سلام عيكم راني طولت عليكم بزاف اسمحولي اليوم نكمل القصة
وتوقف باسم عن الكلام... توقف وقد بلغت بي الإثارة أقصى درجة... ورغم نفوري من هذا الباسم، إلا أني وجدت نفسي أقول:
- ماذا حدث يا باسم؟؟ ما الذي حدث لعبد القادر؟؟ هل تزوج ليلى؟؟
ضحك باسم وقال: لحظة لحظة، سوف أخبرك، لقد قلنا أن عبد القادر أخذ ما حصل عليه من الماعز، وانطلق إلى تلك المزرعة للقاء ليلى، كان ذلك الصراع يدور في أعماقه، ما هذا الأمر الذي سوف يقدم عليه؟؟ إنه بصدد الزواج من جنية، كل خلجاته كانت ترتعد بمجرد التفكير في ذلك... ولكنه كان يحب ليلى إلى درجة أنه كان سيقدم على أي شيء يقربه منها ويجعلها بجنبه، هو يعرف أنها تحبه هي أيضاً، ألم تخبره بذلك؟؟ ألم تقل له أنها تتبعه منذ زمن لأنها معجبة به، إذاً سوف يتزوجها.
توقف باسم عن الكلام لحظة قال بعدها: عند هذا الحد تنتهي قصتي، فقد تضاربت الأقوال... ولم يعد أحد يعرف ماذا حدث في المزرعة، بعض الأخبار تناقلت من قاسم الذي حضر إليه عبد القادر لزيارته عدة مرات، وأخبره ببعض الأمور... أما بالنسبة لما حدث في المزرعة، فقد ظل لغزاً مجهولاً إلى يومنا هذا.
لم أعد أستطيع أن أطيق صبراً على الصمت، فقلت مقاطعاً: ولكن كيف؟؟ لقد قلت لنا أن عبد القادر هذا هو جدك الأول، هل من المعقول أن تكون جدتكم هي ليلى؟؟
قال باسم أنه لا يدري شيئاً عن ذلك، فالأخبار تتضارب... هناك من قال أن عبد القادر هرب من المزرعة وتزوج امرأةً أخرى من النجع، وهناك من قال أنه شاهد صبيةً يلعبون في المزرعة و و... إلى غير ذلك من الكلام.
فقلت له: ولكن هل هذه القصة صحيحة؟؟
قال باسم: هذه القصة توارثت عبر الأجداد وقد سمعتها.
فقلت: وكيف نصدق ذلك؟؟ أن يتزوج آدمي جنيةً فهذا ما لم أسمع به من قبل.
قال باسم: ولكن هذا ما توارده أجدادي... وهناك شيء آخر لم أقله: وهو أن المزرعة ورثناها من ضمن الأملاك المتوارثة، والغريب في الأمر أنها إلى يومنا هذا لازالت مهجورةً، لا يوجد بها أحد سوى رجل عجوز، يقوم بحراستها ويقيم في أحد المنازل القائمة في أحد أطرافها، وأنا شخصياً لم أذهب إليها قط ... وأبي لا يحبها، ولازالت إلى يومنا هذا تدور حولها حكايات العفاريت والجن.
وأخرج باسم بعض الصور للمزرعة التي تم التقاطها من قبل والده، أخذت منه الصور وكانت جميلةً جداً، حيث كانت توضح وجود كثافة هائلة من الأشجار ومباني قديمة تشبه القصور... كانت المزرعة حتى من خلال الصور تثير نوعاً من الرعب... لا أدري، لقد أحسست بارتجاف يسري في أوصالي، ربما لأني سمعت القصة، قصة المزرعة... ولكن بصدق: منظر الصور يوحى بأن المزرعة تحوي كماً هائلاً من الرعب... كنت أفكر في ذلك في أعماقي...
وأنا أسترجع قصة باسم، عندما لاحظت أن هناك نظرات خاصة بالإشارة بين باسم وعماد، هناك مؤامرة تحاك، لقد انطلق عقلي ليحلل ذلك: عماد يعرف حبي للمغامرات والاكتشافات الغريبة، ولقد حدثته عن القصة التي حدثت لنا في جبال أكاكوس، ويعرف كرهي الشديد لابن خاله، ولذلك فقد استدرجني لسماع هذه القصة... وبينما أنا كذلك، إذ قال لي عماد: ما رأيك في القيام برحلة إلى هناك؟؟
لم يقل إلى المزرعة، ولكن هناك هذه كانت تعني كل شيء. إذاً عماد وباسم يفكران في زيارة المزرعة، ويريدان مني أن أرافقهما، فقلت لعماد: هل خططت لذلك من البداية؟؟
فقال عماد ضاحكاً: أجل... لقد خططت لذلك، لأني أعرف أنك لن تذهب معنا لو أني عرضت عليك الموضوع، ولكن بعد سماعك للقصة... أعرف أن روح المغامرة قد تتحرك في أعماقك، ولم ينطق عماد بغير الحق، فقد كنت أفكر في ذلك.
لحظات من الصمت دارت بيننا... وبعد ذلك قلت أني موافق على القيام برحلة إلى هناك، وكذلك قال عماد وباسم أيضاً، وكان ذلك لحبنا للمغامرة، ولم نعلم أننا اتخذنا قراراً قد يؤدي إلى تهلكتنا، ولم نفكر حتى في ما ينتظرنا هناك من أهوال. وتم تحديد وقت القيام بالرحلة المشؤومة... كما سميتها في ما بعد.
الغريب في الأمر أن ذلك الاتفاق على القيام برحلة إلى المزرعة تم بسرعة، كأننا كنا نتفق سلفاً، حب المغامرة وكشف الغموض كان هو الدافع الأكبر لاتخاذنا هذا القرار، رغم تلك القصة المرعبة عن هذه المزرعة... وقد صارحني عماد أن كل ذلك السيناريو كان لأجل استدراجي وجذب اهتمامي، فهو يعرف هذه القصة مسبقاً، حيث سمعها أكثر من مرة من باسم ومن والد باسم، لكنه كان يخطط هو وباسم لزيارة المزرعة، وأراد أن أكون معهما، لمعرفته بحبي الشديد للمغامرات، لذا تم إعداد هذه الخطة الصغيرة لجذب الاهتمام وإنهاء الإشكال مع باسم... وقد نجح فيما خطط له هذا الـ عماد.
تم الإعداد للرحلة، وقد اتفقنا على أن يتم الانطلاق من منزل عماد، حيث يتم المبيت في منزله، والانطلاق في صباح اليوم الثاني... وفي الليلة المتفق عليها لصبيحة يوم السفر، التقينا بمنزل عماد، أحضرت معي حقيبتي بكل متطلبات الرحلة وكذلك مسدساً صغيراً تحسباً للظروف، قضينا تلك الليلة نتسامر ونتفكه على هذه الرحلة. لم يكن والد باسم موجوداً، فقد كان مسافراً إلى أوروبا وإلا لما كان يوافق على هذه الرحلة كما أخبرنا باسم، وقبل طلوع الشمس تم الانطلاق في سيارة صحراوية، حيث وضعنا فيها كل ما نحتاج إليه في رحلة تمتد لخمسة أيام كما اتفقنا، المكان لم يكن بعيداً، فهو حوالي 400 ميل، منها 100 ميل في داخل الجبل، ولم نتوقف إلا لتناول الطعام... وكان ذلك بعد دخولنا إلى الجبل. قال باسم أن المزرعة لم تعد بعيدةً من هنا... وسوف نمر على القرية التي ذهب إليها عبد القادر لشراء المزرعة... وهى اليوم مدينة كبيرة، كذلك مكان النجع الذي أصبح قريةً كبيرةً، وقد تم شق العديد من الطرق المعبدة التي تمر على كل الأماكن المأهولة بالسكان.
مررنا بالمدينة المذكورة بالأسطورة وكذلك بالقرية، كانت الغابات الخضراء تغطي كل أنحاء الجبل... وبعد مرورنا على القرية بحوالي ربع ساعة، أوقف باسم السيارة للدخول من طريق أخرى فرعية ليست معبدة، وتنحدر نحو أحد الأودية التي كان الجبل يعج بالكثير منها، كانت الطريق صعبةً بها الكثير من الصخور، وتشق غابةً من الأشجار الكثيفة، وبعد مسيرة لم تدم إلا قليلاً... انبسطت الأرض وقلت الأشجار، وأشار باسم بيده إلى مكان بعيد تلوح فيه الأشجار الكبيرة وقال: أعتقد أن المزرعة هي تلك... وهذا حسب الوصف. وانطلق في اتجاهها، وعندما اقتربنا كان المنظر جميلاً جداً لتلك المزرعة القائمة بين الأحراش، حيث كانت المرتفعات الجبلية تحيط بها إحاطةً كاملةً في شكل نصف دائرة، أي أن المزرعة يصعب الحضور إليها إلا من الأمام فقط، بسبب المرتفعات والأحراش.
توقفنا بمسافة مائة متر عن المزرعة، توقفنا لمشاهدة ذلك المنظر الجميل الذي يتفتق منه قصيدة لمن يملك موهبة الشعر... أو لوحة رائعة لمن يمتلك موهبة الرسم... وانطلق خيالي الجامح يصور عبد القادر وهو يحضر إلى هذا المكان، وكيف كانت تلاقيه ليلى، ولم ينزعني من ذلك إلا صوت عماد يقول: هيا فقد التقطت العديد من الصور الجميلة... اقتربنا واقتربنا وكل ما كنا نقترب، كان ذلك الشعور برهبة المكان يزداد، لا أعرف... لو لم تكن هناك هذه القصة الغريبة التي سمعتها هل كنت أشعر بهذه الرهبة؟؟؟ لا... لا أعتقد، فالقصة هي التي أطلقت ذلك الشعور في أعماقي... وكذلك رفيقي، فقد كنت متأكداً أنهما ينتابهما نفس الشعور.
