أغراض الشعر الجاهلي والإسلامي
الشعر الجاهلي
نشاة الشعر الجاهلي :
إذا كان الأدب يمثـل التعبيــر عــن الحياة والكـون والنفــس بلغـة فنية تعتمـــــد البيـان والتصوير الإيحاء فإنّـه يقســــم إلى قسمين :
أ?- الشعر . ب- النثــــــــر .
ولســــــنا فـــــي صدد التفـــــريق بين الجنســــــــين الأدبيين بقــــدر ما نريـــــــــد أن نتبين الطفولةالأولىللشـعرالجاهلــــــي الـذي وصل إلينا بصورة مكتملـة ، إذ أنّ القـارئ لقصـائد الشـعر الجاهلـي يرى صروحاً عظيمـة مكتملــة البنــاء . فالقصيدة الجاهلية بناء متماسك ، ونهج قويم يكشف عــن عبقرية أ دبية لــم يستطع أحد إلى يومنا هــذا أن يصـل إلـى موازاتها . وفـي بحثنا عن أوليات الشــعرالجاهلـــــي تجد أنّ أقدم نص وصل إلينا لا يتجاوز مئة وخمسـون عــام أو مئتي عــام قبل مبعث النبــي صلــى الله عليـه وسلّم ، وإنّ أقدم هـــذه النصوص كان لامرىء القيس والمهلهـل بن ربيعـة ، وإن كانت عادة الوقـوف علـى الأطـلال أخذت مـن شـاعـر سـماه الشـعراء الجاهليـون باســم " ابن حـزام " ولكننا لا نجـد واحداً لهـذا الشاعر وقدأشـار إلــى ميلاد الشــعر ( الجاهلـــي ) الجاحــظ واعتبره ميلاداً حديثاً ، وما يزال النقاد يسـتغربون كون حـرب البسـوس هي البداية للشعرالجاهلي لأنّ قانون النشوء والارتقاء ينطبق على الشعر . ويعلل النقاد السـبب المباشرالمؤثر فــي عدم اكتشاف طفـولـة الشعر الجاهلي هــو الرواية الشفوية للأدب الجاهلـــي حيث تعرّض قسم كبيرمـن هـذا الشـــعرللنسيان والإهمـال كما أنّ الرسول عليـــه السلام قـد نهـى عـن رواية نوعين من الشعر:
1- الشعر الذي يحمل صفات الإقناع .
2- الشعر الذي يحمل الفحش والإساءة الخلقية للمرأة .
كما أنّـه لا يمكن أن ننسى النكبات التـي حدثت فــي الجزيرة المتمثلة بزحـف الرمـال ، وتفجـر البراكين قــد رافقهـا تقهقـراقتصادي تراجعت خلالـه حركــة الشــعر وقـــــد زعم بعض النقاد أنّ قصيدة عبيد بن الأبرص الأسدي التـي مطلعها :
أقفرمن أهله ملحوب فالقطبيات فالذنوب
هــي قصيدة مضطربة الوزن وأنّها مـن أوليات الشـــعرإذ أنّ الشاعر بناها علــى وزن
مخلّع البسيط (مستفعل/ فاعل/ فعـول ).ولكن الرد على ذلك أنّ الشاعر له من القصائ ما يدلّ علـى براعته وزعم نقاد آخرون أنّ بدايات الشــعر العربــي هـي " الأراجيز " المتناغمة مع سيرالابل : ( مســتفعـل/ مستفعل/ مستفعل ). وهو وزن شعبيّ سماه الشعراء ( حمار الشـــعراء ) ، وزعم نقاد آخرون أنّ بدايات الشــعر الجاهلـي هي الأدعية الدينية والابتهالات للآلهة ، ولكن ذلك ليس دقيقاً كما زعم قـوم أنّ بداية الشـعر الجاهلي حديثة وليس لدينا مـن الوثائق ما يدلّ علـى ذلك ، وما نعرفه أنّ العرب نسبوا الشعر إلى الشـياطين ، وأنّ بعضهم يفخر بأن ّشيطانه ذكر وليس انثى :
إني وكل شاعر من البشر شيطانه أنثى وشيطاني ذكر
وقد زعم قوم أنّ بعض أوزان الشعر العربي كوزن ( الرمل والمتقارب والخفيف ) ، قــد أخذ من الأوزان الفارسية وهو زعم غير صحيح ومع ذلك بقي سر طفولـة الشعرالجاهلي أو العربي مكتوماً.
