة في نشوء الكون وما يكشف عنها القرآن الكريم في بعض آياته كقوله تعالى :

" الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ " ( 1 ) يوسف .

" الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ " ( 1 ) يونس .

" تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ " ( 2 ) الشعراء .

" تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ " ( 2 ) القصص .

" تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ " ( 2 ) لقمان .

" الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ " ( 1 ) الحجر .

تُشير الآيات الكريمة لمعجزات الكتاب المتعددة كما في قوله تعالى " تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ " لسبب أن المعجزات المشار إليها أثرها بيّن في نشوء الوجود المادي غير ذات الكتاب أو ماهيّته ، أمّا قوله تعالى " تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ " ، بمعنى أن الله عز وجلّ يُظهر للناس عن معجزات الكتاب وقدراته فيما أوحى إلى رسوله مُحمد صلّى الله عليه وسلّم من قرآن ليبلغه لعامة الناس من إنس وجان ، لذا فالقرآن يكشف عن معجزات " آيَات " الكتاب ويُخبر عنها وعن عظم أثرها ... تعريف ، أمّا ذات الكتاب فلا يستطيع الناس إدراك ماهيّته وهم على هيئة نشء الزوج في الحياة الدنيا .

" طس تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ " ( 1 ) النمل .

تَبيّن فيما أسلف عن الفرق بين ذات الكتاب المستتر في ماهيّته ، وبين آياته الظاهرة على نشء الوجود ، وبالمثل تبين الآية الكريمة موضوع البحث في قوله تعالى " تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ " بمعنى أن آيات القرآن هي الأخرى معجزات في ذاتها كونها مُنـزلة من الله عز وجلّ وليست من صنع بشر ، كما تخص الآية الكريمة ما يتعلق منها بالكشف عن ماهيّة الكتاب وعن وظائفه المتعددة ، بمعنى أن الكتاب هو الأصل والمصدر فيما بيّنه الله عز وجلّ من آيات كشف عنها في القرآن ، وبذلك يصبح قوله تعالى " آيَاتُ الْقُرْآن " ، بمعنى معجزات القرآن الكريم في كل آية منه ، وخاصّة في كشفه عمّا خفي عن الناس من آيات الكتاب العظيمة ، وقوله تعالى " وَكِتَابٍ مُبِينٍ " ، يخدم التأكيد على حقيقة الكتاب كونه مستتر وذلك ببيان آياته المتمثلة فيما أنزله الله عز وجلّ من قرآن ليكشف عن تلك المعجزات ولبيّن أهميتها وتأثيرها في الوجود .

" الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ " ( 1 ) هود .

الكتاب المشار إليه في الآية الكريمة بقوله تعالى " كتاب أحكمت آياته " هو الميزان الذي يستقيم عليه نشوء السماوات والأرض وخلق الناس ، ومن بعده الحساب ونشوء الدار الآخرة لقوله تعالى " إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ( لحظة نشوء الكون ) مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ " ( 36 ) التوبة ، أمّا كلمة " أُحْكِمَتْ " فتعني أن الكتاب المشار إليه مُتقن في أَحكامه وفي قواعده التي تأسس عليها الوجود ، لذا فالآية الكريمة تظهر ثبات الكتاب في ماهيّته كنظام شامل يقوم عليه نشوء الكون وخلق الحياة وقيام الساعة ونشوء الدار الآخرة ، وقوله تعالى " ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ " بمعنى أن الله عز وجلّ أخبر الناس في القرآن الكريم عن بعض من وظائف الكتاب وما له من تأثير في الوجود .

" يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا " ( 153 ) النساء .

يسأل المجرمون الرسول مُحمداً صلّى الله عليه وسلم أن ينـزل عليهم ربَّهُ! من السماء العُلا كتاباً منسوخاً على ورق كي يروه بأعينهم ويلمسوه بأيديهم بالإضافة إلى ما أنزل الله عز وجلّ من قرآن .

البيّن من الآية الكريمة أن المشركين كانوا يعلمون حينه عدم إمكان توافق طلبهم من حيث أن يروا الكتاب " جَهْرَةً " أو عيانا ، أي أنهم يرونه بماهيّته التي هو عليها كونه فرع من الدهر الذي من ذات الله عز وجلّ ، وبالمثل شبّه الله عز وجلّ في الآية الكريمة طلبهم هذا لسبب تقاربه في الدرجة وطلب أسلافهم عندما سألوا موسى عليه السلام أن يروا الله عيانا ، وكأن الله عز وجلّ يوحد بين درجتيّ السؤال نظرا لتوحد معناهما .

" وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ " ( 7 ) الأنعام .

يَضرب الله عز وجلّ مثلاً في الآية الكريمة بقوله تعالى " وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ " ، بمعنى أن أداة التساؤل في كلمة " وَلَوْ " سببها أن الكتاب لا يُنـزل في قرطاس كونه يَخرج في ماهيّته عن ماهيّة نشء الوجود المادي ، ولكونه فرعا من الدهر الذي من نور الله عز وجلّ ومن ذاته ، بالإضافة إلى أنه المهيمن على الوجود ، وقوله تعالى " وَلَوْ نَزَّلْنَا " ، بمعنى أن لو حدث مثل ذلك ... جدلا ً!! وأنزل الله عز وجلّ الكتاب في قرطاس " فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ ( مجازاً ) لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ " ، وهذا بيان آخر يُظهر أن الكتاب على غير ما يراد له أن يكون ، وأن نزوله في قرطاس كما يتنـزّل القرآن الكريم يتنافى وماهيته ، لذا نستنتج أن السبب من استنكار المجرمين وترجيحهم له أنه سيكون سحراً في حال نزوله كهيئة القرطاس ( جدلاً ) ، ناتج عن إدراكهم يقينا بعدم تماثل ماهيّة الكتاب وذاك الحدث ، فإن كان طلبهم يقتصر على أن يُنـزل القرآن كنُزول ألواح موسى عليه السلام مثلاً ، فَلِمَ عجبهم إذاً أن يكون سحرا ؟ .

" حم ( 1 ) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ( 2 ) كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ " ( 3 ) فصلت .

تُبين الآيات الكريمة في بادئها من خاصيَّة الكتاب بقوله تعالى " تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم " كإشارة للكتاب ، وعلى أنه مُنـزل من الله عز وجلّ ، ثم تُبين الآية التي تلتها عن الكتاب في قوله تعالى " كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُه " ، بمعنى أن الله عز وجلّ بيّن للناس عن آيات الكتاب وكشف عن معجزاته " قُرْآنًا " في القرآن الكريم " عَرَبِيًّا " بلغة العرب ، وعلى لسان رسوله مُحمد صلّى الله عليه وسلّم ولسان قومه " لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ " يفقهون قول الله عز وجلّ وما بُيّن في القرآن عن الكتاب ، بمعنى أن القرآن الكريم يُفصل بِلُغة العرب ويكشف عن معجزات الكتاب " كِتَابٌ فُصِّلَتْ ( بُينت ) آيَاتُهُ ( معجزاته في ) قُرْآنًا عَرَبِيًّا " ، كقوله تعالى " إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ " ( 2 ) يوسف ، ذلك أن الله عز وجلّ أنزل القرآن بلسان العرب ، وبيّن فيه آيات الكتاب كما بينها من قبل لرسُل آخرين وعلى لسان قومهم بتعدد أجناسهم وأعراقهم من إنس وجان لقوله تعالى " كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ ( كتاب موحد لجميع الرسل ) ِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ " ( 213 ) البقرة ، بمعنى أن الله عز وجلّ أرسل الرسُل من قبل محذرين ومنذرين الناس من إنس وجان عن ماهيّة الكتاب وأثره عليهم قبل نزول القرآن ، وما القرآن أو الفرقان أو التوراة أو الإنجيل إلا لتكشف عن بعض آيات الكتاب وتُنذر الناس عن ماهيّته وما يستنسخ عليهم في حياتهم الدنيا .

" نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ " ( 3 ) آل عمران .

مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ : الكتاب " مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْه " أي يدي رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من القرآن ، كما صدّق من قبل على ما سبق من التوراة والإنجيل .

" وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ " ( 48 ) آل عمران .

يُبشر الله عز وجلّ في الآية الكريمة مريم ابنة عمران كرم الله وجهها عن نِعَمه جلّ شأنه عليها وعلى ابنها عيسى عليه السلام بقوله تعالى " وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ " وهو عِلم مخصص للأنبياء والرسُل كما هو بيّن في الآيات ذات العلاقة ، أمّا كلمة " الْكِتَابَ " الوارد ذكرها فبها تخصيص في معناها لما ورد في بقية الآية الكريمة من علم التوراة والإنجيل ، بمعنى أن الكتاب المشار إليه مختلف في الماهيّة والأهمية عن علوم الدين .

" وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ " ( 53 ) البقرة .

" وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ " ( 87 ) البقرة .

نستنتج من الآيات الكريمة وغيرها ذات العلاقة ، أن علوم الكتاب قد سبق نزولها من قبل على جميع الأنبياء والمرسلين كلٍ بنصيب مُختلف عن الآخر من قبل أن تُنـزل على مُحمد صلّى الله عليه وسلّم ، كما نستنتج أن معظم الآيات الكريمة التي وردت في القرآن الكريم تربط على الدوام بين الكتاب والحكمة وبين تكاليف الرُسل كقوله تعالى " وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ " ( 48 ) آل عمران ، بمعنى أن علوم الكتاب قد خُصصت للأنبياء والمرسلين دون بقّية الناس ، وبالمثل نجد أن السبب في توحد الدين عند الله عز وجلّ في جميع السماوات وجميع الأراضي ، يعود إلى سبب توحد ماهيّة النشء وهيئته المقررة في كتاب الله ، وإلى ثباتها في فطرتها التي فطرها الله عز وجلّ عليها بما هو ينفع الناس وهم على هيئة الزوج المُركب في نشء الحياة الدنيا لقوله تعالى " إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ ( في جميع العصور والأزمنة ) وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ " ( 19 ) آل عمران ، وبذلك يتحدد السبب في اختلاف المعتقدات بين الناس إلى ما كتب الناس بأيديهم بعد أن تبدّل ما جاءهم من الله عز وجلّ لقوله تعالى " مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ " ( 40 ) يوسف .

" حم ( 1 ) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ ( 2 ) إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ( 3 ) وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ " ( 4 ) الزخرف .

وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ : قسم من الله عز وجلّ على حقيقة الكتاب وعلى وجوده المستتر عن الناس وهم في نشء زوج الحياة الدنيا .

إِنَّا جَعَلْنَاهُ : بمعنى أن الله عز وجلّ قدر بمشيئته وشاء أن يبيّن للناس عن بعض ماهيّته .

قُرْآنًا عَرَبِيًّا : فيما شاء أن يُنـزل من قرآن على مُحمد صلّى الله عليه وسلّم وبلغة العرب .

لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ : تساؤل ؟ في كلمة " لَعَلَّكُمْ " من الله عز وجلّ فيما إذا كان العرب سيدركون شيئا من علوم الكتاب التي فُسرت على لغتهم في القرآن الكريم أم لا ؟ .

يتلخص المعنى في قوله تعالى من الآيات السابقة ، أن الله عز وجلّ كشف للناس في القرآن الكريم وبلغة العرب عن بعض من معجزات الكتاب ، كالتي بَيّن منها قبل ذلك في التوراة والإنجيل بألسِنة مختلفة ، لغرض أن يُنذر الناس من أهميّة الكتاب وأثره عليهم وهم في نشء زوج الحياة الدنيا ومن ثم تقرير مصيرهم في الدار الآخرة لقوله تعالى " لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَاب ( بحال الفرد ) وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ … " ( 177 ) البقرة ، لنجد أن الكتاب الوارد ذكره في الآية الكريمة موحد بين جميع الأنبياء وأنه غير مُتعدد ، وقوله تعالى " وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ " ، بمعنى أن ما تم بيانه من آيات عن الكتاب في القرآن الكريم ، إنما جزء ضئيل من خصائصه وماهيّته ومصدره المشار إليه في الآية الكريمة على أنه " أُمِّ الْكِتَابِ " كقوله تعالى " هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبَابِ " ( 7 ) آل عمران ، أو كقوله تعالى " يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ " ( 39 ) الرعد ، ومن ذلك نستنتج أن الآيات المحسوسة من الكتاب وما بُيّن منها في القرآن الكريم إنما على قدر ضئيل من " أُمُّ الْكِتَاب ِ" أي أصل الكتاب كي نستدل منها على وجوده .

" حم ( 1 ) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ ( 2 ) إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ " ( 3 ) الدخان .

تُبين الآيات الكريمة من صفات الكتاب بقوله تعالى " وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ " بوضع القسم من الله عز وجلّ على وجود الكتاب وعلى حقيقته ومعجزاته المختلفة التي كُشف عن بعضها في آيات مُتعددة من القرآن الكريم ، وقوله تعالى " إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ " لبيان أن الله عز وجلّ قد نَزل الكتاب في ليلة واحدة دون تجزئه ساعة أن خلق السماوات والأرض على خلاف من القرآن الكريم الذي دام نزوله قرابة ثلاثة وعشرين عاماً ، وقوله تعالى " إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ " ، بمعنى أن الله عز وجلّ يُنذر الناس ويحذرهم عن ماهيّة الكتاب ، وذلك بالكشف لهم عن بعض من قدراته وما له من أهمية وتأثير عليهم في حياتهم الدنيا وفي حسابهم كقوله تعالى " هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ " ( 29 ) الجاثية ، ومن ثم نشوء الحياة الآخرة .

" وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ " ( 145 ) عمران .

كِتَابًا مُؤَجَّلًا : البيّن من الآية الكريمة أن كلمة " كِتَابًا " تعني حدث محدد في المكان والزمان من مجمل الدهر المؤثر على وجود الكون بدءاً من نشوئه إلى أن تقوم الساعة وتصرف مادته ، لذا فكلمة " الكِتَاب " الوارد ذكرها في الآية الكريمة تخص جزءًا زمنيا محدداً من مجمل الدهر قُدر فيه زمن بدء الحدث ونوعه ومكانه وزمن نهايته ، بالإضافة لكونه فصلاً زمنياً يستنسخ الله عز وجلّ فيه أحداث المادة من أصل الدهر المهيمن عليها في الوجود الدنيوي .

" وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ " ( 6 ) هود .

وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ : تشمل كلمة " دَابَّة " في معناها جميع الناس من إنس وجان وكافة الكائنات الحيّة ، وكل ما يدب على الأرض أو يتحرك عليها .

وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا : ما تسكن إليه الأنفس من زوجها المُركب في نشء الحياة الدنيا ، أو المكان الذي تستقر إليه الأنفس من زوجها المُركب والتي لا تتغيّر عنه من تلقاء نفسها أو تنتقل منه بإرادتها لمكان آخر كقوله تعالى " وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ " ( 98 ) الأنعام ، ذلك أن الله عز وجلّ أنشأ الناس جميعا من إنس وجان موحدين بينهم في ماهية الأنفس التي من خلق السماء العُلا ( اقرأ باب الزوج ) ، أمّا عن سبب تقديم كلمة الرزق على كلمة المستقر أو المستودع ، فيعود إلى أن خلق الأرزاق في جميع الأراضي قد سبق خلق الناس والدّابة عليها ، بمعنى أن الله عز وجلّ قدر الأقوات في جميع الأراضي أولاً ، ثم استوى إلى السماء فقسمها إلى سبع مجموعات قبل أن يَخلق الحياة لقوله تعالى " هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ " ( 29 ) البقرة ، ثم خلق من بعد ذلك لكل نفس زوجها المُركب لتستقر إليه وهي على نشء الحياة الدنيا إلى أن يشاء الله عز وجلّ فيقضي عليه الموت ( تتفكك مركبات الزوج ) ، لتبقى من بعده الأنفس في كتاب الله عز وجلّ إلى يوم البعث .