توقفنا عند سور المزرعة الخارجي المبني من الحجارة والطين، ولارتفاع متر تقريباً، وتم فتح باب البوابة القديمة المصنوع من الأخشاب لإدخال السيارة، المنظر كان أغرب في داخل المزرعة الكبيرة التي كانت النباتات تنمو في كل مكان، وقد سدت حتى الطرق... والمنظر يوحي أنها مهجورة ومنذ زمن طويل جداً، حتى المباني التي تم ذكرها في القصة، كانت تختفي خلف الأشجار الضخمة. كنت مع عماد نمهد الطريق للسيارة، نزيل النباتات من هنا وهناك حتى دخلت السيارة... وانطلقنا نحو أقرب مبنى في المزرعة... والذي نتوقع وجود الرجل العجوز فيه، العجوز الذي أوكلت له رعاية المزرعة... كانت الأشجار المثمرة في كل مكان، وحقيقةً لولا تلك الأسطورة التي شوهت هذه المزرعة، لكانت من أجمل بقاع الأرض... فالطبيعة كانت قد نحتت أجمل صورة... ومن أقام تلك المزرعة كان فناناً بمعنى الكلمة.
وصلنا إلى أقرب مبنى، درنا بحثاً عن بابه فوجدناه مقفلاً، كان باباً من الأخشاب القديمة لكنه مازال يحتفظ بمتانته، فقد أصبح أقوى بمرور الزمن الذي حوله إلى شبه حجر، عالج باسم الباب فانفتح، كان المبنى قديماً جداً... ربما يعود تاريخ بنائه إلى أكثر من قرن ونصف. كان السقف من جذوع الأشجار والطين، وقد حصل على بعض الترميمات التي ربما قام بها عبد القادر... المبنى كان خالياً ولا أثر فيه للحياة على الإطلاق... الساعة كانت حوالي الواحدة ظهراً، خرجنا من ذلك المبنى لنكمل رحلة الاستكشاف، فانطلقنا إلى المبنى الثاني الذي كان أكبر من المبنى الأول، كان يشبه المستودع من طريقة بنائه... وصدق توقعي... فقد قال باسم أن هذا المبنى كان يستعمل لتخزين الحبوب. لم نجد فيه أيضاً أي أثر للحياة، واصلنا الاكتشاف فانطلقنا إلى المبنى الآخر... المباني كانت تبعد عن بعض مسافةً طويلة، في المبنى الثالث الذي كان صغيراً - حوالي غرفتين فقط - لم نجد أحداً سوى بعض الأمتعة القديمة، كنت في هذا الاكتشاف أبحث عن مكان يصلح لنخيم فيه، فقد كان الجبل يشتهر بالجو البارد في فترة المساء...
لم يبق سوى بنايتين فقط بالمزرعة وطاحونة قديمة، ربما كانت تستعمل لعصر الزيتون الذي كانت المزرعة تكتظ بأشجاره، أولها المبنى الرابع الذي كان كبيراً بعض الشيء، كأنه كان المنزل الأساسي لسكان المزرعة في العصور القديمة، كان المبنى مرتفعاً ومتماسكاً - فقد بني بالحجارة القوية- بحيطان بسمك نصف متر تقريباً، بابه كبير من الأخشاب القوية المتحجرة... دفعنا الباب ففتح... ودخلنا إلى ذلك المنزل الرهيب المفزع... زاد شعورنا بالرهبة والخوف، رغم أننا مازلنا في منتصف النهار، كانت كل أفكاري تحوم حول إسدال الظلام لخيوطه في تلك المزرعة... وصدقوني: فقد ارتعدت أوصالي بمجرد التفكير في ذلك... توزعنا داخل ذلك المبنى، الكل دخل إلى حجرة عندما انطلقت تلك الصرخة!!
كان صوت الصرخة قد انطلق من أحد الغرف، وكان باسم هو الذي يصرخ، أسرعت إلى تلك الغرفة مصدر الصوت... لأجد عماد وقد اندفع إلى تلك الغرفة التي وجدنا فيها باسم يقف مشدوهً جامداً... وكأنه قد تحول إلى تمثال، فصرخت فيه: باسم... باسم ما الذي حدث؟؟ فأشار إلى أحد الشقوق بالجدار، نظرنا إلى حيث أشار... ولكن لم يكن هناك شيء يستدعي الإنتباه، كان الشق عادياً في داخل الحجارة بسبب تصدع من أثر العوامل الزمنية، فقلت له: ماذا... ما الذي حدث؟؟ فقال: هناك ثعبان ضخم دخل إلى هذا الشق.
لم يكن الأمر غريباً... فالمزرعة مهجورة والجبل لا يخلو من وجود ثعابين... لكن ربما كان للأسطورة التي تدور حول هذه المزرعة دور كبير لإثارة هذا الإستغراب والفزع، فقلت له في محاولة لتهميش الموقف: وما الغريب؟؟ الثعابين في كل مكان من هذا الجبل!! فقال: لكن هذا الثعبان كان كبيراً جداً ولا أعرف كيف دخل في هذا الشق!! كان لوقع كلماته زيادة في تحريك مشاعر الرعب في أعماقنا، قلت لهما: هيا لنخرج ونكمل بقية الاستكشاف. وقد استبعدت فكرة قضاء الليل في ذلك المنزل بعد وجود هذا الثعبان.
خرجنا من ذلك البيت وشعور غريب يراودني... هناك من يراقبنا، لكني لم أخبر رفيقي حتى لا أثير مزيداً من الفزع، لم يعد هناك سوى مبنى آخر كبير وطاحونة فقط، انطلقنا إلى ذلك المبنى ونحن نأمل أن نجد الرجل العجوز... فوجوده قد يبث نوعاً من الطمأنينة المفقودة، كان المبنى الآخر أكبر مبنى بعكس توقعنا، وجدنا الباب مقفلاً... وبعد محاولات بسيطة، إستطعنا فتح القفل الذي كان عبارةً عن ترباس من الداخل يحركه مسمار عادي، ويبدو أنه قد تم صيانته أو تم تركيبه حديثاً... المهم أن المبنى كان من الداخل نظيفاً لا توجد فيه أي حشائش، وقد حصل على عملية ترميم، شملت الشقوق بالجدران التي تم تغطيتها بطبقة من الإسمنت، كذلك أبواب الغرف كانت من الخشب الحديث الذي يختلف عن أبواب الغرف بالمباني السابقة، يوجد خمس غرف بالمبنى وغرفة صغيرة تستعمل دورة مياه، تم استطلاع الغرف بشكل سريع، وكانت من الداخل أجمل منظراً من الخارج، فقد كانت آثار الصيانة واضحةً وتم إقفال كل الشقوق بالإسمنت، بيني وبين نفسي قررت أننا سوف نخيم في هذا البيت، على الأقل أبوابه تقفل والجدران لا توجد بها ثقوب تحوى ثعابين، حجرة واحدة كانت مقفلة بأحكام، فقد كان قفلها حديثاً، قال باسم: أعتقد أنها حجرة الرجل العجوز.
الغريب أنه لا يوجد أي أثر للحياة في ذلك البيت، صحيح أنه نظيف وكل شيء يوحي بوجود سكان به، لكن ربما من فترة طويلة لم يرتاده أحد، قلت لباسم: أرى أن تذهب وتحاول إحضار السيارة إلى هنا، لأننا سوف نقيم في هذا البيت.
قال عماد: فكرة جيدة، سوف أذهب معه لتمهيد الطريق للسيارة.
قلت لهما: أنا سوف أذهب إلى تلك الطاحونة.
إنطلق باسم وعماد إلى السيارة، وانطلقت إلى تلك الطاحونة التي كانت لا تبعد سوى حوالي مائتي متر، منظرها جميل جداً لكنه يثير شيئاً مرعباً في النفس، ولو أن الشمس لم تكن مازالت في السماء، لفكرت مائة مرة قبل أن أعرض فكرة الذهاب إلى الطاحونة، انطلقت إليها وأنا أحادث نفسي وألومها على بعض الأمور التي تحدث لي... والتي أحشر نفسي فيها، لا أعرف لماذا أشعر بلذة في الشعور بالرعب، رغم خوفي الشديد وما ينتابني أحياناً... ولكني أجد نفسي وقد أقحمتها في أشياء أنا في غنى عنها... المهم أني وصلت إلى مبنى الطاحونة، كان بابها من الجهة الأخرى التي لا تواجهني، درت إلى تلك الجهة لتنتابني رجفة قوية لما شاهدته، فقد كان ذلك العجوز واقفاً بشعره الأبيض ومنظره الذي يثير الرعب، قلت له:
- السلام عليكم ورحمة الله. نظر إلي نظرةً غريبةً مستغربةً... فأعدت إطلاق السلام عليه وبصوت عالي، عندها تكلم العجوز ورد السلام ولكن بهمهمة لم أفهمها، ثم قال:
- من أنت وماذا تفعل هنا؟؟
فقلت له أني حضرت مع باسم.
فقال: آه... باسم وأين هو الآن؟؟ لقد أخبرني عنه أبوه.
قلت له: هل تقيم هنا في هذه الطاحونة؟؟
قال: نعم ومن زمن طويل. ودخل إلى الطاحونة... فدخلت وراءه، كانت تتكون من غرفة صغيرة وبجوارها غرفة أصغر منها بها أمتعة العجوز، جلس على فراشه ولم يعد يعيرني أي اهتمام... وكأني لم أكن موجوداً، فقلت له:
- مع السلامة يا حاج، أستأذنك... أريد الذهاب إلى رفاقي.
لم يعرني اهتماماً وكأنه لم يسمع كلامي، وعندما خرجت قال:
- احذروا من القطة السوداء والقطط الحمراء.
كانت كلماته غريبةً ولم أتوقعها، رغم تلك الرجفة التي بثتها في أوصالي، لكني تمالكت نفسي وقلت:
- أي قطط يا حاج؟؟؟
لم يلتفت إلي... فخرجت من عنده والتساؤلات تملأني... هذا العجوز أطلق تحذيراً من قطة سوداء وقطط حمراء، حقيقةً... ملأ الخوف نفسي... فيا ترى: هل لذلك علاقة بالأسطورة؟؟؟
"لا أعتقد، لابد أن هذا العجوز يخرف" أردت أن أطمئن نفسي بهذا التعليل، ومع ذلك... موجة القلق لم تغادرني.
