التوحيد للناشئة والمبتدئين

الإيمان بالكتب

أ- معنى الإيمان بالكتب:

التصديق الجازم بأن لله تعالى كتبا أنزلها على رسله إلى عباده، وأن هذه الكتب كلام الله تعالى تكلّم بها حقيقة كما يليق به سبحانه، وأن هذه الكتب فيها الحق والنور والهدى للناس في الدارين.
والإيمان بالكتب يتضمن ثلاثة أمور:
الأول : الإيمان بأن نزولها من عند الله حقَاَ.
الثاني : الإيمان بما سمّى الله من كتبه كالقرآن الكريم الذي نزل على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، والتوراةِ التي أنزلت على موسى عليه السلام، والإنجيل الذي أنزل على عيسى عليه السلام.
الثالث : تصديق ما صح من أخبارها كأخبار القرآن.
والإيمان بالكتب أحد أركان الإيمان، كما قال سبحانه : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ } (1) .
فأمر الله بالإيمان به وبرسوله وبالكتاب الذي نزّل على رسوله صلى الله عليه وسلم وهو القرآن، كما أمر بالإيمان بالكتب المنزلة من قبل القرآن.
وقال صلى الله عليه وسلم عن الإيمان: « "أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره » (2) .
_________
(1) سورة النساء آية: 136.
(2) أخرجه مسلم.
 
الإيمان بالرسل

أ- حاجة الناس إلى الرسالة :

الرسالة ضرورية للعباد، لا بدّ لهم منها، وحاجتهم إليها فوق حاجتهم إلى كل شيء، والرسالة روح العالم ونوره وحياته، فأيّ صلاح للعالم إذا عدم الروح والحياة والنور؟ والدنيا مظلمةٌ إلا ما طلعت عليه شمس الرسالة، ولا سبيل إلى السعادة والفلاح في الدارين إلا على أيدي الرسل، ولا سبيل إلى معرفة الطيِّب والخبيث على التفصيل إلا من طريقهم .
لقد سمى الله رسالته روحا، والروح إذا عدم فقدت الحياة ، قال الله تعالى : { وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا } (1) .
والإيمان بالرسل أحد أركان الإيمان، قال سبحانه : { آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ } (2) .
فدلًت الآية على وجوب الإيمان بجميع الرسل عليهم الصلاة والسلام دون تفريق، فلا نؤمن ببعض الرسل ونكفر ببعض كحال اليهود والنصارى.
_________
(1) سورة الشورى آية: 52.
(2) سورة البقرة آية: 285.
 
ب- معنى الإيمان بالرسل :

هو التصديق الجازم بأن الله بعث في كل أمة رسولا منهم يدعوهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وأن الرسل كلهم صادقون مصدّقون، أتقياء أمناء، هداة مهتدون، وأنهم بلّغوا جميع ما أرسلهم الله به، فلم يكتموا ولم يغيّروا، ولم يزيدوا فيه من عند أنفسهم حرفا ولم ينقصوه، كما قال سبحانه : { فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ } (1) .
وإن جميع الأنبياء كلهم كانوا على الحق المبين، وأنه قد اتفقت دعوتهم إلى عقيدة التوحيد، كما قال سبحانه { وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ } (2) .
وقد تختلف شرائع الأنبياء في الفروع من الحلال والحرام ، كما قال الله تعالى: { لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا } (3) .
والإيمان بالرسل يتضمن أربعة أمور:
الأول : الإيمان بأن رسالتهم حقّ من الله تعالى، فمن كفر برسالةِ واحد منهم فقد كفر بالجميع.
الثاني : الإيمان بكل من سمى الله من الأنبياء، مثل : محمد وإبراهيم وموسى وعيسى ونوح عليهم الصلاة والسلام، وأما من لم نعلم اسمه منهم فنؤمن به إجمالا.
الثالث : تصديق ما صح من أخبار الرسل.
_________
(1) سورة النحل آية: 35.
(2) سورة النحل آية: 36.
(3) سورة المائدة آية: 48.