وَمُسْتَوْدَعَهَا : هو المكان الذي ستنتهي إليه الأنفس من كتاب الله عز وجلّ إلى يوم بعثها بعد تخليها عن زوجها المُركب الذي كانت تسكنه في نشء الحياة الدنيا ، وبذلك يصبح الفرق بين كلمتي المستقر والمستودع هو أن الكلمة الأولى تخص مكان الأنفس من نشء الزوج المُركب في خلق الأرض ، أمّا الثانية فتخص مكان الأنفس ساعة أن تكون بحال البرزخ وهي مجردة من زوجها الذي كانت عليه في الحياة الدنيا ، أو المرحلة التي يحتويها الله عز وجلّ في الكتاب خارج نطاق الزمان والمكان بعد تخليّها عن نشئها المُركب إلى يوم البعث .

كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ : بمعنى أن جميع ما سبق بيانه في الآية الكريمة من أحداث إنما هي مقررة ومقدرة في كتاب الله من قبل خلق الدّابة إلى أن تموت وتبعث تارة أخرى .

 
" وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ " ( 38 ) الرعد .

الأجل : لحظة استحقاق الحدث المقرر في كتاب الله عز وجلّ ، أو ساعة الموت كقوله تعالى : وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ( 11 ) المنافقون : أو كقوله تعالى " وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ " ( 61 ) النحل .

كِتَاب : الكتاب يحدد فيه نوع ومكان وزمان الحدث من مجمل الدهر ، ويشمل ذلك كل ما في السماوات وما في الأراضي من مادة أو من خلق حيّ على هيئة الدّابة .

" يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ " ( 39 ) الرعد .

يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ : يصرف الله عز وجلّ عن عباده المؤمنين ما يشاء من السيئات المقررة عليهم في حياتهم الدنيا ، كما يصرف عنهم ما يشاء من أعمالهم السوء المستنسخة عليهم في الكتاب ، ويُثبِت على من شقوا في حياتهم الدنيا ويوم الحساب لقوله تعالى " وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا " ( 49 ) الكهف .

وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ : أي أصل الكتاب ومصدره متمثلاً في الدهر الذي من ذات الله عز وجلّ ، ذلك أن الكتاب لديه القدرة على أن يستنسخ أحوال المادة أيا كان نوعها ساعة وقوع الحدث من مجمل الدهر المسيطر على الوجود الذي من ذات الله عز وجلّ ، ثم لتبقى تلك النسخة الزمنية أصلاً عن المادة وعن أحداثها في كتاب الله عز وجلّ لتعرض على أصحابها كشاهد ودليل إثبات على جرمهم يوم الحساب ، وبالمثل فالذي عنده أصل الكتاب ومصدره هو القادر بالتالي على أن يمحو منه ما يشاء بمغفرته ، أو أن يُثبِت منه على من يشاء .

" وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ " ( 43 ) الرعد .

وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ : أي من يملك شأن الكتاب وما يخصّ علمه الذي لا يعلم عنه أحد من خلقه ، وقوله تعالى " وَمَنْ عِنْدَهُ " أي من لديه القدرة ، أو القاهر فوقه ، أمّا الآيات الكريمة التالية فتبيّن معنى " مَنْ عِنْدَه " وذلك للأهمية .

" فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ " ( 52 ) المائدة .

مِنْ عِنْدِهِ : بمعنى كل ما هو من خاصيَّة الله عز وجلّ في الملك والمشيئة والتدبير .

" قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ " ( 52 ) التوبة .

مِنْ عِنْدِهِ : بمعنى من خاصيَّة الله عز وجلّ في الملك والمشيئة والتدبير .

" قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ " ( 28 ) هود .

مِنْ عِنْدِهِ : بمعنى من خاصيَّة الله عز وجلّ في الملك والمشيئة والتدبير .

" وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ " ( 19 ) الأنبياء .

وَمَنْ عِنْدَهُ : كل ما هو من خاصيَّة الله عز وجلّ في الملك والمشيئة والتدبير .

" وَقَالَ مُوسَى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ " ( 37 ) القصص .

مِنْ عِنْدِهِ : كل ما هو من خاصيَّة الله عز وجلّ في الملك والمشيئة والتدبير .

نستنتج مما سبق من آيات بيّنات أن الآية الكريمة الأولى من سورة الرعد تُظهر العلاقة بين ذات الله عز وجلّ وبين الكتاب ، كما تُبين علاقة الكتاب بالشهادة على الناس يوم الحساب ، ويعود السبب في ذلك إلى أن الكتاب يستنسخ أعمال الناس من إنس وجان وهم في نشء زوج الحياة الدنيا وعلى نفس ماهيّة الجسد من حيث زمان ومكان وقوع الحدث ، ثم تُحفظ في الكتاب لتكون شاهداً مُحضراً عليهم يوم حسابهم ، بمعنى أن الله عز وجلّ يُعيد ( إعادة الزمن إلى الوراء إن جاز التعبير ) أعمال الناس من حيث الزمان والمكان إلى ساعة وقوع الجرم أول مرّة لكي يري الناس أعمالهم بأعينهم ، ثُم ليُحاسبهم عليها كقوله تعالى " هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ " ( 29 ) الجاثية ، وبذلك يصبح الكتاب في مكان الأداة التي يستنسخ الله عز وجلّ بها على الناس سيئاتهم وهم في نشء حياتهم الدنيا ، ثُم يعرضها لتكون شاهداً عليهم كيوم حدوثها .

" الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ " ( 1 ) الحجر .

آيَاتُ الْكِتَابِ : تعني معجزاته وعلاقتها بالبينات التي أنزلها الله عز وجلّ في القرآن الكريم التي يَظهر من خلالها وجود الكتاب كونه مستتراً في ماهيّته ، ولبيان إعجاز الخالق جلّ شأنه في وضعه لسنّة الكتاب كأساس راسخ يقوم عليه نشوء الوجود ، بمعنى أن الكتاب مُحدد فيه كل أحداث الوجود بالإضافة إلى ما قُدر على الناس وعلى المادة أيا كانت حالاتها في نشوئها الدنيوي ، لذا فالآية الكريمة تُشير لمعجزات " الْكِتَابِ " وتكشف عن خصائصها ، كما أنها تُميز بين معجزات الكتاب وبين ماهيّته كونه لا يرى ، وقوله تعالى " وَقُرْآنٍ مُبِينٍ " بمعنى أن الله عز وجلّ يُبيّن للناس في القرآن الكريم عن معجزات الكتاب المتعددة التي من أهمها قدرته على استنساخ أعمال الناس وهم في نشء الحياة الدنيا ، ثُم يُبيّن قدرته جلّ شأنه على عرضها عليهم يوم الحساب .

" وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ " ( 4 ) الحِجر .

كِتَابٌ مَعْلُومٌ : أي قضاء مُقرر بمشيئة الله عز وجلّ من حيث النوع والزمان والمكان قبل وقوعه ، كذلك فالكتاب مُستنسِخ للمادة بالإضافة إلى أنه يسجل جرم الناس إلى يوم الحساب .

" مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ " ( 5 ) الحِجر .