وصلت إلى حيث كان عماد وباسم قد أحضرا السيارة بقرب البيت الكبير، وفي أفضل غرفة فيه... أنزلنا أمتعتنا، قمنا بفرش تلك الغرفة وإعداد مخادعنا، فالجو يصبح بارداً جداً في الليل، وأنزلنا مصابيح الغاز ومصابيح البطاريات، وبعد أن تم إعداد وجبة من الأكل، تم الانتهاء منها حوالي الساعة الخامسة، جمعت بين غداء وعشاء، بحيث لم يعد هناك من الوقت إلا حوالي ساعة ونصف وتغيب الشمس على إثرها، انطلقنا في إكمال بقية رحلة الاكتشاف، وأخبرتهم عن العجوز ولكني لم أخبرهم عما قاله حول القطة السوداء والقطط الحمراء، حتى لا أثير موجةً من الرعب نحن في غنى عنها، كانت الأشجار كثيفةً والمزرعة جميلةً جداً، ولولا تلك الأسطورة لكانت جنة الأرض، وذلك من تلك الطبيعة التي تحيط بها، قلت لباسم:
- هل تعرف العجوز؟؟
قال: لا، لكن والدي أخبرني عنه أنه ثقيل السمع، لا أقارب له، ومن فترة طويلة وهو في هذه المزرعة، أي أن أبي وجده فيها من أيام جدي.
فقلت له: وهل يتقاضى مبلغاً من المال لقاء ذلك؟؟
قال: نعم... ولكنه مبلغ بسيط، يسد به متطلباته البسيطة من أكل وغيره، وأحياناً يبيع من الزيتون وفواكه المزرعة، فقد سمح له والدي بذلك.
كنا نتكلم ونحن في طريق العودة إلى ذلك البيت، وكانت الشمس تودع آخر أشعتها... عندما خيل لي أن هناك شيئاً قد تحرك بين الأشجار من خلفنا، التفت بسرعة...
لألمح قطةً سوداء... أو حيواناً صغيراً أسود، المهم أن شيئاً صغيراً أسوداً تحرك، ربما لأن سماعي عن القطط من الرجل العجوز جعلني أتخيلها قطة، لكن كانت تبدو كذلك... إرتعدت أوصالي... منظر القطة السوداء له شعور خاص، فأغلب القصص المرعبة كانت تجسد الرعب في القطط السوداء، وكل حكايات العفاريت تتحاكى عن القطط السوداء، ولا يخفى عنكم، فمنظرها بعد غياب الشمس يثير الرعب حتى في المدينة... فما بالكم في مكان موحش مثل هذه المزرعة، لاسيما بعد ما سمعت عنها من رواية... وما قاله العجوز عن القطط!!
لاحظ باسم التفاتتي السريعة، فقلت له: هل رأيت شيئاً؟؟ فأجاب بسرعة: لا، مثل ماذا؟؟
نطقها بنبرة خاصة تعبر عن تأجج في مشاعر الخوف في أعماقه، ففضلت السكوت عندما رأيت نظرات عماد الحائرة، لم أكن أريد أن اخلق مناخاً مرعباً من أول يوم.
إستمرينا في المسير، كنت أسرق النظرات إلى الخلف وشعور يراودني أننا مراقبون... ومن تلك القطة، أخيراً وصلنا إلى ذلك البيت الكبير الذي بدا شامخاً، وكأنه قصر من قصور الأساطير، ونعتبره كذلك... ألم تدُر أحداث هذه الأسطورة هنا في هذه المزرعة؟؟ أليست هذه هي مزرعة ليلى التي جسدتها تلك الأسطورة؟؟ حتى وإن كانت تلك الأسطورة من ضرب الخيال، إلا أن الزمان والمكان كانا من الدوافع القوية على تأكيدها... وقفنا أمام باب البيت قبل أن ندخل نتأمل تلك المزرعة من الداخل، بعد غياب الشمس وبعد أن بدأ الظلام يسدل ستاره من السواد، لقد بدت مرعبةً جداً، منظر الأشجار المتكاثف وتلك الأصوات لبعض الحشرات، ومن بعيد كنا نسمع عواء الذئاب، إضافةً إلى ذلك الشعور الذي كان يعصر أعماقي... الشعور النابع من الحاسة السادسة... الشعور بأن هناك أحداثاً هائلةً مرعبةً سوف تحدث... الشعور بأن هذه المزرعة - رغم جمالها الذي رسمته الطبيعة وألبستها أجمل ثوب من الأشجار - تحوي في داخلها رعب الدنيا، نظرت إلى كل من باسم وعماد لأجدهما قد غرقا في التأمل... ربما كانت نفس الأفكار تدور في رأسيهما: لا ندري كيف يعيش هذا الرجل العجوز في هذه المزرعة وبمفرده؟؟ ذلك يؤكد أحد الأمرين: إما أن يكون قد فقد عقله، وإما أن يكون شجاعاً جداً... وهنا قفز إلى عقلي أمر آخر جعل رعشة أخرى تنتابني، لكني كتمته في نفسي.
قلت لباسم وعماد بصوت حاولت أن أحمله نبرات المداعبة: هيا لندخل قبل أن تأتي ليلى وتطردنا من البيت.
ضحك كل منهما ضحكةً عصبيةُ لا تعني شيئاً، دخلنا إلى البيت وكان صوت ذلك المواء في استقبالنا من وسط البيت، قفز باسم الذي كان أول من دخل قفزةً تقهقريةً إلى الخلف، كاد يقع بعد أن اصطدم بعماد، أما نصيبي فكان تلك الرعدة في أوصالي... نظرت بسرعة إلى أعلى حائط البيت، فقد كان من الوسط غير مسقوف... ولكن كان ما شاهدته مجرد بومة كانت تصدر صوت المواء المشابه لصوت القطط، ضحكت على ذلك وضحك رفيقاي، ثم قال باسم: كان صوت المواء مفاجئاً، لم أتوقع وجود قطة في البيت.
جلسنا في الحجرة التي خصصناها مكاناً للإقامة، بعد أن أغلقنا باب البيت وأوقدنا مصباح الغاز الذي كان يصدر ضوء قوياً جعلنا نشعر بالطمأنينة، قال عماد: سوف أعد لكم سندوتشات للعشاء، وهذا أسرع من أن نقوم بالطبخ.
بعد أن تعشينا وشربنا الشاي، كان الجو قد بدأ بالبرودة التي اشتهرت بها المنطقة الجبلية، جلسنا في الغرفة... وجلس كل واحد على فراشه... وتدثرنا بالأغطية... وبدأنا نتسامر... وغرقنا في أحاديث بيننا. كانت الهوة بيني وبين باسم تتقارب وتزول... وذلك الشعور بالجفوة يتهاوى، لأكتشف أن باسم شخص ممتاز، وأن الفكرة التي كنت قد كونتها عليه غير صحيحة... واستمرت المسامرة إلى ساعة متأخرة من الليل، عندما بدأ النعاس يداعب أجفاني، قام باسم إلى مصباح الغاز ليغلقه ولكن إلى درجة ضعيفة جداً، بحيث يكون ضوءه خافتاً، ووضعه قرب باب الغرفة الذي لم يغلقه إغلاقاً كاملاً، ليتسنى دخول الهواء حتى لا نختنق من احتراق الأكسجين في مصباح الغاز... وحتى الباب كان لا يخلو من الشقوق التي تدخل الهواء البارد... المهم استغرقنا في النوم وكانت أول ليلة نقضيها في المزرعة.
كنت أركض في تلك المزرعة وتلك القطة السوداء تطاردني، كنت أركض واصرخ طالباً النجدة ولكن لا أحد يلبي النداء، انطلقت إلى الطاحونة لعلني أجد الرجل العجوز، لأجد مجموعةً من القطط الحمراء تعترض طريقي، توقفت لتقفز تلك القطة السوداء في رأسي، صرخت بأعلى صوتي... لكن صوتي لم يصل حتى إلى حنجرتي، قفزت لأجد نفسي في ظلام دامس، صرخت: باسم... عماد... بااااااسم... عمااااااااااد. عندها سمعت صوت عماد يقول: يا الله يا الله، ماذا حدث؟؟ من أطفأ المصباح؟؟ باسم باسم. قال باسم: بسم الله الرحمن الرحيم، ماذا حدث؟؟ انطلق نور من ولاعة عماد لنشاهد بعضنا... وتم تشغيل أحد المصابيح اليدوية عن طريق باسم.
قلت لنفسي بصوت مسموع: يا الله... لقد كان كل ذلك مجرد كابوس.
ضحك عماد وقال: الحمد لله، لم نصب بالعمى، أرعبتنا... لقد كنت تصرخ بصوت عالي، وعندما فتحت عيني وجدت أن الغرفة في ظلام دامس فزاد ذلك من رعبي.
ضحكنا لما حدث، لكن عماد قال وهو يتفحص المصباح الغازي: ولكن من أطفأ المصباح؟؟
كان سؤالاً في محله أثار موجةً من القلق، خاصةً عندما قال عماد أنه تم إغلاقه، قلت بأني لم أغلقه... وكذلك قال باسم، عند ذلك توتر الجو، فقال عماد وهو يوجه لي الحديث: أهو أحد مقالبك؟؟
أقسمت له أني لم أفعل... وكذلك أقسم باسم وأقسم عماد... عند ذلك فقط اشتغلت حواسنا السمعية بعد أن توقفنا عن الكلام، لنسمع أصوات الذئاب تأتي من بعيد.
كانت الساعة حوالي الثانية والنصف ليلاً، وعن الصباح تفصلنا حوالي أربع ساعات لن نقضيها مستيقظين. قلت لهم ذلك... رجعنا إلى مخادعنا في محاولة إلى النوم من جديد رغم صعوبة ذلك في ظل ما حدث، ولكن المصباح أعاد الطمأنينة، كذالك وجودنا معاً كان يضفي الأمان... مضت حوالي ساعتين، بدأت بعدها أشعر بالنعاس، كان باسم وعماد قد استغرقا في النوم... فقد علا شخير عماد وانتظمت أنفاس باسم... وبدأ النوم يداعب أجفاني... عندما خيل لي أن هناك مايحرك باب الغرفة... شيء مثل خشخشة مخالب...
عندها تجمدت الدماء في عروقي ولم أستطع التحرك من مكاني، كان الصوت واضحاً، لم أتخيل ولم أتوهم، لقد كانت مخالب قطة تخشخش على الباب... وكأنها تريد أن تدفعه ليفتح، ربما لو كانت في الظروف العادية فالأمر عادي جداً... فالقطة لا تخيف وأغلب البيوت تعيش فيها القطط... لكن ليس في هذه المزرعة التي هي عنوان كبير للرعب... وليس بعد التحذير الذي سمعته من العجوز عن القطط.