 
جـ - تعريف النبي والرسول :

النبي لغة : المُخبر، مشتق من النبأ وهو الخبر، فالنبي مُخبر عن الله تعالى . أو مشتق من النَّبْوَة وهي ما ارتفع من الأرض، فالنبيّ أشرف الخلق وأرفعهم منزلة.
وأما تعريف النبيّ اصطلاحا : فهو إنسان حرّ، ذكر، اختاره الله وخصّه بتبليغ الوحي إليه.
والرسول لغةً: المتابع لأخبار من أرسله.
وأما تعريف الرسول اصطلاحا : فهو إنسان حر ذكر، نبّأه الله تعالى بشرع، وأمره بتبليغه إلى قوم مخالفين.
- وأما الفرق بينهما فإن الرسول أخص من النبي، فكل رسولٍ نبي، وليس كل نبي رسولا، فالرسول يؤمر بتبيلغ الشرع إلى من خالف دين الله، أو لا يعلم دين الله، وأما النبي فيبعث بالدعوة لشرع من قبله.


 
د- صفات الرسل وآياتهم :

من صفات الرسل عليهم السلام أنهم بشر، فيحتاجون لما يحتاج إليه البشر من الطعام والشراب.
قال تعالى: { وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ } (1) .
كما أن الرسل يصيبهم ما يصيب البشر من الأمراض، ويأتيهم الموت كسائر الخلق.
فليس لهم من خصائص الربوبية والألوهية شيء، ولكنهم بشر بلغوا الكمال في الخِلقة الظاهرة، كما بلغوا الذروة في كمال الأخلاق، كما أنهم خير الناس نسبا ولهم من العقول الراجحة، واللسان المبين ما يجعلهم أهلًا لتحمل تبعات الرسالة والقيام بأعباء النُبوَّة.
وتظهر لنا الحكمة من إرسال الرسل بشرا، وذلك حتى تتمثلَ القدوةُ للبشر في واحدٍ من جنسهم، ومن ثم فإن اتباع الرسول والاقتداء به هو في مقدورهم وفي حدود طاقتهم.
ومن صفات الرسل أن الله خصهم بالوحي دون بقية الناس، كما قال سبحانه: { قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ } (2) .
فقد اختارهم الله واصطفاهم من بين سائر الناس، وكما قال تعالى: { اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ } (3) .
_________
(1) سورة الأنبياء آية: 7.
(2) سورة الكهف آية: 110.
(3) سورة الأنعام آية: 124.



 
هـ- الحكمة من إرسال الرسل :

- أرسل الله الرسل لتعريف الناس بمعبودهم الحق، ولدعوتهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له.
وأرسل الله الرسل لإقامة الدين، والنهي عن التفرّق فيه، يقول تعالى: { شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ } (1) .
- وأرسل الله الرسل للتبشير والإنذار، فقال سبحانه:
{ وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ } (2) .
وتبشير الرسل وإنذارهم دنيوي وأخروي، فهم في الدنيا يبشرون الطائعين بالحياة الطيبة: { مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً } (3) .
ويحذرونهم العذاب والهلاك الدنيوي: { فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ } (4) .
وفي الآخرة يبشرون الطائعين بالجنة ونعيمها: { وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ } (5) .
_________
(1) سورة الشورى آية: 13.
(2) سورة الكهف آية: 56.
(3) سورة النحل آية: 97.
(4) سورة فصلت آية: 13.
(5) سورة النساء آية: 13.