وقد علل النقاد عوامل ازدهار الشعر العربي في المئتي عام قبل الإسلام بما يلي:
1- الحروب التي دارت بين عرب الشمال وعرب الجنوب
حرب البسوس- حــــرب داحس والغبراء – وقائع تغلب والمناذرة – ذي قار – حروب الأوس والخزرج ) .
2 - هجرة عرب الجنوب واختلاطهم بعرب الشمال .
3- وجود الأسواق التجارية والأدبية ، مثل
عكاظ- ذي المجاز- ذي المجنّة) حيث كان الشعراء يتفاخرون بقبائلهم في تلك الأسواق.
4- تنافس القبائل في تقريب الشــــعراء والإغداق عليهم بالعطايا كما صنع الغساسنة مـع حسان بن ثابت ، والمناذرة مع النابغة الذبياني .
5- سؤ توزيع الثروةالاقتصادية واحتكارسادة القبائل لهــا، مما جعــل بعض الشـــعراء يتكسبون بمدح هؤلاء الزعماء .
ملاحظة :
في الشعر الجاهلي قصائد منحولة نسبت إلى شعراء من باب التنافس القبلي ، أو من باب زيادة الرواة لبعض الأبيات ، وقد أثار الدكتور" طه حسين" في كتابه " الأدب الجاهلي"الشك حول نسبة الكثيرمن الشــعرالجاهلـي إلى شعراء بأعينهم وقد تصدى له بعض الباحثين يردون أخطاؤه التاريخيةكما صنع " ناصر الدين الأسدي " في كتابه " مصادر الشــعر الجاهلــــــــي وقيمتهاالتاريخية.
أغراض الشعر الجاهلي
بقي الشعر الجاهلي أسير نزعات ورغبات وأهواء الإنسان في العصر الجاهلــي ، يمثل نفسيـة هذا الإنسان وما يخالجهــا مـن عواطـف وأحاسـيس ، ولذلك أطلـق عليـــــه مصطلح ( الغنائية والوجدانية ) لأنّـه رافق المغنين والمنشدين، ولم يستقل عن الغناء إلا مع بداية
الإسلام. يقول حسان بن ثابت: تغن بالشعر إما أنت قائلـه إنّ الغناء لهذا الشعر مضمار
وقد أطلق على الشعرالجاهلي ديوان العرب ، لأنّه يمثل حياتهم ويصورمآثرهم أدق تصوير ، فكان الشعر بمثابة الصحافة اليوم , حيث كان الشاعر الجاهلي صحفيّ قوميّ ، أو وزيرإعلام لقبيلته ينقل إلىالآخرين كل ما يتعلّق بمفاخرالقوم وقد كتب الشعراء الجاهليون في الأغراض التالية :
1- الشعرالحماسي: وهوالشعرالمتحدث عن تشجيع أفراد القبيلة لقتال العدو، وهـويمثل حقيقة الصراع القبلـي علـى أرض الجزيرة ، وما يحدث مـن وقائع بين تلك القبائل ، حيث يتطرق الشـاعر إلـى المثــل العليا المتمثلة بالشجاعة ، البطولـة ، وخوض معامـع المــوت واستهانـة الإنسان الجاهلـي بأعدائه . والمتصفح لقصائد الجاهليين يجد أنّ معظم قصائدهم تتطرق إلـى غرض الحماسة كما عنـد الشـاعرعبدالشارق عبد العزى في وصف معركة جرت بين قبيلتي جهينة و بهثة :
ردينة لـو رأيتِ غداةَ جئنـا علـى أضحاتنا وقـــد اجتوينا
فأرسـلنا أبا عمــرو ربيئنا فقال : ألا أنعَموا بالقوم عينا
فناد َوا يالبهثــة أذرأونــــا فقلنا : احسني ضــرباً جهينا
فآبوا بالرماح مكسّـــراتٍ وأبنا بالســيوف قـــد انحنينا
فباتوا بالصّعيد لهم أماحٌ ولو خفّت لنا الكلمى سَرَينا
سمات الحماسة في الشعر الجاهلي:
• الحديث عن البطولة .