تُكمل الآية الكريمة على ما قبلها ببيان بعض من صفات الكتاب وما سُجل فيه من أقدار لمجمل الأحداث التي تصيب الناس وذلك بتحديد أصحاب الحدث وزمن وقوعه عليهم ونوعه ومكانه من مجمل الدهر ، بمعنى أن الله عز وجلّ حدد في كتابه نوع الأجل وبدايته ومكانه ونهايته من مجمل الزمن الكوني لنشوء الوجود الدنيوي ، وتلك مدّة مُقررة لا تتغيّر كونها ثابتة بمشيئة الله عز وجلّ في الكتاب ساعة أن خلق السماوات والأرض .

" وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا " ( 49 ) الكهف .

وَوُضِعَ الْكِتَابُ : من أهم الأحداث تأثيراً على الناس بعد بعثهم يوم الحساب هو حدث رؤيتهم لذات لله عز وجلّ عيانا ، بالإضافة إلى الكشف لهم عن ماهيّة الكتاب ، وقوله تعالى " وَوُضِعَ الْكِتَابُ " ، بمعنى كُشف للناس عن ماهيّته وما استنسخ عليهم من أعمال سوء في نشء حياتهم الدنيا ، ومن ثُم البدء في حسابهم كقوله تعالى " لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ " ( 22 ) ق ، أمّا الغطاء الوارد ذكره في الآية الكريمة فهو ناتج عن تأثير غشاوة نشئهم الذي كانوا عليه كهيئة زوج مُركب في خلق الحياة الدنيا ، والذي من خصائصه أن مكوناته تتغشى بعضها بعضا ، كما أن السبب في زوال غشاوة نشء الزوج في الحياة الدنيا يعود لسبب موت ذلك الزوج وما ينتج عنه من تفرق لمكوناته الثلاثة المتمثلة في النفس والروح والجسد .

فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ : يومئذ يرى الناس حال المجرمين وهم فزعون خوفاً وهلعاً ممّا استنسخ عليهم الكتاب من أعمالهم السوء ساعة أن كانوا في نشء حياتهم الدنيا ، عندها يرى المجرمون أعمالهم بأعينهم لحظة عرضها مُستنسخة عليهم وهي حقيقة مطلقة وبنفس مادة أجسادهم ساعة وقوع الجرم وليس تشبيها لها كالصورة مثلاً ، بمعنى أن الكتاب يُعيد الحدث إلى مكان وزمان الجرم ( عودة بالزمن إلى لحظة وقوع الجرم !! ) ، لينظروا إلى أعمالهم السوء كواقع حال وليس تشبيهاً لها .

وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا : يا ندمنا وحسرتنا ، ويا هلاكنا على ما فعلنا .

مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا : تصور الآية الكريمة عجب المجرمين من قدرة الكتاب حين يتساءلون بينهم عمّا استنسخ عليهم الكتاب من أعمالهم السوء في حياتهم الدنيا .

وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا : تيقنوا ساعتها من قدرة الكتاب حين شاهدوا أعمالهم السوء حاضرة أمامهم كما هي ساعة وقوعها وهي نسخة أصيلة من الحدث ، بمعنى أن الله عز وجلّ يستنسخ في الكتاب أعمال الناس السوء من مكان وزمان وأصل المادة لحظة وقوع الحدث وهم في نشء الحياة الدنيا ، ثُم يعرضها عليهم يوم الحساب ليرونها بذات المادة الجسدية التي كانوا عليها في ارتكاب الجرم ، وكأن الله عز وجلّ يعيد المستنسخ الذي سُجل في الكتاب لنفس مكان وزمان وقوع الجرم .

وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا : إن ما سبق بيانه في الآية الكريمة عن قدرة الكتاب في استنساخ مجمل الأحداث لكل ما يقع على نشء الحياة الدنيا ومن مادة ، لهو برهان من الخالق جلّ شأنه لخلقه ، وبيان على كمال عدله يوم الحساب القائم على الكتاب ، ذلك أن العدل الإلهي لا يقوم على فرضيات قد تحتمل الصواب أو الخطأ ، إنما يقوم عدله جلّ شأنه على حقيقة الحق المتمثلة في ذات الكتاب ، وفيما أخبرنا الله عز وجلّ في القرآن الكريم وكشف لنا عن ماهيّته ، فبالكتاب يُذكر الله عز وجلّ المجرمين ما نسوا من أعمالهم السوء في حياتهم الدنيا ، كما يكشف لهم علاقة الكتاب بالدهر ، وعلاقة الدهر بذات الله عز وجلّ ، وبذلك نستنتج أن الكتاب آية عظيمة وشاهد يقين وأداة إثبات للناس عن قدرة الله عز وجلّ وعلى يسر علمه جلّ شأنه بمحدثات الكون متمثلةً في أصغر حالات المادة ، وبالكتاب يتحقق العدل الربّاني الذي لا يأتي الباطل بين يديه .

" أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ " ( 70 ) الحج .

أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ : تساؤل يضَعه الله عز وجلّ في الآية الكريمة بقوله تعالى " ألم تعلم " تمهيدا للرد على الكيفية التي تُسجل عليها أحداث الكون والحياة الدنيا ، وبيان للناس عن السبب في سهولة علمه جلّ شأنه لها ، وذلك بسنّه للكتاب كأساس راسخ لنشوء الكون ولمحدثاته ، ولقدرته على استنساخ مختلف الأحداث من مجمل الدهر الدنيوي .

إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ : بمعنى أن جميع الأحداث التي ورد ذكرها في الآية الكريمة مستنسخة في كتاب الله عز وجلّ ، لذا فالكتاب يقوم مقام الناسخ من مجمل الدهر الذي يحوي في سجله محدثات المادة وهي على ماهيّة النشء الأول بما فيها مُجمل الكون منذ نشوئه إلى أن يزول بقيام الساعة ، وبما أن الكتاب جزء مقرر ومحدد المكان من مجمل الدهر ، وكون أن الدهر هو الأصل في نشوء المادة والفاعل على بقائها ، وبما أن الدهر من ذات الله عز وجلّ ، لذا يُبيّن الله عز وجلّ في مثل تلك الآيات الكريمة ليُظهر سهولة ويسر علمه جلّ شأنه لجميع محدثات الكون الدنيوي .

إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ : بما أن الله عز وجلّ قد بيّن في القرآن الكريم عن كيفية علمه سبحانه وتعالى بمحدثات الكون في الآيات السابقة من خلال الكشف عن بعض آيات الكتاب وعن ماهيّته الثابتة في خلق الوجود ، وعلاقة ذلك في بيان قُدرة الله عز وجلّ وإحاطته الشاملة لأحداث الوجود بسهولة ويسر دون عناء كقوله تعالى " إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ " ، لذا يَمّن الله عز وجلّ على الناس بعد أن بين لهم عن ماهيّة الكتاب وعلاقته بعلمه جلّ شأنه لمحدثات الكون ، حتى لا يكون للناس على الله من حرج في معرفة ماهيّة قدرة الله عز وجلّ التي تحيط بكل شيء علماً .

" وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ " ( 59 ) الأنعام .

تُبين الآية الكريمة وتعدد من المحدثات الدنيوية ، كما تربط بينها وبين علم الله عز وجلّ وما للكتاب من قدرة على استنساخها وحفظه لها كقوله تعالى " وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ " بمعنى أن الكتاب يحيط بأحداث الكون المختلفة ويشملها جميعها أيا كانت ماهيتها وتعددها ، وبالمثل بيّن الله عز وجلّ في آيات كريمة سابقة عن ماهيّة الكتاب وأوضح أنه جزء زمني من الدهر مُخصص لاستنساخ أحداث المادة وذلك بتحديد ماهيتها ومكانها وزمان حدوثها ، وعلى أن الدهر من ذات الله عز وجلّ .

" إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَات وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ وَقَاتِلُواْ الْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَآفَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ " ( 36 ) التوبة .

تُبين الآية الكريمة وتكشف عن خاصيَّة هامة من خصائص الكتاب كما تربط بينه وبين نشوء السماوات والأرض وخلق الحياة ، ذلك أن الله عز وجلّ قسم بمشيئته الشهور والسنين في الكتاب ساعة أن قَدر جلّ شأنه خلق الوجود القائم ، بمعنى أن زمان نشوء الكون وفطرته ، وفصوله ، ومكانه ، وأحداثه بكافة أشكالها وأنواعها قد سبق تقريرها في كتاب الله عز وجلّ من قبل أن يخلق الله السماوات والأرض .

" وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِن قُرْآنٍ وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاء وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ " ( 61 ) يونس .

تُعدد الآية الكريمة من خواص الكتاب وعلاقته بمحدثات الحياة الدنيا ، كما تكشف عن تلازم تلك الأحداث بعلم الله عز وجلّ وبإحاطته لها ، ويعود السبب في ذلك إلى أن الكتاب جزء محدد من الدهر الذي يستنسخ كل ما تؤول إليه المادة أيا كانت هيأتها في فترة وجودها الدنيوي وإلى أن يأذن الله عز وجلّ لها أن تُصرف ، فتنصرف وتزول بما في ذلك أجساد الناس المخلّقة من مادة الأرض ، لذا فالكتاب يستنسخ أفعال الناس بنسخ مادة أجسادهم لحظة وقوع الجرم ليعرضها عليهم يوم الحساب فيرى كل مُجرم عمله ساعة حدوثه .

" وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلاَّ لِأَجَلٍ مَّعْدُودٍ " ( 104 ) هود .

لأجل معدود : بمعنى أن الحساب والموت والأقدار بأنواعها وأشكالها مُحددة على الناس في كتاب الله عز وجلّ من قبل أن تصيبهم وذلك بتحديد ماهيتها وزمانها ومكان حدوثها من قبل أن يخلق الله عز وجلّ السماوات والأرض ، لذا فالقدر محدد ولا يمكن تأخيره أو تقديمه لسبب ثباته من موقعه ضمن مجمل الدهر ، وبالمثل بيّن الله عز وجلّ في الآية الكريمة ، أن تسلسل الأحداث في الوجود ليست ناتجة عن تقديم أو تأخير بعضها عن الأخرى مثلاً ، إنما لسبب ارتباط تواترها من موقعها المقرر ضمن مجمل الدهر .

" وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا " ( 4 ) الإسراء .

تُبين الآية الكريمة أن الله عز وجلّ قد حدد فساد بني إسرائيل في الأرض بتقريره جلّ شأنه في مكان وزمان ونوع الحدث المقدّر في الكتاب كتحديده لعلوّهم من قبل أن يَخلق الله عز وجلّ السماوات والأرض ، كما أن كلمة " فِي الْأَرْض " تُشير إلى أن الفساد المشار إليه سيكون شاملاً يعمّ كافة أرجاء الأرض التي نحيا عليها من حيث لا ينجو منه أحد ، وقوله تعالى " لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ " به تحديد يُشير إلى حدثيّ الحرب العالمية الأولى والثانية ، وقد أكد العلماء أن لا ثالثة بعدهما ! .

" وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا " ( 13 ) الإسراء .

تُصور كلمة " طَائِرَه " الوارد ذكرها في الآية الكريمة أعمال الناس السوء وهم في نشء زوج الحياة الدنيا ، وقوله تعالى " أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ " لبيان تلازم الجرم بصاحبه يوم الحساب كلزوم القلادة إلى العُنق ، وقوله تعالى " وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا " به بيان آخر يَظهر فيه أن الله عز وجلّ يستنسخ على الناس أعمالهم في الكتاب لحظة حدوثها وهم في نشء زوج الحياة الدنيا ، كما أن الكتاب يحدد كل عمل من صاحبه بصورة مستقلة ، ثُم يعرض كل عمل والشخص المستنسخ عليه ليكون عليه شهيدا .

" اقْرَأْ كَتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا " ( 14 ) الإسراء .

تُبين الآية الكريمة ، أن الله عز وجلّ يأمر الناس يوم الحساب أن يروا أعمالهم مستنسخة عليهم في الكتاب لتكون عليهم شهيدا ، ويعود السبب في ذلك إلى أن كلمة " اقْرَأ " الوارد ذكرها في الآية الكريمة لا تعني ما اعتاد الناس عليه من معنى لقراءة الخط المنسوخ على الورق أو القرطاس ، إنما تعني ... انظر !! لترى أعمالك بنفسك كيوم حدوثها مستنسخة عليك في كتاب الله عز وجلّ ، ومن ذلك نستنتج أن الناس لا يقرؤون أعمالهم ساعة حسابهم كما يُقرأ الخط من القرطاس ، إنما يرونها وهي مُحضرة أمامهم بذات الجسد ساعة وقوع الجرم وليس الجسد الذي ماتوا عليه ، وبالمثل نستنتج أن الأمر الإلهي للرسُول محمد صلّى الله عليه وسلّم في سورة العلق المتمثل في قوله تعالى " اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ " ، ليس به جهالة في التكليف كون أن مُحمداً صلّى الله عليه وسلّم لا يعرف القراءة ولا الكتابة بالمفهوم الذي تعارفنا عليه لكلمة " اقْرَأ " ، كما أن مُحمداً صلّى الله عليه وسلّم لم يكن عنده تلك الساعة من قرآن أو قرطاس كي يقرأ منه وهو في الكهف وإن كان قارئا !! ، بالإضافة إلى أن مُحمداً صلّى الله عليه وسلّم لم ينتهِ بعد نزول الوحي إليه إلى تعلم القراءة ولا الكتابة !! ، لذا فالأمر الإلهي ينتهي في معناه إلى تكليف الرسول مُحمد صلّى الله عليه وسلّم بالنظر " اقْرَأ " والبحث والتأمل في عموم خلق الحياة الدنيا ، بالإضافة إلى ما منّ الله عز وجلّ على الناس من نعمة التعلم وكسب المعرفة بفضل القلم التي يمتاز بها الناس عن بقيّة خلق الدّابة ، ولولا تلك النعمة العظيمة في فطرة الناس على استخدام القلم ، لما ارتقوا في معارفهم عن الدواب ولما تقدموا أبدا ..... ، لذا فقوله تعالى في الآية الكريمة " اقْرَأْ كَتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا " ( 14 ) الإسراء ، بمعنى انظر لترى أعمالك السيئة وهي محضرةً كشاهد عليك ، وقوله تعالى " فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ " ( 19 ) الحاقة ، أي انظروا لتروا نتيجة عملي الصالح كإشارة إلى سعادته ، وقوله تعالى " فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ " ( 18 ) القيامة ، بمعني إذا تلقيت القرآن من الوحي يا مُحمد ، فاستمع إليه واتبعه وتمسك بتعاليمه وأسمِعه للآخرين ، لسبب أن الوحي لا يُنـزلّ القرآن على مُحمد صلّى الله عليه وسلّم في قرطاس أو في صحف ، إنما يسمعه لفظاً كما كُلَّف أن يوحي إليه من القرآن .

" قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى ( 51 ) قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى " ( 52 ) طه .

تكشف الآيات الكريمة عن الكتاب وعن ما قام عليه من نسخ لأحداث الأمم السابقة منذ بدء خلق الناس " الْقُرُونِ الْأُولَى " ، وعلاقة الكتاب بعلم الله عز وجلّ عنها ، فبالكتاب " لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى " ، لسبب أن الكتاب مستنسخ أصيل للمادة في المكان والزمان من أصل الدهر ، وأن الدهر من ذات الله عز جلّ .

" وَلَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ " ( 62 ) المؤمنون .

وَلَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا : التكليف الرباني يتمثل في التشريعات والفرائض المختلفة الواجب على الناس إتباعها وهم على هيئة الزوج المُركب في نشء الحياة الدنيا ، أمّا كلمة " وَلَا " فتعني أن الله عز وجلّ لا يُحاسب الأنفس في تكليفها إلا على درجة صلاح زوجها التي هي عليه في نشء الحياة الدنيا ، مستثنيا منها كل ذات عذر ودرجة إعاقتها في نشء زوجها التي هي عليه ، لذا فمعيار الحساب عند الله عز وجلّ عن أعمال الأنفس وما قامت بفعله وهي في نشء زوج الحياة الدنيا مرتبطة في تقيمه وفي درجته نسبةً إلى درجة صلاح زوجها الذي تسكن إليه ، بمعنى أن الجزاء بشقيه من ثواب أومن عقاب عند الله عز وجلّ ليس موحداً في درجته بين الأنفس على نفس الفعل ، إنما تقاس درجة الجرم أو درجة الإحسان بدرجة تأهل الأنفس وهي كهيئة ناس في نشء زوجها الدنيوي ، وبالمثل فكلما كَمل نشئها الدنيوي صلاحاً وخلا من العيوب الظاهرة أو الباطنة ، تغيرت درجة حسابها بشقيه من ثواب أو من عقاب ، ليصبح التقرير في درجة الجرم عند الله عز وجلّ مرتبط ارتباطاً مباشراً بدرجة تأهيل النشء الدنيوي .

وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ : أي شاهد يوم الحساب من الله عز وجل على كل نفس ودرجة تكليفها متمثلاً في كتاب الله عز وجلّ الذي لا يأتي الباطل بين يديه ، أمّا كلمة " يَنْطِق " الوارد ذكرها في الآية الكريمة فبها تصوير لما للكتاب من قدرة على النسخ وكأن ما يراه الناس يوم الحساب حيّ ينطق ويتكلم ، لذا فكلمة " يَنْطِق " ، أو " اقْرَأْ " تخدم نفس المعنى .

وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ : السبب في عدم جواز الظلم مُسبب بماهيّة الكتاب وقدراته كالتي كشف الله عز وجلّ عن بعض منها في القرآن الكريم .

" قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ ( 38 ) قَالَ عِفْريتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ ( 39 ) قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ " ( 40 ) النمل .

حين أمر سليمان عليه السلام جنده أن يأتوه بعرش بلقيس ، تعهد " عِفْريتٌ مِنَ الْجِنِّ " أن يحضره إليه قبل أن ينهض من مقامه الذي يجلس عليه ، بمعنى أن العفريت الأول ربط بين الوقت الذي يلزمه لنقل عرش بلقيس بالوقت الذي يقتضيه سليمان عليه السلام لكي ينهض من مكانه أو لكي يفضّ مجلسه ، وهذا عمل عظيم في درجته يفوق كل ما تعارف عليه الناس من قدرات لنقل عرش بأكمله كعرش بلقيس في زمن قصير جداً لا يتعدى دقائق معدودة ، لكن ذلك التعهد لم يرق لسليمان عليه السلام ، فصرف العفريت ليبحث عمّن أفضل منه قدراً وعلماً ، عندها نهض " الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ " ، وهو علم يفوق علم الأول ( قد يكون علم الأول أيضا من الكتاب لسبب سرعته الغير معهودة ) !!! فقال لسليمان عليه السلام " أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ " فما كان لسليمان عليه السلام إلا أن وجد عرش بلقيس أمامه من قبل أن يجادله ! .

الحقيقة أن من أتى بعرش بلقيس في لحظة زمنية متناهية في الصغر كالتي بينها الله عز وجلّ في القرآن الكريم ، امتاز بقدرة فاقت قدرة الأول يعود سببها لما آتاه الله عز وجلّ من علم الكتاب !، وبذلك مكنه علمه العظيم " عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ " من تنفيذ رغبة سليمان عليه السلام بسرعة ارتضاها ، ومن ذلك نستنتج أن الوسيلة الفاعلة في نقل عرش بلقيس بتلك السرعة المذهلة نتجت عن معرفة عظيمة كان أساسها علم من الكتاب لقوله تعالى " قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَاب " ، كما نستنتج أن السبب في ضآلة الوقت وتناهيه أو ما نتج من سرعة فورية في نقل عرش بلقيس ، يعود إلى خروج الحدث عن وتيرة الزمن التي اعتاد الناس عليها ، ولو تدارسنا أكثر ذلك الحدث لوجدنا أن الذي أتى بعرش بلقيس لم يعمل على سرعة تفوق سرعة الضوء مثلاً ، بل علّه نقل العرش ضمن وتيرة زمنية مختلفة تخص محيطه هو دون غيره ، ويرجع السبب في ذلك الترجيح إلى علمه عن بعض من ماهيّة الزمن " عِلْمٌ مِنَ الْكِتَاب " ، وبما وهبه الله عز وجلّ من قدرة مكنته من السيطرة على تواتر الوقت المحسوس كيفما شاء ، فمكنه ذلك من تخلل فقرة زمنية ضئيلة للغاية من مجمل الدهر ( ثانية واحدة مثلاً ) ، ثُم مدّها لتصبح وكأنها آلاف السنين نسبةً لمحيطه هو دون غيره ، بمعنى أن الزمن بقي ثابتاً على معدله بالنسبة للآخرين ومعهم النبيّ سليمان عليه السلام ولم تتغيّر معاييره ، بينما تخلله هو في بُعد مُختلف ، ليقوم على نقل عرش بلقيس حتى أكمله ، ثُم عاد مرة أخرى ضمن وتيرة الزمن الطبيعي نفسها أو معاييره الخاصة بالآخرين ، لذا ما كان لسليمان عليه السلام ومن معه إلا أن وجدوا العرش أمامهم في طُرفة عين .
 
من الأمثلة الأخرى التي ورد ذكرها في القرآن الكريم عن الاختلاف النسبي بين عامل الزمن وإحساس الناس بالوقت تتلخص في قوله تعالى " وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ " ( 88 ) النمل .

وَتَرَى الْجِبَال : بمعنى حين تنظر أنت وجميع الناس الجبال .

تَحْسَبُهَا جَامِدَةً : تظنّها لا تتحرك ، " تَحْسَبُهَا " تُهيأ إليك ... كونها غير ذلك ! .

وَهِيَ : لكنها في واقع أمرها .

تَمُرُّ مَرَّ السَّحَاب : تتحرك كتحرك السحاب في السماء .