 
و- الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا ورسولا:

- نؤمن بأن محمدا صلى الله عليه وسلم هو عبد الله ورسوله، وأنه سيّد الأولين والآخرين، وهو خاتم الأنبياء فلا نبي بعده، وقد بلّغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده.
- ويجب أن نصدقه فيما أخبر به، ونطيعه فيما أمر، ونبتعد عما نهى عنه وزجر، وأن نعبد الله على وفق سنته صلى الله عليه وسلم، وأن نقتدي به دون غيره، قال تعالى: { لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا } (1) .
- ويجب أن نقدّم محبة النبي صلى الله عليه وسلم على محبة الوالد والولد وجميع الناس كما قال صلى الله عليه وسلم: « "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبّ إليه من والده وولده والناس أجمعين » (2) .
ومحبته الصادقة تكون باتباع سنته والإقتداء بهديه.
والسعادة الحقيقية والاهتداء التام لا يتحقق إلا بطاعته، كما قال سبحانه : { وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ } (3) .
_________
(1) سورة الأحزاب آية: 21.
(2) رواه البخاري ومسلم.
(3) سورة النور آية: 54.

 
ز- خصائص الرسالة المحمدية :

تختص الرسالة المحمدية عن الرسالات السابقة بجملة من الخصائص، نذكر منها:
- الرسالة المحمدية خاتمة للرسالات السابقة، قال تعالى: { مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ } (1) .
- الرسالة المحمدية ناسخة للرسالات السابقة، فلا يقبل الله من أحد دينا إلا باتباع محمد صلى الله عليه وسلم، ولا يصل أحد إلى نعيم الجنة إلا من طريقه، فهو صلى الله عليه وسلم أكرم الرسل، وأمته خير الأمم، وشريعته أكمل الشرائع.
قال تعالى: { وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ } (2) وقال صلى الله عليه وسلم: « "والذي نفس محمد بيده، لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي أو نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار » (3)
- الرسالة المحمدية عامةٌ إلى الثقلين: الجن والإنس.
قال تعالى حكاية عن قول الجن. { يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ } (4) .
وقال تعالى: { وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا } (5) .
_________
(1) سورة الأحزاب آية: 40.
(2) آل عمران آية: 85. .
(3) أخرجه مسلم .
(4) سورة الأحقاف آية: 31.
(5) سورة سبأ آية: 28.
 
حـ - أثار الإيمان بالرسل:

للإيمان بالرسل آثار عظيمة، نذكر منها:

1- العلم برحمة الله تعالى وعنايته بعباده حيث أرسل الرسل إليهم ليهدوهم إلى الطريق الصحيح، ويبينوا لهم كيف يعبدون الله؛ لأن العقل البشري لا يستقل بمعرفة ذلك، قال تعالى عن نبينا محمد صلى الله عليه وسلم: { وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ } (1) .
2- شكره تعالى على هذه النعمة الكبرى.
3- محبة الرسل عليهم الصلاة والسلام وتعظيمهم والثناء عليهم بما يليق بهم؛ لأنهم قاموا بعبادة الله وتبليغ رسالته والنصح لعباده.
4- اتباع الرسالة التي جاءت بها الرسل من عند الله، والعمل بها، فيتحقق للمؤمنين في حياتهم الخير والهداية والسعادة في الدارين.
قال تعالى: { فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى }{ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا } (2) .
_________
(1) سورة الأنبياء آية: 107.
(2) سورة طه آية: 124.
 
الإيمان باليوم الآخر

أ- معنى الإيمان باليوم الآخر:

معناه التصديق الجازم بإتيانه لا محالة والعمل بموجب ذلك، ويدخل في ذلك الإيمان بأشراط الساعة وأماراتها التي تكون قبلها لا محالة، وبالموت وما بعده من فتنة القبر وعذابه ونعيمه، وبالنفخ في الصور وخروج الخلائق من القبور، وما في موقف القيامة من الأهوال والأفزاع وتفاصيل المحشر ونَشْر الصحف، ووضع الموازين، وبالصراط والحوض والشفاعة فيرها، وبالجنة ونعيمها الذي أعلاه النظر إلى وجه ا
 
ب- اهتمام القرآن بهذا الركن وحكمته :

