صيف عام 2018، وصلت إلى المغرب بعد غياب، وفي الليلة الأولى شعرت بحاجة إلى بعض الهواء النقي. الساعة كانت الثانية صباحًا، فقررت الخروج في جولة قصيرة لأحرّك قدميّ وانفض عن كتفي غبار بعض الحنين. الجو هادئ لدرجة مريبة. سرت حتى وصلت إلى شارع "طريق الغرب"، شارع لا ينام مبكرًا، حيث تظل الدكاكين مفتوحة حتى الفجر، أو هكذا يبدو. وفي طريق العودة، توقفت عند بقالة، اشتريت قنينة "بومز"، وأخرى "هواي"، ثم – ولسبب لا أفسّره حتى الآن – قررت شراء ثماني عبوات من رايبي جميلة. هل كانت لحظة حنين؟ ربما كانت لحظة ضعف… أو حب قديم.
في طريق العودة, وصلت إلى نقطة الانعطاف المؤدية إلى المنزل، كان أمامي خياران:
1- الطريق الأول : طريق مضاء، آمن، يسلكه الناس، كأنه طريق أهل الحكمة... لكنه أطول قليلًا.
2- الطريق الثاني : طريق مظلم، مهجور، تحيط به بقايا مؤسسة عمومية من جهة، وساحة شاحنات الرمل من جهة أخرى، حيث تحوم الكلاب كأنها ملوك الليل.
الدماغ قال: "اللي خاف اسلم"
القلب قال: "ولد البلاد ما يخافش."
الخيار العقلاني؟ الطريق الآمن.
الخيار الذي اخترته؟ الطريق الثاني، طبعًا. لأنني من من يتبعون قلوبهم. قلت في نفسي: "أنا ابن هذا المكان. تربيت هنا، أأخاف الآن؟ سأريك من اكون ايتها الكائنات اللعينة"
تقدمت في اتجاه الظلمة الحالكة في ليلة نام فيها القمر. اكاد لا ارى شيئا. والسكون سكون المآرب. بدا كل شيء هادئًا. لا نباح، لا حركة. قلت: "اللهم لك الحمد، الكلاب ناعسة." لكن، ما إن وضعت قدمي على أول رصيف بعد الظلمة… حتى سمعت نباحًا قويًا، صريحًا، واضحًا. نباح من النوع الذي لا يقبل إلا تأويلًا واحداً "أنت في عداد الأموات."
التفتُّ… كلب يجري وكأنه عنده ثأر شخصي معي. كلب من النوع اللي ترعرع في إطار عجلة شاحنة, وتغذّى على الخبز اليابس والحقد. وتدرّب في دوجو سري حيث تنحني الكلاب الأخرى أمامه حتى تخرج بدرجة نينجا حراسة. إنه كلب البلاد الحقيقي... محترف, قاسٍ, لا يرحم..
لا وقت للتفكير، لا وقت للشجاعة. ركضت بكل ما أوتيت من خوف، ناسيًا كرامتي، ومتذكّرًا أن النجاة أهم من الصورة.. وأنا أركض، واجهت أسوأ عدو في البلاد: الرصيف غير المتّفق عليه. الأرصفة هناك ليست أرصفة، بل فخاخ هندسية. كل جار بنى رصيفه حسب ذوقه ومزاجه الهندسي، وبعضها ينتهي فجأة بلا سابق إنذار.
وما حدث؟ ركضت فوق "رصيف الموت"، ثم فجأة… فراغ... غطسة تاريخية فـــي زوبية. والأجمل؟ عبوات رايبي جميلة تنفجر فوقي، وحدة تلوى الاخرى، كأنها مهرجان ألوان… بطعم الحليب والفراولة. تيشيرتي أحمر، مكتوب عليه بخط أبيض واضح: WTF
نعم… "ما هذا بحق الله؟" بكل لغات العالم.
الكلب؟ توقف فجأة. نظر إليّ وأنا مبلّل بالرايبي والمهانة، ثم استدار وعاد أدراجه. هل شعر بالرحمة؟ هل فهم أنني تعلمت الدرس؟ أم رأى أني نلت عقابي؟
لا يهم… النتيجة أنه غادر. وكُنتُ ممتناً له على تفهم الموقف وحفظه لما تبقى لي من ماء وجهي الشاحب.
بعد أيام، رويت القصة لابن عمي. ضحك حتى دمعت عيناه. ثم التقط حجرًا من الأرض، رفعه كمن يستعد لفتح مدرسة قتالية. قال لي بنبرة حكيم من زمن المجاعة: "كي تشوف شي كلب؟ هزّ حجرة، وريها لو… غادي يهبّط راسو." آه نعم…حل عبقري, في توقيت قاتل. كأن الوقت كان يسمح لي ألعب شطرنج نفسي مع الكلب، وأُقنِعَهُ أنني نينجا مضاد.
بعد أسبوع، مررت من نفس المكان. بقايا رايبي لا تزال على الأرض. مشققة، محترقة من الشمس، ككنوز أثرية شاهدة على لحظة إذلال بطولية.. لكن في قلبي؟ قصة عظيمة.
لأن العبرة تقول: حين تسقط… على الأقل، اجعل السقطة اضحوكة.