الرعب درجات... وأعتقد أنه قد بلغ بي أقصى درجة، جميع أوصالي كانت ترتعش... فقد كنت أقرب واحد من الباب... صحيح أن المصباح كان لا يزال مضيئاً بضوء خافت، إلا أن الموقف كان مرعباً أكثر من أن يطمئنك الضوء... أردت أن أصرخ وأنادي زميلي لكني لم أستطع، لقد تجمد حلقي وجف وشل لساني من الرعب، أفكار سوداء كانت تهاجمني، كنت أتمنى أن أحصل على قدر كاف من الشجاعة تمكنني من الوقوف وفتح الباب والنظر إلى مصدر الصوت، لكني لم ولن أستطيع... فقد كان الرعب اكبر. ورغم أني لم أشاهد شيئاً إلا أن الخشخشة كانت دليلاً على وجود قطة... أخيراً قاومت رعبي وخوفي الشديدين، جلست وأوصالي ترتعد وقد أطلقت أصواتاً من حنجرتي بمختلف الألحان، مثل الحنحنة والهمهمة والتعوذ من الشيطان... ومددت يدي إلى المصباح لأزيد من تقويته، فأنبعث منه نور قوي بث بعض الطمأنينة في نفسي، قررت أن أستطلع الأمر وأفتح الباب، كان صوت الخشخشة قد توقف... فقمت إلى الباب وأنا أسعل سعالاً مرتفعاً في محاولة لإيقاظ رفيقي... ولأطمئن نفسي، فتحت الباب... لكن لم يكن هناك أحد على الإطلاق، نظرت إلى الأعلى لكن لا أحد، رجعت إلى فراشي وأغلقت الباب ووضعت خلفه حقيبةً كبيرةً... بعدها لم يداعب النوم جفني حتى شاهدت أشعة الشمس تتسلل من شقوق الباب، عندها فقط استسلمت للنوم.
حوالي الساعة العاشرة استيقظنا، كان الجو غير طبيعي في تلك المزرعة الساحرة التي لبست أجمل أثواب الطبيعة، الجو هادئ جداً والسكون يخيم في كل أرجائها، جلسنا لنفطر... وحكيت لهم ما حدث معي ليلة البارحة، وكانت الدهشة من نصيبهم، قال عماد:
- لماذا لم توقظنا... ولكنك خيراً ما فعلت، فلو أني سمعت هذه الخشخشة لأغمي علي من الرعب هههه.
إشراق الشمس وضوء النهار كانا يساعدان على التندر والتفكه، وبعد تناولنا للإفطار، كان برنامجنا يحوى خروجنا في رحلة تفقدية، تشمل جميع أرجاء المزرعة، بما فيها الطاحونة، مأوى الرجل العجوز الذي كنت أريد أن اطرح عليه الكثير من الأسئلة، كانت المزرعة - رغم امتداد مساحتها الكبيرة - تغطيها الأشجار المثمرة، ولولا هذه الأسطورة لكانت جنة الله في الأرض، هناك شيء ما في هذه المزرعة، شيء مرعب... كانت تلك الأفكار تدور في رأسي عندما انتزعني منها عماد، وقال:
- لا تذهب بعيداً بأفكارك، فكل الأساطير يتم المبالغة كثيراً في أحداثها لأنها تتناقل عبر الأجيال... وكل واحد يرويها بطريقته، طبعاً بعد أن يضيف عليها الكثير، وأعتقد أن أسطورة المزرعة وعبد القادر مجرد خرافة متناقلة، وما حدث لنا كان إيحاء ناتجاً عن سماعنا لهذه الأسطورة.
كان كلام عماد منطقياً إلى حد ما، ولكني بتلك الأحداث التي شاهدتها في جبل أكاكوس... كنت أتوقع حدوث أي شيء، لذلك لم أعلق على كلامه.
كان باسم قد أعد لنا كل الأغراض، فقد كنا نعتزم أن نقوم بشواء اللحوم التي أحضرناها معنا... وانطلقنا إلى داخل المزرعة... وفي ركنها الجنوبي وتحت أشجار الزيتون الضخمة قررنا أن نتوقف هناك، جمعنا الحطب الذي كان متوفراً بكثرة وأوقدنا النار، قام عماد بالتكفل بشواء اللحم وإعداد بعض السَّلَطات المشوية... وكانت وجبة شهية جداً، الجو كان جميلاً جداً، ساعات عديدة مرت بسرعة ولم نشعر بها، فقد كنا نتسامر ونحكي قصصاً قديمةً وأحداثاً ومغامرات... ولم ننتبه إلا والساعة حوالي الخامسة مساء، عند ذلك قلت لهما:
- هيا، يجب أن نزور الرجل العجوز، لقد سرقنا الوقت ولم ننتبه إلى مروره.
عرجنا على البيت حيث وضعنا أغراضنا.. وانطلقنا مرةً أخرى إلى الطاحونة القديمة لمقابلة الرجل العجوز الذي يحيط به الغموض، وصلنا إلى الطاحونة فوجدنا بابها مغلقاً، طرقنا على الباب ولكن لم يجب أحد، قلت لهما: ربما يكون العجوز نائماً، فسمعه ثقيل ولن يتمكن من سماعنا.
دفع باسم الباب ودخلنا ولكنه لم يكن موجوداً، بينما كانت أغراضه موجودة، قال باسم بأنه ربما يكون قد ذهب إلى القرية المجاورة لإحضار بعض أغراضه، جلسنا داخل تلك الطاحونة القديمة، كنت أحمل معي الكاميرا... فالتقطنا بعض الصور، تبدو فيها الطاحونة قطعةً أثريةً جميلة، كنت أتمنى أن يأتي العجوز فهناك الكثير من الأسئلة أريد أن أطرحها عليه... ولكن طال انتظارنا حتى أن الشمس أوشكت على المغيب ولم يحضر، عندها قلت لهم:
- لا أعتقد أن العجوز سوف يحضر، يجب أن نرجع إلى البيت... فبعد قليل سوف يخيم الظلام ولن نتمكن من أن نسلك طريق العودة... فلم نحضر معنا مصباحاً كهربائياً، كذلك الجو بدأ في البرودة الجبلية الشهيرة.
وافق صاحبي على كلامي... وانطلقنا عائدين إلى البيت، وعند وصولنا كانت هناك مفاجأة في انتظارنا... فقد وجدنا جميع أغراضنا موضوعةً أمام البيت، انتابتني رعشة شديدة... بينما صرخ عماد:
- يا إلهي... من فعل ذلك؟؟؟
قال باسم: قد يكون هناك لصوص.
إنطلقنا نجري وندور على البيت ولكن لا يوجد أحد... صرخ عماد وقال: السيارة.
انطلقنا إلى حيث توجد السيارة ولكنها كانت موجودةً حيث ركناها، قال عماد:
- لن نتركها هنا، سوف نحاول ركنها إلى جانب البيت.
قام بتشغيلها... وكنت مع باسم نمهد له الطريق ونزيل الصخور، وبعد أن وصلت السيارة إلى جانب البيت، أدخلنا أغراضنا مرةً أخرى... وفحصناها ولكن لم يكن هناك شيء منها مفقود، كانت حادثةً غريبةً، من فعل ذلك!! لم يكن هناك أحد بالمزرعة سوانا والرجل العجوز، قلت لهما:
- هناك أحد يعبث معنا، أيكون الرجل العجوز من فعل ذلك؟؟ ربما... فهذا العجوز المريب لا يدعو إلى الاطمئنان.
كان ما حدث قد كدر علينا صفونا، خاصةً بعد أن خيم الظلام ولم يبقى سوى ضوء النجوم فقط، فلم تكن تلك الليلة مقمرةً، وضعنا عدة توقعات ولم نستطع أن نتجاوز الحدث، فلو أننا لم نكن مع بعض وغاب أحدنا... لكانت أصابع الاتهام تشير إليه على أنه نوع من المقالب... ولكننا كنا مع بعض ولم نفترق، وعندما رجعنا إلى البيت قبل أن نذهب إلى الطاحونة... كانت أغراضنا موجودةً داخل الغرفة، قال باسم:
- إنه العجوز، لابد أنه تضايق من وجودنا في مملكته، واعتبرنا أجساماً غريبةً، فأراد أن يخيفنا... هههههههه... ولكننا لن نخاف من ذلك.... هههههههه...
كان يحاول أن يبث نوعاً من الطمأنينة، فجاريناه بضحكات مصطنعة... والقلق والخوف يعتصرنا، فنحن لا نعرف ماذا سوف يحدث في هذه الليلة، كنا نجلس في تلك الغرفة التي أوقدنا فيها مصباحاً غازياً، نحاول أن نتجاوز ما حدث... ونقنع أنفسنا بأن ما حدث كان من الرجل العجوز غريب الأطوار... وكدنا أن نقنع أنفسنا... عندما لاحظت نظرات الدهشة والرعب والجمود الذي طرأ على وجه باسم... وهو ينظر إلى وسط البيت عبر باب الغرفة الموارب( أي غير محكم الغلق)، وقد انتبه عماد إلى ذلك أيضاً... فانطلقنا بعيوننا إلى حيث كان باسم ينظر لترتعش جميع أوصالنا....
فقد كانت قطةً سوداء، تتمسح على الجدار المقابل للغرفة التي نقطنها، ورغم حالة الرعب التي انتابتنا... حتى لتكاد تسمع دقات قلوبنا بعد أن كتمنا أنفاسنا... إلا أن منظر القطة كان عادياً جداً، لاشيء يميزها غير لونها الأسود... ولولا تلك الأسطورة وما سمعناه عن القطط، لكان الموضوع عادياً جداً... ولما أعرناها أي اهتمام... ولكن الموقف كان مختلفاً تماماً.
لحظات بسيطة وخرجت القطة من باب المنزل الذي لم نقفله بعد، خرجت وتركتنا في دهشة ورعب وحيرة... وكأن المشهد توقف للحظات لم نتكلم فيها، لكن عماد قطع جدار الصمت فقال: إنها قطة عادية طبيعية، وليس غريباً أن تكون بالمزرعة قطط، نحن لم نشاهد حيواناً أسطورياً، إنها مجرد قطة صغيرة تبحث عن طعام... كما أن العفاريت لا تخرج بهذه الصورة ليراها عدة أشخاص.