ولقد حفل القرآن الكريم بذكر اليوم الآخر، واهتم بتقريره كل موقع، ونبّه إليه في كل مناسبة، وأكد وقوعه بشتى أساليب العربية، ومن أنواع هذا الاهتمام بهذا اليوم العظيم في كتاب الله، أنه كثيرا ما ربط الإيمان به بالإيمان بالله عز وجل.
ومثاله في قوله تعالى: { ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ } (1) - ومن أنواعه أيضا، إكثار القرآن من ذكر اليوم الآخر، حتى إنك لا تكاد تمر على صحيفة من صحائف القرآن إلا وتجد فيها حديثَاَ عن اليوم الآخر، وما سيكون فيه من الأحداث والأحوال، وبأساليب كثيرة ومتنوعة.
- ومن أنواع هذا الاهتمام أن الله قد سمي هذا اليوم بأسماء كثيرة ومتعددة؛ التي تدل على تحقق وقوع هذا اليوم، مثل: الحاقة، والواقعة، والقيامة.
وبعض هذه الأسماء يدل على ما سيقع فيه من الأهوال مثل الغاشية والطامة والصاخَّة والقارعة.
ومن أسماء اليوم الآخر في القرآن: يوم الدين، ويوم الحساب، ويوم الجمعة، ويوم الخلود، ويوم الخروج، ويوم الحسرة، ويوم التناد.
_________
(1) سورة البقرة آية: 232. .
 
جـ- فتنه القبر:

نؤمن بأن الموت حق، قال تعالى: { قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ } (1) .
وهو أمر مشاهد لا يجهله أحد، وليس فيه شك ولا تردد، ونؤمن أن كل من مات أو قتل أو بأي سبب كان حتفه، أنّ ذلك بأجله لم ينقص منه شيئا، قال الله تعالى: { فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ } (2) .
ونؤمن بفتنة القبر: وهو سؤال الميت بعد دفنه عن ربه ودينه ونبيه، فيثبِّت الله الذين آمنوا بالقول الثابت فيقول المؤمن : ربي الله وديني الإسلام ونبي محمد صلى الله عليه وسلم، ويضل الله الظالمين، فيقول الكافر: هَاه هَاه لا أدري، ويقول المنافق أو المرتاب: لا أدري سمعت الناس يقولون شيئا فقلته.
_________
(1) سورة السجدة آية: 11.
(2) سورة الأعراف آية: 34.
 
د- أشراط الساعة :

مما يجب الإيمان به، أن نؤمن بأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن موعدها لا يعلمه إلا الله، أخفاه عن الناس كلهم، يقول تعالى: { يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ } (1) .
وقد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحاديث كثيرة في بيان علامات الساعة وأشراطها وأماراتها.
فقد صح عنه عليه الصلاة والسلام أنه ذكر للساعة علامات صغرى معظمها يدور حول فساد الناس، وظهور الفتن بينهم، وانحرافهم عن صراط الله المستقيم.
فمن العلامات الصغرى : « ما جاء في حديث جبريل أنه سأل الرسول صلى الله عليه وسلم عن الساعة، فقال: "ما المسؤول عنها بأعلم من السائل"، قال : فأخبرني عن أماراتها ؟ قال: "أن تلد الأمة ربتها، وأن ترى الحفاة ... » (2) .
_________
(1) سورة الأعراف آية: 187.
(2) متفق عليه.
 
هـ- البعث:

إن الإيمان بالبعث مما دلّ عليه الكتاب والسنة، والعقل والفطرة السليمة، فنؤمن يقينا بأن الله يبعث من في القبور، وتعاد الأرواح إلى الأجساد، ويقوم الناس لرب العالمين.
قال الله تعالى: { ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ }{ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ } (1) .
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: « "يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلا » (2)
وقد أجمع المسلمون على ثبوته، وهو مقتضى الحكمة؛ حيث تقتضي أن يجعل الله تعالى لهذه الخليقة معادا يجزيهم فيه على كل ما كلفهم به على ألسنة رسله، قال الله تعالى: { أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ } (3) .
وقد أنكر الكافرون البعث بعد الموت زاعمين أن ذلك غير ممكن، وهذا الزعم باطل دلّ على بطلانه الشرع والحس والعقل.
أما من الشرع: فقد قال الله تعالى: { زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ } (4) .
_________
(1) سورة المؤمنون الآيتان: 16.
(2) متفق عليه .
(3) سورة المؤمنون آية: 115.
(4) سورة التغابن آية: 7.
 