• وصف ضخامة العدو .
• الحديث عن الشجاعة .
• الاستهانة بالموت .
• الدفاع عن حُرم القبيلة .
2- الفخــــــــــــــــر: وهو ذكر محاسن الإنسان والاعتزاز بهذه المحاسن ، وهو نوعان :
1- فخر ذاتي . 2- فخر قبلي .
الفخر الذاتي : ويتمحور حول المفتخر بنفسه مع المبالغة فيها أحياناً كأن يصور الشاعر نفسه أحياناً بأنّه بطل شجاع قوي ، يتسم بالقيم الحسنة ، يغيث الملهوف ، ويعين صاحب الحاجة ويحمي المرأة . يقول طرفة بن العبد في معلقته :
إذا القوم قالوا من فتىً خلتُ أنني عنيت فلـم أكســـل ولـم أتبلّدِ
أنا الرجل الضرب الذي تعرفونه خشاش كرأس الحية المتوقدِ
الفخر القبلي : وهوافتخار الشــاعر بصنائع قبيلته البطولية مع تعصب للقبيلة كمــــا صنــــع الأعشى في الإشادة بأبطال قبيلته بكر عندما وقفوا في وجه كسرى في معركة ذي قار :
وجند كسرى غداة الحِنو صبَحهم منّا كتائب تزجي الموت فانصرفوا
وخيل بكر فـما تنفكّ تطحنهــــــم حتـى تولّوا وكـاد اليــوم ينتصــف
وبين الحماسة والفخر وشائج قربى لأنّ كلا الأمرين يبرز قيم الجاهلية وقد عبّر الصعـــا ليك
الجاهليون عن رفضهم للفقر وافتخروا بصبرهم على الجوع كما قال الشنفرى :
وأستفُ تُرْبَ الأرض كي لا يرى له عليّ من الطول امرؤ متطوّل
3- الهجـــــــــــاء: وغرضه التقليل مـن قيمة المهجو ومحاولـة نزع القيــم الايجابيـة عنــــه ويعتمد علــى الصفات السلبية كالبخل والجبن والغدر والتقاعس عـن طلب الثأروالخيانة والفرار مـن الحرب وكان الشــاعر الجاهلــي الهجّاء يحصل على ما يريد اتقاء لشره ، يقول زهير بن أبي سلمى :
وما أدري وسوف إخال أدري أقـوم آل حصن أم نســاء
ويقول حسّان بن ثابت :
لا بأس بالقوم من طولٍ وعرض جسم البغال وأحلام العصافير
ولم يكن الشعر الجاهلي المعتمد على الهجاء فاحشاً كما فعل المتنبي مع فاتك الأسدي حيث قال :
ما أنصف القوم حنبهْ وأمّه الطرطبهْ
أو كما قال شعراء النقائض :
قوم إذا استنبح الأضياف كلبهم قالوا لأمهم بولي على النار
وقد أنكر النابغة الإفحاش في السباب والهجاء :
فإن يك عامر قد قال جهلاً فإنّ فطنة الجهـل السِّبــاب
فلا يذهبْ بلبْكَ طائشات من الخيلاء ليس لهنّ باب
وقد يصل الهجاء بالشاعر أن يهجو نفسه أو والديه كما فعل الحطيئة .