كانت لكلماته بعض الآثار الطيبة في نفوسنا، فقد أنحلت عقدة ألسنتنا... وقال عماد أنه سوف يضع بعض الطعام للقطة إذا عادت لتأكله، أما باسم فلم يتكلم ولم يعلق على ذلك وكان غارقاً مع نفسه... قطعت عليه ذلك وقلت له: باسم في ما تفكر؟؟ فقال: لا شيء. أخذت مصباحاً كهربائياً قوياً وأخبرتهم بأني سأخرج إلى خارج البيت لإحضار الكاميرا من السيارة... فقد تركتها هناك، كانت هناك فكرة تراودني وهي أن أقوم بتصوير القطة، وكنت أريد أن أخرجها إلى وضع التنفيذ، طبعاً الفكرة مجنونة جداً، فقد سمعت أن الجن المتمثلون في شخصيات أخرى أو حيوانات لا تلتقطهم الكاميرا، لأنهم يكونون مجرد انعكاس واحد لبعد واحد... وليس لثلاث أبعاد مثل ما يحدث مع الأجسام المادية ( طول . عرض . إرتفاع )،
والإنعكاس لا يتم رؤيته لغياب أحد أبعاده، مثل انعكاس صورتك... لا تراه إلا في المرآة أو على الأرض على شكل ظل... ولذلك ورغم الرعب الذي ينتابني، إلا أنني تشجعت وخرجت أحمل المصباح القوي، لأنطلق نحو السيارة... كنت أعلم أن السيارة قريبة، ولو أنها كانت في موضعها السابق لما تجرأت على الذهاب نحوها. عند خروجي من البيت أطلقت ضوء المصباح القوي إلى عدة اتجاهات في محاولة مني لجلب بعض الطمأنينة... ولكن لاشيء غير الأشجار.
وصلت إلى السيارة، أخرجت الكاميرا وجلبتها معي، ثم انطلقت عائداً إلى البيت وأنا أطلق الضوء في كل الإتجاهات... وفي اتجاه الأشجار... شاهدت عيوناً ناريةً تنعكس على ضوء المصباح، لكني تجاوزتها بسرعة وقلت لنفسي: هي عيون ثعلب أو ذئب... فهي التي تعكس الضوء فتشاهدها وكأن النار تنطلق منها... وهي فقط تعكس الضوء، وأصدقكم القول بأني لم أعد الضوء إلى نفس الاتجاه لأني كنت أخشى أن أرى أي شيء آخر. دخلت إلى البيت فوجدت عماد وباسم لا يزالان جامدين في مكانيهما، كانت عيونهما حائرةً ونظراتهما زائغةً بعض الشيء، قلت لهما: ماذا حدث؟؟
فقال عماد: إن القطة عادت ولكنها لم تقترب من الطعام الذي وضعناه لها، بل اكتفت بالنظر إليه، وبعد ذلك خرجت، وكان ذلك قبل دخولك بثوان... ألم تشاهدها عندما دخلت؟؟
قلت لهما: لا - وأردت أن أضفي جواً من المرح، فقلت - إن الفئران كثيرة بالمزرعة، لذلك لم يعجبها طعامنا.
مرت تلك الليلة بسلام، ولم تقع فيها أي أحداث أخرى... وفي صبيحة اليوم الثاني كان الجو أكثر هدوءً وجمالاً، وكنا قد تعودنا على المكان، لذلك أمضينا فترة الصباح في التنقل والاستطلاع والتقاط الصور... وبعد الظهيرة كان برنامجنا أن نذهب إلى القرية القريبة لإحضار بعض اللحوم، فقد كان أجمل شيء في تلك المزرعة هو شواء اللحوم على الحطب المتكون من الأغصان اليابسة، فلكل شيء حينها رائحته المميزة: الشواء والنار. بعد الظهيرة كنا نستعد للذهاب إلى القرية المجاورة كما كان مقرراً، ولكن عندما جهزنا السيارة وأردنا الانطلاق... فاجأنا باسم الذي قال أنه لن يذهب معنا وسوف يبقى بالمزرعة، وربما يذهب إلى الرجل العجوز لاستطلاع بعض الأمور، مثل البحث في مسألة تغيبه عن المزرعة وهو مكلف بواجب حراستها ..
كان قراراً مفاجئاً لم نحسب حسابه، فلم نكن نتوقع ذلك لا أنا ولا عماد، قلت له: كيف ستبقى وحيداً في هذه المزرعة، ربما تأخرنا عنك لأي سبب من الأسباب وخيم الظلام، وأنت تعرف هذه المزرعة وما يدور عنها من قصص.
تغير وجه باسم ولكنه قال بصوت ضغط على كل حروفه: أتحسب أني أخاف البقاء وحيداً؟؟ لا شيء يرعبني. قال ذلك بنوع من التحدي الخفي، مما جعل عماد يقول: لا مشكلة... انتبه فقط وكن حذراً، ربما يوجد لصوص بالمكان... ثم أضاف: هيا لننطلق.
ذهبت مع عماد - الذي كان يقود السيارة - وأنا في حيرة من موقف باسم!! ما الذي جعله يتصرف هكذا؟ لم يكن لي اختلاط معه من قبل... ولكن من خلال تحليلي لشخصيته، كنت أدرك جيداً أنه ليس لديه الشجاعة الكافية للبقاء وحيداً في مثل هذه المزرعة، وتصرفه هذا لا يخلو من الغرابة. قال عماد عندما شاهدني غارقاً في التفكير: لقد فوجئت مثلك بتصرف باسم، لكني أعرف أنه عنيد جداً في بعض المواقف، لذلك تعمدت أن لا أجادله.
ذهبنا إلى تلك القرية الجبلية القريبة من المزرعة... والتي كانت آيةً في الجمال من طلتها على البحر، فهذه القرية محل النجع الذي كان فيه عبد القادر، ولابد أن يكون أحفاد قاسم من سكانها، المهم... قمنا بجولة في أنحاء القرية واشترينا بعض الأغراض التي اشتهر بها الجبل، مثل العسل واللبن ونبتة تسمى التيه توضع بالشاي لتضفي عليه طعماً لذيذاً جداً، إشترينا كذلك كميةً من لحم الماعز الجبلي لذيذ الطعم... والتقطنا بعض الصور... ثم انطلقنا عائدين إلى المزرعة، ولم يأخذ المشوار منا ذهاباً وإياباً سوى أربع ساعات فقط، وصلنا إلى المزرعة وأنزلنا الأغراض، كانت الساعة حوالي السادسة مساءً ولا يفصلنا عن غروب الشمس سوى ساعةً من الزمن، وغروب الشمس كان يعني الكثير في تلك المزرعة، دخلنا فلم نجد باسم، نادى عليه عماد ولكن لم يكن موجوداً، بحثنا عنه في الغرف - فربما كان يفعل ذلك من أجل المزاح - ولكن لم يكن موجوداً، قال عماد:
- ربما يكون قد ذهب إلى حيث يقطن الرجل العجوز.
وضعنا أغراضنا ولحقنا به إلى هناك، نريد رؤية هذا العجوز لمعرفة من قام بنقل أغراضنا، أخذت معي مصباحاً كهربائياً وكذلك فعل عماد، لأننا كنا نخشى أن يخيم الظلام ونحن بعيدون عن البيت، وصلنا إلى الطاحونة القديمة، كان الباب موارباً وليس مقفلاً، طرقنا عليه ونادينا على باسم ولكن لم يجب أحد، دفعنا الباب ودخلنا ولكن لم يكن هناك أحد، غريب ذلك؟؟ أين باسم؟؟ الرجل العجوز لم نستغرب غيابه، فهو غريب الأطوار... لكن باسم... أين يكون قد ذهب يا ترى؟؟
بحثنا في الجوار ولكن لم نجده، قال عماد:
- ربما يكون يعد لنا مقلباً، فدعنا ننتظر قليلاً داخل الطاحونة.
جلسنا على مقاعد خشبية في حجرة العجوز التي كانت أغراضه تنبئ بتواجده إلى عهد قريب أو لساعات قليلة فقط، كنت أتمنى أن أفتش أغراضه، لكن أخلاقي كانت تمنعني، رغم شغفي الشديد في اكتشاف ذلك العجوز... فقد كانت هناك حقيبتان تحت السرير وصندوق خشبي كبير مقفل ورفوف كثيرة مصنوعة من الخشب، وضعت عليها الكثير من الأغراض، كانت مثل الدواليب الحائطية وبعضها له أبواب.
عجباً... أيكون العجوز من صنع كل ذلك؟؟ أليس غريباً هذا العجوز؟ حتى ببقائه وحيداً في هذه المزرعة... فحتى لو لم تكن هناك هذه الأسطورة، لما استطعت أن أبقى وحيداً، كان ليقتلني الصمت والسكون، قال عماد بعد أن مضت حوالي ربع ساعة على تواجدنا بالطاحونة: هيا لنبحث عن باسم، فقد ساورني القلق من حدوث أي مكروه له.
أصابت كلماته الصميم لينتقل قلقه إلي، خرجنا من الطاحونة وكانت الشمس تودع آخر بصيص من أشعتها، كان السكون يخيم على أرجاء المزرعة الأسطورية... والتي ابتعد عنها البشر خوفاً من تلك الحكايات التي تدور عنها، وها نحن في قلب الحدث، لا أعرف ما الذي دفعني إلى الموافقة على هذه الرحلة المجنونة... كنت أحادث نفسي بذلك عندما قال عماد: لدي إحساس أن هناك شيئاً غريباً سوف يحدث. قلت له: كفانا الله شر إحساسك هذا. ولا أخفيكم: أنا أيضاً يساورني قلق مبهم... لم يمضي على غياب الشمس سوى دقائق معدودة ونحن ننطلق في طريق العودة إلى المنزل لنبحث عن باسم، ورغم ذلك كنت أشعر أننا متبوعان أو مراقبان، كنت طوال الطريق ألتفت وكأن هناك من سيهاجمني من الخلف... وعندما دخلنا في وسط أشجار الزيتون... اعتلتني تلك الرجفة وارتعدت جميع أوصالي
عندما سمعنا صوت مواء، مواء بدا كأنه حزين، توقفنا عن السير لنتلفت إلى مصدر الصوت... وقد بلغ منا الرعب كل مبلغ، لكننا لم نشاهد أي قطة، فقلت لعماد في محاولة لاختراق وتجاوز الموقف: لعل الصوت صوت بومة، فهي أيضاً تصدر نفس الصوت.