و- العرض والحساب وقراءة الكتاب :

ونؤمن بالعرض، حيث يُعْرَض الناس على ربهم كما قال تعالى: { فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ }{ وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ }{ وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ }{ يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ } (1) وقال عز وجل: { وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ } . . . (2) .
ونؤمن بالحساب، حيث أن الله يحاسب الخلائق، ويخلو بعبده المؤمن فيقرره بذنوبه كما وصف ذلك في الكتاب والسنة، وأما الكفار فلا يحاسبون محاسبة مَن توزن حسناته وسيئاته، فإنه لا حسنات لهم، ولكن تعد أعمالهم فتحصى فيوقفون عليها ويقرَّرون بها.
_________
(1) سورة الحاقة الآيات: 15 - 18. .
(2) سورة الكهف آية: 48.
 
ز- الميزان والصراط :

ونؤمن بالميزان، قال تعالى: { وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ } (1) .
وقد دلت السنة النبوية على أن ميزان الأعمال له كفتان حسِّيتان مشاهدتان.
ووزن الأعمال يكون بعد انقضاء الحساب، فإن المحاسبة لتقرير الأعمال، والوزن لإظهار مقاديرها ليكون الجزاء بحسبها.
ونؤمن بالصراط وهو الجسر المنصوب على ظهر جهنم طريقا إلى الجنة، حيث يمر جميع الناس على هذا الصراط حسب أعمالهم.
فمنهم من يمر كلمح البصر، ومنهم من يمر كالبرق، ومنهم من يمر كالريح، ومنهم من يمر كالفرس الجواد، ومنهم من يمر كركاب الإبل، ومنهم من يعدو عدوا، ومنهم من يمشي مشيا، ومنهم من يزحف زحفا، ومنهم من يُخطف خطفا ويُلقى في جهنم، فإن الجسر عليه كلاليب (2) تخطف الناس بأعمالهم، فمن تجاوز الصراط دخل الجنة.
ويجب أن يُعلم أن من استقام على صراط الله الذي هو دينه الحق في الدنيا، استقام على هذا الصراط في الآخرة، ومن حاد عن الصراط المستقيم في الدنيا، فلن يصمد على صراط الآخرة.
_________
(1) سورة الأنبياء آية: 47.
(2) جمع كلوب بفتح الكاف وضم اللام المشددة. وهو حديدة معقوفة الرأس.
 
ب- الجنة والنار:

نؤمن بالجنة التي أعدها الله للمؤمنين، ونؤمن بالنار التي أعدها الله للكافرين، فالجنة والنار كلاهما حق لا ريب فيهما، فالنار دار أعداء الله، والجنة دار أوليائه.
قال تعالى: { فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ }{ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } (1) .
ولقد جاء وصف الجنة والنار، ووصف النعيم والعذاب في مواضع كثيرة جدا من القرآن، كلما ذكر الجنةَ عطف عليها بذكر النار، والعكس، وتارة يرغِّب في الجنة ويدعو إليها، ويرهِّب من النار ويحذر منها، وتارة يخبر عما أعدَّ في الجنة من النعيم لأوليائه، ويخبر عما أرصد في النار من العذاب الأليم لأعدائه.
ونعتقد يقينا أن الجنة والنار مخلوقتان وموجودتان الآنَ.
_________
(1) سورة البقرة الآيتان: 24 ، 25.
 