4- المـــــــــــــدح : يعتبرالإنسان المـدح كظاهرة نفسية جزءا مهما من حياته ، وهــو بطبعه مفطورعلـى ذلك ، يحب مـن امتدحه ، ويبغض مـن هجاه وظاهــرة المـدح عنــدالشـــــعراء
الجاهليين بدأت مكافأة ومحبة وانتهت تكســباً وبحثاً عـن العطايا ، وإذا كان العربــــي نزّاعاً للأخلاق الحميـدة ، والشــمائل الســامية ، فإنّــه أعجب كشــاعر بممدوحــه لـوجـود صفات الشجاعة والرأي السـديد والكرم والعفة وغير ذلك مـن الصفات المتناسبـة بالبيئة الجاهليـة ، وقــد يتداخل المدح بالفخر حينما يثني الشـاعر علـى فرسان القبيلة وأبطالها ، وربما تداخــل بالغزل حينما يريد الشاعر أن يصف أخلاق امرأة ما ، ولمّـا صارت ظاهرة المدح ظاهـــرة تكسب ، قَدِم الشعراء على الملوك الذين قدّموا لهـم الأعطيات ، وجعلوا مكانتهم مكانة سامية كما صنع الغساسنة والمناذرة مع النابغة وحسان والشعراء الآخرين ، وقد وصف مدح زهير بالصدق إذ لـم يكن يمدح الرجل إلا بما فيه . يقول زهير فـي مدح الحارث بن عوف وهرم بن سنان اللذين تحملا ديات القتلـــى بين عبس وذبيان فــي حربهم التــي استمرت ما يقارب (40) عام :
يميناً لنعم الســـيدان وجدتما على كلّ حال من سحيل ومبرم
تداركتما عبساً وذبيان بعدما تفانوا ودقوا بينهم عطر منشــم
وقـد كان مـدح الأعشى مختلفاً إذ أنّه كان متكسـباً فــي شــعره علــى حـد اعترافاته كمـا قال لممدوحه قيس بن معد يكرب :
فجئتـك تـرتاد مـا خبـروا ولولا الذي خبّروا لم ترنْ
فلا تحرمني بذاك الجزيلَ فإنـي امرؤ قبلكم لــم أهـنْ
أما حسان بن ثابت في جاهليته ، فقد كان يأتي من المدينة إلى منطقة الخمان في حوران لمدح
الغساسنة ، وقدأبرز صفاتهم العربية أيما ابراز وذلك في قوله :
لله درُّ عصابــــة نادمتهــــــم يوماً بجلّق فـي الزمان الأولِ
بيض الوجوه كريمة أحسابهم شمّ الأنوف من الطراز الأول 5-الاعتـــــــــــــــــذار: وقدنشأهــذاالفن تحت ظلال المديح وتفرع عنه ، واتخذ مـن صفات الممدوح مطية له ، ويعد النابغة المؤسس الأول لهذا الفن بـد خلافه مع النعمان بن المنذروقد روى في ذلك أنّ النابغة قد اطلع على عورة الملك النعمان ، ونظم بذلك قصيدة يعرّض فيها
بصفات زوجة النعمان ، ومطلعها :
سقط النصيف ولم ترد اسقاطه فتناولته ، واتّقتنا باليد !
مما جعل النعمان ينقم على الشاعر ويهدر دمه فيفر النابغة بإرسال القصائد معتذراً إليه وقد
تميز الاعتذار بما يلي :
1- تداخل عاطفة الخوف والشكر والرجاء .
2- التلطف والتذلل والاسترحام .
3- اظهار الحرص على المودة .
يقول النابغة معتذراً :
فبت كأنـي ساورتني ضئيلـة مـــن الرّقش في أنيابها السمّ ناقع
فإنك كالليل الذي هو مدركي وإن خلت أنّ المنتأى عنك واسع
يتبع