لكننا لم نشاهد أي بومة ولازال صوت المواء الحزين الذي بدا وكأنه يصدر من كل مكان... تارة يرتفع وتارة ينخفض... قلت لعماد: هيا بنا لنسرع، إنها مجرد قطة.
"بخخخخخخخخخخخ" ذلك الصوت الذي انطلق بعد أن قلت إنها مجرد قطة، انطلق بقوة ومن وراءنا مباشرةً... ولكن لاشيء على الإطلاق، ولولا قليل من الخجل من بعضنا لأطلقنا ساقينا للريح... إستعذنا بالله من شر الشيطان الرجيم وأسرعنا الخطى، ما يحدث في هذه المزرعة غريب عجيب، فهي ليست مجرد أساطير ولا حكايات، هناك رعب يقطن هذه المزرعة... لما لا تكون القصة التي تدور حولها قصة حقيقية، قد تكون هناك زيادة في رواية الأحداث، لكن لا دخان بدون نار... ولا أسطورة بدون حدث.
خرجنا من منطقة أشجار الزيتون لنشاهد المنزل من بعيد، وقد خيم عليه الظلام، قلت لعماد: لا يمكن أن يكون باسم في البيت وإلا لشاهدنا نور المصباح الغازي.
قال: لا... أكيد أنه في البيت، أنا أعرف باسم جيداً، إنه لا يحب أن يبتعد... والأكيد أنه قد أعد لنا مقلباً... فلننتبه جيداً حتى لا نكون عرضةً لسخريته الحادة.
وصلنا إلى البيت، الظلام كان قد خيم على كل شيء... وعندما دخلنا قمنا بإيقاد المصباح الغازي... وبالمصابيح اليدوية بحثنا في داخل المنزل وفي كل الحجرات... لكن لم يكن هناك أحد، عند ذلك ساورتني موجة كبيرة من القلق: أين يكون قد ذهب يا ترى!! وندمت لأني لم أعترض على بقائه... وعلى تركنا له وحيداً... فماذا لو أصابه مكروه؟؟ أما عماد فقد كان المسكين في حالة يرثى لها من القلق، وقد لاح ذلك من كلماته التي كانت تتعثر... فقد قال:
- أين هو؟ هيا نبحث عنه بالخارج، أخاف أن يكون قد أصابه مكروه... أو هاجمه اللصوص.
قلت له في محاولة لتهدئة روعه: لو أن هناك لصوصاً لكانوا قد استولوا على أغراضنا؛ ثم... لا أعتقد أن هناك لصوصاً يتجرؤون على الدخول إلى هذه المزرعة... ولكن هيا لنبحث عنه.
خرجنا إلى المزرعة ونحن ننادي على باسم، كان من المفترض أن يذهب كل منا في اتجاه، لتقصير فترة البحث... ولكن في هذه الأجواء المرعبة، لم تتطرق هذه الفكرة إلى رؤوسنا... فكنا ندور مع بعض وننادي عليه، لكن لا أحد؛ ذهبنا إلى المنزل الآخر ولم نجده، ثم ذهبنا إلى المبنى الذي وجدنا فيه الثعبان... وعند وصولنا إليه، كانت دقات قلبي ترتفع... هناك شيء في هذا المكان... شعوري ينبئني بذلك. وقفنا في باب المبنى - وحقيقةً كنا نخشى من الدخول، فهناك ثعبان بالداخل وربما هناك ثعابين أخرى - وكنا ننادي على باسم... لنفاجأ بباسم يجيب من داخل المبنى، عند ذلك اندفعنا إلى الداخل لنجد باسم واقفاً في وسط البيت، سلطت المصباح على وجهه للتأكد من أنه باسم... كان وجهه محتقناً بالدماء وعلى شفتيه ابتسامة شاحبة، قال:
- ماذا... لقد أفزعتكم... أليس كذلك؟؟ لم أكن أعتقد أنكم سوف تبحثون عني هنا، لقد أردت أن اعبث معكم.
قلت له: لم فعلت ذلك؟؟ لقد أقلقتنا عليك.
وقال له عماد أن ما فعله لم يكن لائقاً في هذه الظروف؛ فاعتذر باسم وقال أنه كان يمزح فقط.
إنطلقنا عائدين إلى البيت الذي نقطنه، شيء غريب الذي حدث،
ما الذي دفع باسم إلى ذلك؟
وكيف استطاع الدخول إلى ذلك المبنى الذي به الثعبان؟
والغريب أنه لم يكن يحمل مصباحه اليدوي...
فيا ترى: هل الحكاية كلها مجرد تلفيق وهي مقلب من مقالب باسم... وإلا كيف أستطاع الدخول إلى ذلك المبنى؟؟
لقد راودتني شكوك كثيرة في باسم، فهو من رأى الثعبان... وهو من حكى لنا القصة،
أيكون كل ذلك خيالي ومجرد مقلب... أيعقل؟
لكن القطة... أهي...!! أم أنها مجرد قطة عادية حولها خوفنا الشديد إلى شيء خيالي؟؟
وكنا حينها قد وصلنا إلى البيت... وقتها كنت أعتزم القيام بتحقيق واسع النطاق، لأكتشف إذا ما كنت قد وقعت ضحية مقلب من عدم ذلك، رغم أنه لدي حدس لا يخيب من أن ما حدث حقيقي، تعشينا وآوينا إلى مخادعنا نرتشف الشاي وبعض المكسرات، وكنت أهيئ نفسي لحملة من الأسئلة... أشنها على باسم هذا وعماد... الذي لابد أن يكون مشتركاً معه بالمؤامرة... عندما سمعنا صوت المواء ينطلق بصوت مرتفع، نظرنا إلى بعضنا ولم يفتني ما لاحظته على وجه باسم،
لقد تغير وجهه واحتقنت الدماء فيه، هل هو الخوف يا ترى من فعل به ذلك؟؟ أم أن شيئاً آخر يحدث؟؟ كان باب الحجرة لا يزال مفتوحاً، نظرنا من خلال الباب ولكن لم نرى أي قطة، عند ذلك وقف باسم وقال:
- سوف أذهب لأضع بعض الحليب لهذه القطة المسكينة... فهي تبدو جائعةً من خلال موائها.
كان قوله يشكل مفاجأةً أخرى، فلم أتوقع أن يقدم باسم على ذلك التصرف، خاصةً في مثل هذه الظروف المرعبة... كيف لا وقد أخرج علبة الحليب ووعاءً صغيراً وخرج من الغرفة، ليس إلى وسط البيت بل إلى الخارج... خارج البيت؛ نظرت إلى عماد فشاهدت علامات الدهشة على وجهه... والتي لم يستطع أن يخفيها، فقال:
- غريب ما قام به باسم... فأنا أعرفه جيداً، إنه لا يملك الشجاعة التي تجعله يخرج.
قلت له: ربما تعوّد وتآلف مع ذلك.
لم تفارق علامات الدهشة والاستغراب وجه عماد... مرت الدقائق بطيئةً مقلقةً، دقيقتين... ثلاثة... أربعة... ثمانية... ولم يرجع باسم، نظر إلي عماد وقال:
- لماذا تأخر، هل كل هذا الغياب من أجل وضع حليب للقطة؟؟
قلت له: لعله لا يوجد مبرر لغيابه، إلا أن يكون يتعمد ذلك لأجل شيء ما.
رد عماد: مثل ماذا؟؟
قلت له: ربما يريد أن يعبث معنا... وكل هذه الحكاية التي سمعناها منه مجرد مقلب يحيك أحداثه بتمثلية محكمة، إذا كان ذلك صحيحاً فهو موهوب جداً، وسيكون له شأن كبير لو يحترف فن التمثيل.
فقال عماد: لكن الحكاية التي رواها لنا عن المزرعة ليست من نسيج خياله، فقد سبق أن سمعتها من خالي ولكن بصيغة ملخصة، وباسم لا يمكن أن يدبر مقلباً.
فقلت له: فما الذي أخره، ولم أقدم على ذلك؟؟
كانت قد مضت حوالي ربع ساعة على خروج باسم، عندما قمت من مخدعي وقلت لعماد بأن نستطلع الأمر، أمسكت مصباحي الكهربائي وخرجت، وكذلك فعل عماد... خرجنا إلى خارج البيت... لكن لم يكن باسم هناك، أدرت المصباح هنا وهناك وناديت على باسم... ولكن لم يكن هناك سوى الصدى الذي انطلق من مكان بعيد... الظلام يخيم على كل أنحاء المزرعة... ما الذي يحدث فيها، لقد انتابني مزيج من الشعور بالقلق والخوف والرعب... فكنت أصرخ بهستيريا بااااسم باااااسم... وكذلك كان عماد يفعل، كنا ندور في حلقات بأضواء المصابيح القوية لنشكل دوائر بحث، لكن الأشجار الكثيفة كانت تعيق انطلاق ضوء المصابيح، فبالرغم من قوة المصابيح إلا أن أنوارها كانت لا تذهب بعيداً... وكأن الأرض أو الأشجار أو هذه المزرعة المرعبة كانت تمتص الضوء؛ قلت لعماد:
- لعله ذهب إلى ذلك المبنى الذي وجدناه فيه، دعنا نذهب إلى هناك.
إنطلقنا إلى اتجاه المبنى ونحن نمني أنفسنا أن نجد باسم هناك، انطلقنا ونحن نطلق الأضواء في كل الإتجاهات... وبأعلى أصواتنا كنا ننادي على باسم... ولكن... لا مجيب.
أخيراً وصلنا إلى ذلك المبنى، شيء مرعب يعتصر قلبي ودقاته تزداد... عماد أيضاً كان يشعر بالرعب، لقد لاحظت ذلك عندما أبطأ من مشيته... ليترك لي المجال للدخول إلى ذلك المبنى، إستعذت بالله من شر الشيطان الرجيم ودخلت... دخلت وأنا أقرأ سورة الفاتحة في سري... ودقات قلبي ترتفع وترتفع... وفي داخل المبنى أدرت المصباح... ولكن لم يكن باسم موجوداً، كانت أبواب الغرف مقفولةً، تشجعت ودفعت أحد الأبواب وأطلقت المصباح إلى داخل الغرفة... ولكن لم يكن هناك أحد، وكذلك في الغرفة الأخرى... لم يكن هناك أحد؛ أما الغرفة التي كنت أتحاشاها والتي شاهد فيها باسم الثعبان... فقد تركتها هي الأخيرة، بعد ذلك رددت الكثير من الآيات وفتحت باب الغرفة... وأطلقت نور المصباح بالداخل... لأرى ما لم أكن أتوقعه...