الإيمان بالقدر

أ- معنى الإيمان بالقدر:

هو التصديق الجازم بأن كل خير وشر فهو بقضاء الله وقدره، وأنه الفعّال لما يريد، لا يكون شيء إلا بإرادته، ولا يخرج شيء عن مشيئته، وليس في العالم شيء يخرج عن تقديره، ولا يصدر إلا عن تدبيره، ولا مَحيد لأحد عن القدر المقدور، ولا يتجاوز ما خُط في اللوح المسطور، وأنه خالق أفعال العباد والطاعات والمعاصي، ومع ذلك فقد أمر العباد ونهاهم، وجعلهم مختارين لأفعالهم، غير مجبورين عليها، بل هي واقعة بحسب قدرتهم وإرادتهم، والله خالقهم وخالق قدرتهم، يهدي من يشاء برحمته، ويضل من يشاء بحكمته، لا يُسأل عما يفعل وهم يسألون.
والإيمان بقدر الله تعالى أحد أركان الإيمان، كما في جواب الرسول صلى الله عليه وسلم حين سأله جبريل عليه السلام عن الإيمان قال: « "أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره » (1) .
_________
(1) أخرجه مسلم.

 
ب- مراتب الإيمان بالقدر:

الإيمان بالقدر يتضمن أربعة أمور:


الأول : الإيمان بأن الله تعالى عَلِم بكل بشيء جملةً وتفصيَلَا، وأنه تعالى قد عَلِم جميع خلقه قبل أن يخلقهم وعلم أرزاقهم وآجالهم وأقوالهم وأعمالهم، وجميع حركاتهم وسكناتهم، وأسرارهم وعلانيَّاتهم، ومن هو منهم من أهل الجنة، ومن هو منهم من أهل النار.
قال الله تعالى: { هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ } (1) .
وقال تعالى: { وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا } (2) .
الثاني : الإيمان بكتابة ذلك، وأنه تعالى قد كتب جميع ما سبق به عِلْمُه أنه كائن في اللوح المحفوظ.
ودليلُه قوله تعالى: { مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا } (3) .
وقول النبي صلى الله عليه وسلم: « "كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة » (4) .
الأمر الثالث : الإيمان بمشيئة الله النافذة التي لا يردُّها شيء، وقدرته التي لا يعجزها شيء، فجميع الحوادث وقعت بمشيئة الله وقدرته، ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن.
_________
(1) سورة الحشر آية: 22.
(2) سورة الطلاق آية: 12.
(3) سورة الحديد آية: 22.
(4) أخرجه مسلم.
 
جـ- حكم الاحتجاج بالقدر في ترك ما أمر الله به :

إن الإيمان بالقدر على ما وصفنا لا ينافي أن يكون للعبد مشيئة في أفعاله الاختيارية، وقدرة عليها، لأن الشرع والواقع دالان على إثبات ذلك له.
أما الشرع، فقد قال الله تعالى في المشيئة: { فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآبًا } (1) .
وقال تعالى في القدرة: { لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ } (2) .
وأما الواقع فإن كل إنسان يعلم أن له مشيئة وقدرة بهما يفعل، وبهم يترك، ويفرِّق بين ما يقع بإرادته كالمشي وما يقع بغير إرادته كالارتعاش، لكن مشيئة العبد وقدرته واقعتان بمشيئة الله تعالى وقدرته، لقول الله تعالى: { وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ } (3) ، ولأن الكون كله مُلك لله تعالى فلا يكون في ملكه شيء بدون علمه ومشيئته.
والإيمان بالقدر على ما سبق تقريره لا يمنح العبد حُجّةً على ترك ما أمر الله به أو فِعل ما نهى الله عنه، فمن احتج بالقدر على فعل المعاصي فهذا احتجاج باطل من وجوه:
_________
(1) سورة النبأ آية: 39.
(2) سورة البقرة آية: 286.
(3) سورة الإنسان آية: 30.

 
العودة
Top