تُبيّن الآية الكريمة في معناها أن الناس حين يرون الجبال يُخيّل إليهم أنها ثابتة في مكانها دون حراك ، وهذا الاستنتاج مقرون بالمدة الزمنيّة التي يقضيها الناس في حياتهم الدنيا نسبةً للمدة التي تقتضيها الجبال في تحركها من مكان إلى آخر ، لكن إذا ما أردنا أن نقوم بتجربة علميّة تهدف إلى إظهار حركة الجبال على نمط تحرك الغيوم في السماء ، يمكننا ساعتها أن نلتقط صورة واحدة في اليوم من فيلم سينمائي لأحد الجبال وبمعدل ثلاثمائة وخمس وستين لقطة في السنة ، ثم نستمر على النمط نفسه لسنوات عديدة ، فإذا ما عُرض الفيلم بعد الانتهاء من تصويره بالسرعة المعتادة للصور المتحركة ، عندها سنرى الجبال تتحرك وكأنها تطفو كما يطفو الخشب على الماء ، بل إذا ما قمنا بخفض وتيرة التصوير أكثر من المعدل السابق ( صورة واحدة في كل شهر مثلاً ! ) وبالتالي أطلنا زمن التصوير لأجيال عدّة ، عندها سنرى أن الجبال تتصرف كتصرف الكائن الحيّ أو الدّابة ، وستبدو أنها تعدو كما يعدو السحاب " وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ " ( 88 ) النمل ، " لَوْ ( بمعنى إن حدث ذلك الأمر!! للدلالة على إمكان حدوثه ) أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ " ( 21 ) الحشر ، وقوله تعالى " أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ ( كلٍ ضمن بعده الزمني ) وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاء " ( 18 ) الحج وقوله تعالى " تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ ( كلٍ ضمن بعده الزمني ) إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَـكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا " ( 44 ) الإسراء ، وبالتالي يمكن الاستنتاج أن الزمن على علاقة نسبيّة بماهيّة الخلق التي هو عليها ( دابَّة أو نبات أو جماد ) ، كما أن عُمر الخلق المفترض قد يكون مرتبطاً إلى حدّ كبير بسرعة حركته .

تبيّنت فيما سبق خصائص أخرى هامة تضيف إلى علوم الكتاب وأهميته ، وما علينا إلا تدارس مواضيعه المختلفة وعلاقتها بالدهر ، وعلاقة الدهر بالمادة ، كي نتمكن من وضع تصوّر أفضل وأشمل عن قدرة الكتاب ، كما نود أن نُبين أن علم الكتاب شأنه عظيم يفوق في درجته جميع أشكال علوم الناس في الوقت الراهن ! ، وهو لا محالة سيكون من أهم علوم المستقبل الذي سيمكن الناس من الوصل إلى نهايات الكون في زمن ضئيل للغاية لقوله تعالى " يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ " ( 33 ) الرحمن .

يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ : مناداة من الله عز وجلّ لجميع الناس من إنس وجان وهم في نشء زوج الحياة الدنيا ( زوج البعث موحد بين الإنس والجان ! ) .

إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ : بمعنى إن شئتم تجاوز الحدود الكونيّة للمجموعات السبع أو تخطي مكان الوجود المادي " السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْض " ، وليس سماء الأرض التي نحيا عليها أو غلافها الجوّي .

فَانْفُذُوا : فستستطيعون ذلك ( قدرة مشروطة للاجتياز ! ) .

لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَان : ولن تتمكنوا من النفاذ إلا بوسيلة تعينكم على تحقيق ذلك العمل .

يكشف الله عز وجلّ في الآية الكريمة عن حدث مهم من أحداث المستقبل ، وذلك بالكشف عن تطور سيحدث في علوم الناس وفي قدراتهم التي ستمكنهم من الوصول إلى نهايات الكون من حيث الإطار المحتوي لمكان الوجود ، لسبب أن كلمة " السَّمَاوَات " الوارد ذكرها في الآية الكريمة بحال الجمع للسماوات السبع ، لذا فهي تشمل في معناها المجموعات الكونية السبع .

المعنى في الآية الكريمة يخدم بيان قدرة الناس على اجتياز " السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْض " أو تخطيهم لمكان المجموعات الكونيّة السبع التي تحتوي كل مجموعة كونية منها على مائة مليار مجرة ، وكل مجرة تحتوي على ما يقارب الثلاثمائة مليار نجم ، بحيث يصبح الأمر من اجتياز تلك المسافات الكونية الهائلة مستحيل التحقيق نسبةً لعلوم عصرنا والمحاولات المتواضعة للوصول بالناس لأقرب الكواكب التابعة لنظامنا الشمسي ، ولسبب تلك المسافات الهائلة في التصوّر يتضح أن " السُلْطَان " أو الشيء الذي سيمكن الناس من الوصول إلى نهايات الكون لا يقتصر على علم المادة أو على نوعيّة المركبة التي سينتقل الناس بها في سفرهم ، إنما سيتمثل الحدث في علم عظيم عن الكتاب الذي من شأنه تقصير زمن تلك الرحلة إلى مدّة تتناسب ودورة حياة الناس !! .

" وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ " ( 3 ) سبأ .

إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ : يكشف الله عز وجلّ في الآية الكريمة عن قدرة الكتاب في احتوائه لأحداث الكون واستنساخه لها إلى حين استحقاق الكشف عنها ، بمعنى أن الكتاب يستنسخ المادة باستنساخ مكان وزمان الحدث من الشيء المفترض أن يُنظر أيا كانت هيئته أو ماهيّته ، ثم تُحفظ نسخته في كتاب الله عز وجلّ إلى أن يشاء جلّ شأنه فيكشف عنها .

" وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ " ( 11 ) فاطر .

تُبين الآية الكريمة صفة جليلة من صفات الكتاب وتظهره على أنه سجل مقدر فيه أحداث الناس من قبل نشئهم إلى أن يقضي عليهم الموت ، كما أنها تكشف علاقة الكتاب وعلم الله عز وجلّ ، ذلك أن الكتاب فرع من الدهر ، وأن الدهر من ذات الله جلّ شأنه لقوله تعالى " إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ " ، بمعنى هيّن غير عسير .

" وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ " ( 69 ) الزمر .

تكشف الآية الكريمة في بادئها بقوله تعالى " وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا " حدثاً من أحداث القيامة كدليل على قيامها وكمال بعث الناس ، كما أن قوله تعالى " وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ " به بيان آخر يُظهر بدء الحساب وتواتر مراحله المتعددة ، وقوله تعالى " وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ " به دالة على كمال الحساب الذي تنتهي عند نهايته أحداث القيامة ، ومن ثم يؤذن بالبدء في تواتر أحداث الساعة ونشوء الدار الآخرة ، أمّا قوله تعالى في الآية الكريمة " وَوُضِعَ الْكِتَابُ " فمعناه أن الله عز وجلّ يكون قد كشف تلك الساعة للأنفس يوم بعثها عن ماهيّة الكتاب وما استنسخ عليها من جرم ، بعد أن زالت عنها غشاوة نشئها في زوج الحياة الدنيا ، وبزوال غشاوة زوجها المُركب وعودة مكوناته إلى سابق عهدها بعد موت الزوج ، تتجلى للأنفس وهي في حال النشء المتجرد عن ماهيّة الكتاب الحق وما استنسخ عليها في نشء الحياة الدنيا لترى كل واحدة عملها مُحضراً أمامها كيوم وقوعه .

وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاء ِ: بالإضافة إلى ما استنسخ الكتاب على الناس في حياتهم الدنيا ، يُحضِر الله عز وجل النبيين ليشهد كل واحد منهم على أمته بتبليغ رسالته إليهم ومعهم الشهداء أو من هم قتلوا في سبيل الله كقوله تعالى " وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَـئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَـئِكَ رَفِيقًا " ( 69 ) النساء ، بمعنى أن الذين يجاء بهم يوم الحساب هم الفئة التي لا تُقبض أنفسهم في الكتاب ساعة موتهم إلى يوم البعث ، وهم الذين يكنون أحياء عند ربهم على هيئة الأنفس بحال النشء المتجرد ويرزقون من رزق السماء العُلا ، ومن ثم ليكونوا شهداء عيانا على حساب الناس ( اقرأ باب الشهداء ) ، كما أن كلمة " الشُّهَدَاء " تشمل في معناها الكتبة الكرام الذين يكتبون ما يلفظ الناس من قول محرم ( الكلام الملفوظ ) في الحياة الدنيا ويسجلونه عليهم ، على خلاف من " الْكِتَاب " الذي يَرى الناس فيه أفعالهم مستنسخة عليهم من الحدث المادي لأجسادهم دون اللفظ كونه لا يرى كي ينسخ .

وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ : وبكمال الموازين القسط السابقة الذكر وبيان أحكامها للناس قبل موتهم ، والكشف عن ماهيتها يوم الحساب التي من أهمها " الْكِتَاب " ، عندها يكتمل قضاء الله عز وجل وعدله بين الناس ، لتبدأ من بعد ذلك مراحل نشوء دار الجزاء ، أمّا الذين لم تصل إليهم الرُسُل فهم غير مساءلين عن أعمالهم لقوله تعالى " مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا " ( 15 ) الإسراء .

" اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ " ( 17 ) الشورى .

تُبين الآية الكريمة أن الله عز وجلّ " أَنْزَلَ الْكِتَاب " الذي لا يأتيه الباطل ليكون راسخا في نشوء الدار الأولى ، وليكون قائماً في ماهيّته على العدل والميزان بين الناس ، وبالكتاب يستقيم الوجود بما فيه من سماوات وأرض إلى أن تقوم الساعة ، أمّا ذات " الْكِتَاب " فهو فرع من الدهر الذي يقوم على احتواء المادة في الوجود بالصورة التي هي عليها الآن ، لذا فالآية الكريمة تُبين للناس عن " الْكِتَاب " وقرب تجليه لهم يوم الحساب .

" هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ " ( 29 ) الجاثية .

وردت كلمة " الْكِتَابَ " في القرآن الكريم على الدوام تحت اسم الإشارة إلى الغائب كقوله تعالى " ذَلِكَ الْكِتَاب " لسبب أنه مستتر من حيث لا يستطيع الناس إدراك ماهيّته وهم على نشئهم المُركب في الحياة الدنيا كونه يتغشى بعضه بعضا ( اقرأ باب الزوج ) ، أمّا الآية الكريمة موضوع البحث فبها إشارة مباشرة إلى الكتاب بحال الحاضر المستمر في قوله تعالى " هَذَا كِتَابُنَا " ، ويعود السبب في ذلك إلى أن الحدث المشار إليه قد أصبح من أحداث يوم البعث كما هو بيّن في الآية الكريمة والآيات ذات العلاقة التي منها قوله تعالى " وَوُضِعَ الْكِتَابُ " ، بمعنى كُشف عن ماهيّته وتجلّت حقيقته المستترة ليصبح منظورا للأنفس بعد زوال غشاوة زوج الحياة الدنيا عنها ، لذا نستنتج أن السبب في الإشارة المباشرة إلى الكتاب يوم البعث بالحاضر المستمر يعود إلى أنه أصبح مرئياً تلك الساعة ولم يعد مستتراً ، كما أن الآية الكريمة تخدم بيان بعض من خصائص الكتاب ووظائفه في قوله تعالى " هذا كتابنا " للدلالة على أن الكتاب المشار إليه أصبح مرئياً ، وقوله تعالى " كتابنا " يخدم إظهار خاصيَّة الكتاب وعلاقته بذات الله عز وجلّ وعلى أنه من نوره جلّ شأنه ، أمّا وظيفته فتدل الآية الكريمة على أن الله عز وجلّ يستنسخ بالكتاب أعمال الناس دون أقوالهم لتُعرض عليهم يوم الحساب كقوله تعالى " إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ " ، وهذا الاستنساخ أصيل من المادة المكونة للجسد لحظة وقوع الجرم ، وليس تشبيهاً في تصوير الحدوث .

" قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ " ( 4 ) ق .

تُبين الآية الكريمة خاصيَّة أخرى عن الكتاب وعلاقته بالناس وأعدادهم وأعمالهم في الحياة الدنيا ، كما تربط بين تلك الأحداث والكتاب ، وعلاقة الكتاب بعلم الله عز وجلّ وماهيّة حفظه لمحدثاتها .

" مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ " ( 22 ) الحديد .

تُبين الآية الكريمة ، أن كل ما قضى الله عز وجلّ وقدر من أحداث في جميع السماوات والأرض وعلى الناس من إنس وجان ، إنما مُقررة في كتاب الله عز وجلّ الذي حُدد فيه زمان الحدث ومكانه وماهيته ودرجته من قبل وقوعه عليهم ، فلا تظهر مصيبة في الأرض إلا بأجل مقضيّ في الكتاب من قبل أن يخلق الله عز وجلّ السماوات والأرض ويخلق الأنفس على هيئة ناس .

" يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ " ( 6 ) المجادلة .

يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا : يبعث الله عز وجلّ الناس أجمعين يوم الحشر من إنس وجان في جميع الأراضي التي في جميع السماوات السبع لتلقي حسابهم ولا يغادر منهم أحد .

فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا : أي يريهم الله عز وجلّ أعمالهم المستنسخة عليهم في كتاب الله كما هي ساعة حدوثها ليذكرهم بها .

أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ : أي استنسخها الله عز وجلّ وعَددها في الكتاب ، ليُذكر بها الناس وما نسوا من جرم أعمالهم ساعة أن كانوا في نشء زوج الحياة الدنيا .

الملاحظ المستجدة في الآية الكريمة تختص بوجود إحلال بَين كلمة " كِتَاب " وبين اسم ذات الجلالة كما في قوله تعالى " أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ " ، علماً أن غالبيّة الآيات ذات العلاقة بتسجيل أعمال الناس في القرآن الكريم تَربط على الدوام بين علم الله عز وجلّ بمحدثات الكون وأحداثه وبين الكتاب عدا هذه الآية ، ويعود السبب في ذلك إلى أن الكتاب مستنسخ زمني من الدهر ، وأن الدهر من ذات الله عز وجلّ الذي عنده أم الكتاب !!! مهم .

" وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا " ( 29 ) النبأ .

يُبين الله عز وجلّ في الآية الكريمة عن كيفية إحصائه جلّ شأنه لمحدثات السماوات والأرض ببيان ما للكتاب من تخصيص وقدرة في استنساخ الأحداث وجمعها ، لسبب أن الكتاب يستنسخ المادة من الزمن المقرر من مجمل الدهر المحتوي لها كونه فرعا منه وكونه من ذات الله عز وجلّ ومن نوره ، لذا فالكتاب لا يتبدد ولا يزول عند زوال المادة أو تحولها ، إنما يبقى كسجل مستنسخ عنها وعن حالاتها في فترة وجودها الدنيوي .

بيّنت الآيات الكريمة السابقة وكشفت عن بعض من صفات الكتاب وخاصة ما يتعلق عن قدرته على نسخ أعمال الناس في حياتهم الدنيا ، كما بيّنت أن الكتاب يستنسخ مادة الجسد من زمن ومكان الجرم ساعة وقوعه ، ثم يُعيد كل حدث لصاحبه يوم الحساب فيريه عمله مستنسخا عليه كيوم وقوعه ، كما حذرت الآيات الكريمة الناس من تخصيصه !! ، لذا فالكتاب يستنسخ الحدث من أصل المادة التي منها خُلقت الأجساد في الحياة الدنيا ، مما يعني أن الحدث المستنسخ أصيل وليس صورة لسبب أن الدهر هو الفاعل على المادة في نشوئها وفي بقائها وليست الطاقة المحتواة ، ولسبب أن الحدث المشهود يوم الحساب يخلو من الصوت كونه لا يرى فينسخ ، بمعنى أن الكتاب لا يستنسخ جرم القول كون ماهيّة الصوت لا تظهر للعين المجردة ... ، لذا سنبين في المرحلة التالية من البحث بآيات بيّنات من القرآن الكريم عن كيفية حفظ الله عز وجلّ لجرم القول وعرضه على الناس يوم الحساب .

أسرار الكون
 
الحالة
مغلق ولا يسمح بالمزيد من الردود.
العودة
Top