فقد كان في وسط الحجرة الوعاء وعلبة الحليب، يا إلهي... نفس الوعاء والعلبة، ما الذي أحضرهما إلى هذه الغرفة؟؟ أي عبث نتعرض له؟؟ أطلقت الضوء إلى جميع أركان الحجرة... فكانت خاليةً لا يوجد بها سوى أعشاش العناكب فقط... حتى تلك الشقوق كانت خالية، قلت لعماد بصوت حاولت جاهداً أن يكون طبيعياً: هيا لنخرج من هنا، فهذه ولاشك حيلة كبيرة ومقلب يديره باسم بإتقان تام، قلت ذلك مطمئناً لنفسي فقط، أما في أعماقي فقد كان هناك ذلك الشعور المبهم المثير المفزع، هذه المزرعة يقطنها الرعب، قال ذلك عماد بصوت اختلطت نبراته، ولكني كنت مصراً على ما قلته... بأن ذلك مقلب كبير.
خرجنا من ذلك المبنى بعد أن تأكدنا من خلوه من باسم، وعندما اجتزنا بابه الرئيسي: ميووووو... إنطلق ذلك الصوت بقوة غاضبة ودون سابق إنذار... أطلقنا ساقينا للريح، فقد بلغ منا الرعب مبلغاً لم نعد نحتمل معه التظاهر بأي شجاعة زائفة... ولكننا لم نبتعد سوى مسافة بسيطة لنتوقف ونغرق في ضحك عصبي، فقد انكشفت الأوراق... عندها قال عماد:
- هل تعلم أنني في غاية الفزع، وأن أعصابي لم تعد تتحمل المزيد.
قلت له: وأنا كذلك... ولكن ماذا نفعل، علينا أن نجد باسم... فقد يكون أصابه مكروه!!
إنبعث ذلك الشعور المبهم بالقلق... انبعث في أعماقي الشعور الذي خبرته هناك... في جبال أكاكوس... والذي جربته مراراً... الشعور بأن هناك المزيد من الرعب قادم، وأن شيئاً غير طبيعي وغير منطقي يحدث.
قال عماد: هيا نعود إلى البيت الذي نقطنه، لعله عاد إلى هناك.
قلت له: هيا بنا.
كنا نسير ونطلق أضواء المصابيح في كل مكان، من أجل البحث عن باسم وكذلك لنثير شيئاً من الطمأنينة بعد ما حدث، وصلنا إلى البيت، دخلنا ولكن... لم نجد باسم في البيت، نادينا عليه بأعلى صوت... ولكن لا حياة لمن تنادي، طلب مني عماد أن نذهب إلى الطاحونة، لعله ذهب إلى العجوز. خرجنا من البيت وصورة ذلك الإناء والعلبة لم تغادر ذهني...
ما الذي حمل ذلك الإناء والعلبة إلى تلك الحجرة بالذات؟؟
إذا كان باسم من فعل ذلك... فماذا يقصد من وراء ذلك؟؟
لا يمكن أن يكون ذلك مقلباً، فلم تكن هناك صداقة تربطني به... ولم أتعرف عليه إلا في هذه الأيام!!
لا يمكن أن يكون ذلك مقلباً... يا إلهي... إذا لم يكن مقلباً فهناك عفاريت تقطن هذه المزرعة... عفاريت مثل تلك التي تقطن جبال الجن وجبال أكاكوس.
عندما أطلقت ضوء المصباح على شجرة كبيرة، شاهدت ذلك الوميض الذي ينبئ بوجود عيون لحيوان ليلي يعكس الضوء، طلبت من عماد أن يسلط هو أيضاً ضوء مصباحه... لنشاهد ما جعل الدماء تتوقف في أوردتنا وتجعلنا نبعد الضوء بشكل تلقائي... فقد كان هناك ثلاث قطط بدت وكأنها حمراء اللون... ولو أن أعصابنا كانت تسمح بالانطلاق لانطلقنا هرباً... ولكن الموقف شل أعصابنا؛ هي مجرد قطط في المفهوم العادي... ولكن.. في هذا المكان.. وفي هذا التوقيت.. فهي تعني كل الرعب... القطة دليل للرعب، وليس هناك ما يثير الرعب أكثر من رؤية قطة سوداء في الظلام، فما بالكم في هذه المزرعة التي دارت حولها الأساطير وهجرها البشر وكل ما فيها يثير الرعب.
تذكرت كلام الرجل العجوز عندما قال: احذروا من القطة السوداء والقطط الحمراء، لقد شاهدنا القطة السوداء... وهاهي القطط الحمراء، فيا ترى ماذا يعنى ذلك؟؟ أبعدنا الضوء عن مكان القطط خوفاً ورعباً وأسرعنا الخطى... وعماد يقول أننا إذا وجدنا باسم في تلك الطاحونة... فلن نبيت ليلةً واحدةً في هذه المزرعة المشؤومة... ووافقته الرأي.
أخيراً وصلنا إلى الطاحونة، لنشاهد بصيصاً من الضوء... وذلك ما بعث بعض الارتياح لنفسي... فذلك يعني وجود الرجل العجوز، حتى وإن كان هو أيضاً يثير بعض الرعب والتساؤلات... فما من إنسان عاقل يقيم في هذه المزرعة؛ دفعنا الباب ودخلنا ونحن نطلق السلام... وفي تلك الطاحونة، كان جالساً ذلك الرجل العجوز على فراشه، حييناه... فنظر إلينا نظرةً خاليةً من التعابير، مددنا إليه يدينا للمصافحة... فصافحنا دون أن ينظر إلينا... وكأننا لسنا موجودين، قلت له: أين باسم؟ ألم يأتي إلى هنا؟؟
نظر إلي بنظرة خاوية بثت مزيداً من الرعب في نفسي... وكأنه لم يسمع سؤالي، وقال: أتبحثون عن حفيد عبد القادر؟؟؟
إنه هناك... بعيد... أشار العجوز بيده؛ وتوقف بعد ذلك عن الكلام... وعادت نظراته الزائغة الخاوية من المشاعر ترسم مزيداً من الغموض وعلامات الاستفهام على هذه المزرعة، لقد نطق العجوز بعبارة فجرت سيلاً فائضاً من التساؤلات... والمزيد من الرعب والخوف في قلوبنا، هذا العجوز على علم بكل شيء يجري في هذه المزرعة، لقد قال أتبحثون عن حفيد عبد القادر إذاً هو يعرف عبد القادر... ويعلم كل أسرار المزرعة، لاشك في ذلك... لقد أمضى فيها كل أيام شبابه وحيداً كما أخبرنا باسم، ولكن... يا إلهي... هل هذا العجوز من البشر؟؟ وإذا لم يكن من البشر، كيف لنا أن نعرف؟؟ كادت أنفاسي تنقطع عندما دارت هذه الأفكار بذهني... وارتفعت نبضات قلبي... وشعرت برعب هائل جداً، أيكون هذا العجوز عفريتاً؟؟؟
أدرت بصري إلى عماد وكأنني أتشجع بوجوده... فوجدت المسكين في حالة سيئة... وكأن ما دار في ذهني دار في ذهنه؛ نظرت نحو العجوز فوجدته ينظر إلى اللاشيء بنظرات زائغة خالية خاوية من جميع المشاعر... وقد ارتسمت بعض الظلال السوداء على وجهه، من انعكاس مصباح الغاز الذي كان يوقده، عندها كدت أن أطلق ساقي للريح... عندما تكلم العجوز مرةً أخرى بصوت بث مزيداً من الرعب في قلبي:
- ألم أحذركم من القطط؟؟ لماذا لم تذهبوا بعيداً؟ لقد أضعتم حفيد عبد القادر. أسناني أصبحت تصطك وركبتاي لم تعودا قادرتين على حملي، فجلست على أريكة خشبية قديمة، كذلك كانت قد فعلت كلمات العجوز بعماد مثل ما فعلت بي، غير أن عماد استطاع أن يطلق همهمةً من الكلمات، تبينت منها سؤاله للعجوز عن باسم وكيف أضعناه وهل أصابه مكروه وأين نجده!! لكن العجوز أشار بيده مرةً أخرى إلى البيت الذي نقطنه... وأشاح بوجهه عنا وعادت نظراته إلى التيه؛ ورغم سيل الأسئلة الذي أطلقه عماد، إلا أنه لم يعد يعيرنا أي اهتمام... وكأننا غير موجودين، قلت لعماد بأن نعود... فربما يكون باسم قد عاد إلى البيت.
خرجنا من الطاحونة بسرعة... وكأننا نفر من تجسيد للرعب جسده العجوز في شكله وتصرفاته، كانت المسافة بين الطاحونة والمبنى الذي نقطنه بعيدةً بعض الشيء، لكننا كنا نسير في عجلة من أمرنا، نطلق أضواء المصباح في كل مكان، لنبث ونحرك البقية الباقية من الشجاعة في نفوسنا، وما زاد الرعب في قلوبنا وضاعفه أننا كنا نشاهد تلك العيون التي تنعكس على أضواء المصابيح، عيون القطط... وأخيراً لاح لنا ذلك المبنى جاثماً في الظلام... وكأنه منزل دراكولا أو منزل الغول الأسود في تلك الأساطير المرعبة، كان الصمت والسكوت يخيم على المبنى... وعند وصولنا شاهدنا تلك القطة السوداء تخرج من باب البيت... وهي تنظر إلينا نظرةً قضت فيها على كل الطمأنينة لدينا، وجاءت ردة فعل عماد في تلك الصرخة الهستيرية التي أطلقها: باااااااااااسم بااااااسم، لأصاب بنفس الهستيريا وأصرخ: بااااااسم بااااااسم... أين أنت؟؟ فجأةً سمعنا صوت باسم يقول: ماذا حصل؟؟؟ لحظات وخرج باسم من المبنى وهو يصرخ: ماذا حدث؟؟ ما بكم؟؟؟
كانت مفاجأةً لنا... هاهو باسم بشحمه ولحمه لم يصبه أي مكروه، انقطعت أنفاسنا ونحن ننظر إليه... وكأننا نرى فيه شبحاً أو نراه لأول مرة... كانت نظرات الذهول والدهشة: من أين أتى باسم؟؟ وأين كان؟؟ وماذا عن القطة السوداء التي خرجت من المبنى؟؟ لحظات صمت رهيبة قطعها باسم عندما قال:
- ما بكم؟ أنا آسف جداً... شغلتكم علي، لقد ذهبت إلى الرجل العجوز لمناقشة بعض أمور المزرعة معه، ولم أكن أتوقع أن أشغلكم علي إلى هذه الدرجة، إني أكرر أسفي. قال ذلك ثم قال: هيا لندخل إلى الداخل... فقد أعددت لكم الشاي.
دخل ودخلنا خلفه... وكأننا أفراد مسلسل للرعب، لم أستطع أن أتكلم، فقد ألجمت المفاجأة لساني، لكن عماد انطلق بكل تلك المشاعر المكبوتة... انطلق ليطلق سيلاً من الغضب والملامة، ومعه سيل من الأسئلة على باسم، فقد قال له أن تصرفاته صبيانية... وأنه نادم على الحضور معه... وأن ما فعله لا يبدر من إنسان عاقل.
كان عماد المسكين في حالة يرثى لها، فباسم ابن خاله وهو أكبر منه، ويعرف أن الملامة سوف تقع عليه، كذلك حالة الرعب التي عاشها كانت قد ألقت بظلالها... ولهذا لم يتوقف عن الصراخ وإلقاء الاتهامات إلى باسم... بأنه يتصرف خطأً... وأنه شغلهم... و و... وباسم المسكين لم يتكلم بغير الأسف، وعماد يرتفع صوته بالصراخ ويرتفع وفجأة... ميوووو ميووووووو ميووووو.
إنطلق ذلك المواء الغاضب بقوة ليرتجف معها عماد ويتوقف عن الكلام، نظرنا بشكل غريزي إلى وسط المبنى، لكن لم يكن هناك أحد، توقف صوت المواء وتوقف عماد عن الصراخ، وجاء رد باسم ليقول أنها مجرد قطة!!! يا إلهي... هناك شيء غريب قد حصل لباسم... لا شك في ذلك؛ قلت لعماد:
- كفى يا عماد، هي غلطة من باسم وتأسف عليها ونحن نسامحه، هيا لنشرب الشاي.
كانت بجعبتي مجموعة من الأسئلة أردت طرحها على باسم، لكني كنت أريد ذلك بشكل سلس؛ شربنا الشاي وقلت لباسم: هل وجدت العجوز يا باسم؟
فأومأ برأسه علامة الموافقة،
قلت له: ولكنك خرجت لتضع بعض الحليب للقطة فهل فعلت ذلك؟؟
قال: نعم، لقد وضعت الحليب وذهبت.
قلت له: ولكننا لم نجد الصحن ولا العلبة بالخارج عندما بحثنا عنك.
فقال: لا أدري، لقد تركتهما بالخارج.
فتدخل عماد وقال: ولكننا وجدناهما في ذلك المبنى... وفي الحجرة التي رأيت أنت فيها ذلك الثعبان... فمن حملهما إلى هناك؟؟ هل هو أنت؟؟
قال باسم: لقد وضعت الحليب للقطة ولم أحمل لا العلبة ولا الصحن إلى ذلك المبنى، ولا أعرف كيف وصلا إلى هناك.
كانت ملامح وجهه توحي أنه يكذب،
باسم هذا يخفي شيئاً،
هناك أمور غريبة تحدث،
لماذا ذكر ذلك العجوز كلمة حفيد عبد القادر،
لابد أنه يعلم ما يدور في هذه المزرعة المرعبة،
لم أتكلم ولم أعلق على كلام باسم، رغم أنني لم أرفع عيني عن وجهه في محاولة لسبر أغواره، لكنه كان يتحاشى النظر إلي، قال عماد:
- سوف نغادر المزرعة في الصباح، لن أبقى في هذه المزرعة المرعبة.
وافقته الرأي... ونظرنا إلي باسم نستطلع رأيه في كلامنا... وكانت المفاجأة عندما قال:
- ولكننا اتفقنا على أن نبقى لعدة أيام، ماذا حدث لكم!! ما المخيف في هذه المزرعة؟ أتخافون من مجرد قطة؟؟ وضحك ضحكةً عصبيةً لا تعبر عن شيء.
لكن عماد أصر على أن نغادر المزرعة صبيحة اليوم التالي، فقال باسم:
- ولكني لازلت أرغب في البقاء... فهناك بعض الأعمال علي القيام بها.
فقال له عماد غاضباً: ما هذه الأعمال والتي لم تحدثنا عنها إلا الآن؟؟
فقال باسم: ربما أتفق مع بعض العمال لإجراء بعض الصيانة والتنظيف وحرق الحشائش الزائدة، فالرجل العجوز لم يعد قادراً على فعل ذلك.
قال عماد: ومتى تريد أن تفعل ذلك؟؟
قال باسم: غداً سنذهب إلي القرية القريبة من هنا لإحضار بعض العمال.
الغريب في الأمر أن باسم كان يتحدث بمنطقية مقنعة... وكأنه لم يحدث شيء، هناك ما يخفيه هذا الباسم لا أعرفه... ولأني أعتبر نفسي ضيفاً، وقد تعودت أن لا أفسد أي رحلة بإصراري على موقف معين، فقد تركت النقاش يدور بين عماد وابن خاله واكتفيت بالسمع فقط.
قال عماد: وكم يوماً تستغرق أعمال النظافة هذه؟؟
قال باسم: لا أدري... ولكن ليس أكثر من خمسة أيام أخرى.
قال عماد: يا إلهي، هل سنبقى في هذه المزرعة خمسة أيام أخرى؟؟ باسم أنت تخفي عنا شيئاً... صارحنا ما الذي يحدث معك؟؟ أنت تعلم أنني ابن عمتك وقد كبرنا معاً... وأنا لا أريد أن تصاب بسوء، أنا متأكد من أن هناك أموراً غريبةً تحدث في هذه المزرعة... وأن هناك أشباحاً تقطنها... وعلينا أن نبتعد عنها... ألم تلاحظ أنها مهجورة لا يأتي أحد إليها، حتى خالي أخبرني أنها مسكونة... ولو كان موجوداً لمنعنا من الحضور إليها، أترى كل هذه الأشجار المثمرة وهذه الطبيعة... أيعقل أن تترك هكذا لولا أن هناك شيئاً غريباً مخيفاً يتواجد هنا... باسم نحن نخاف عليك أن تتكرر معك حكاية جدك عبد القادر... أيمتلك إنسان عقلاً ويعيش في هذه الخرابات المهجورة وهذه المزرعة المرعبة... لقد أردنا أن نكتشفها فقط وليس أن يصاب أحدنا بأي أذى.
كانت الكلمات تخرج من فم عماد بشكل عصبي، ينبئ بتلك المشاعر الثائرة التي تتأجج بها نفسه، نتيجة الرعب ونتيجة خوفه وحبه لابن خاله. عندما توقف عماد عن الكلام قال باسم:
- ولكني لم أصب بأذى... وليس هناك شيء يؤذيني... فلم الخوف؟؟؟
قال عماد: لقد أصبحت تصرفاتك غريبةً جداً، ألم تلاحظ ذلك. والتفت عماد إلي وقال: أليس ذلك صحيح؟؟
فقلت وأنا أنظر إلى باسم: إن ابن عمتك يحبك ولا يريد أن تتأذى، ولا يريد أن يصيبك ما أصاب جدك فتكون أسيراً في هذه المزرعة.
قال باسم: ولكن جدي لم يبق في المزرعة إلا سنةً واحدةً فقط، بعد ذلك هرب منها واتجه إلى مدينة بعيدة، تزوج هناك ورزق بمولود واحد فقط، بعد ذلك أصيبت زوجته بالجنون وقفزت من على الجبل وانكسر عنقها... وبقي الطفل مع جدي الذي كان يتنقل به من مدينة إلى أخرى... وتزوج مرةً ثانيةً، لكنه لم يوفق في زواجه، فقد هربت زوجته وتركت البيت واضطر أن يطلقها... وفي المرة الثالثة عندما تزوج، أصيبت زوجته بالعمى... فاضطر أن يطلقها ليعود إليها بصرها... فقرر عدم الزواج. وعندما أدركه الموت ترك لإبنه ميراثاً لا بأس به من الدنانير الذهبية وسند ملكية المزرعة... لكنه أوصاه بعدم الإقامة فيها، ومنذ ذلك الحين والعائلة تتوارث المزرعة والوصاية بعدم الإقامة فيها.
عند ذلك صرخ عماد مندهشاً وقال: ولكني لم أسمع قط هذا الجزء من القصة، لا منك ولا من خالي ولا من أمي، فمن أخبرك بذلك؟؟
إنفجرت براكين من الحيرة في داخلي، صحيح لم نسمع هذا الجزء من القصة من قبل، فمن أين أتى بهذا الجزء؟؟؟
قال باسم: لقد أخبرني العجوز بذلك.
وزادت الحيرة في نفسي: أيكون باسم يكذب!! العجوز لا يتكلم كثيراً، فكيف أخبره يا ترى؟؟ هل... هل... لا... لا يمكن، لقد ذهبت بعيداً بتصوري، ولكن... لا شيء غريب، فقد شهدت أحداثاً أغرب من الخيال في جبال أكاكوس، المهم قررت أن أترك الأمور تجري كما تشاء واكتفي بالمراقبة فقط.
إنتهى النقاش وآوينا إلى مخادعنا، أقفلت باب الغرفة بإحكام شديد ووضعت حقيبةً كبيرةً خلفه، أضعفت المصباح الغازي قليلاً، تعوذت بالله من الشياطين والعفاريت وأغمضت عيني. لكني لم ولن أستغرق في النوم، كنت أشعر أن شيئاً سوف يحدث، حاستي السادسة تخبرني بذلك، تلك الحاسة التي لم تخذلني على الإطلاق، أصوات عديدة تتطرق إلى سمعي، مثل عواء الذئاب... وأصوات الطيور الليلية... وصوت المصباح الغازي... ولا أدري كم بلغت الساعة... ولا ما الذي يحدث عندما...