الذين يقررون مثل هذه العقيدة هم المرجئة
تعريفهم
فإن المرجئة -أو فكرة الارجاء- ظهرت في آخر القرن الأول الهجري، في الكوفة، وأول من تكلم في ذلك هو حماد بن أبي سليمان.
والمرجئة: اسم فاعل من الإرجاء، وهو التأخير، تقول أرجأت كذا: أخرته، ومنه قوله تعالى:قال أرجئه أي أخره.
ويطلق الارجاء على إعطاء الرجاء: تقول: أرجيت فلانا، أي أعطيته الرجاء، وإطلاق المعنى الأول على الفرقة المبتدعة هو المقصود لأنهم يؤخرون العمل عن الإيمان
ويجوز أن يكون مأخوذا من المعنى الثاني لأنه حكي عن غلاتهم أنه: لا تضر مع الإيمان معصية، ولا تنفع مع الكفر طاعة، فيعطون بذلك المؤمن العاصي الرجاء في ثواب الله تعالى.
وقد قسم أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري المرجئة إلى عشر فرق في كتابه مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين.
وهذه الفرق أهم أقوالها: أن الإيمان مجرد تصديق القلب ومعرفته بالله تعالى، وإن الكفر هو الجهل به، وهو قول جهم بن صفوان رأس الجهمية.
الثاني: قول محمد بن كرام رأس الكرامية: إن الإيمان هو التصديق باللسان دون القلب.
الثالث: قول مرجئة الفقهاء: أبو حنيفة ومن معه: إن الإيمان اعتقاد بالقلب ونطق باللسان، لا يزيد ولا ينقص، ولا يعدون عمل الجوارح من الإيمان.
والحاصل أن فكرة الإرجاء ظهرت أول ما ظهرت في أواخر القرن الأول الهجري، ولمزيد من المعلومات عن المرجئة يرجى الاطلاع على كتاب مقالات الإسلاميين لأبي الحسن الأشعري صفحة 46 وما بعدها
رد العلماء عليهم
رد ابن تيمية على المرجئة
بالاجمال ثم فصل الرد، ورد عليهم أيضاً ابن حزم مستدلاً بقول الله تعالى:
إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ [الحجرات:15]، أي: الصادقون في إيمانهم، فقال: (( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا ))، فجعل عدم الارتياب -وهو الشك- والإيمان سواء وهما من عمل القلب، ثم قال: (( وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ )) وهذا عمل الجوارح، فبمجمل هذه الأفعال الإيمان، ونفي الارتياب، والمجاهدة في سبيل الله بالمال والنفس، يصدق عليه أن يكون مؤمناً صادقاً، فهذا رد على المرجئة الذين لا يدخلون الأعمال في الإيمان. وأيضاً قال الله تعالى: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [النساء:65]، فتحكيم شرع الله غير الإيمان، فالإيمان محله القلب، والتحكيم محله الجوارح وهو اعتقاد القلب بأن الرب هو السيد الآمر الناهي المطاع، وجعل التسليم أيضاً غير الإيمان، فالتسليم عمل من أعمال القلوب، وهذا فيه رد على غلاة المرجئة الذين ينفون أيضاً أعمال القلوب من مسمى الإيمان، وإن كان غالبهم من مرجئة الفقهاء يدخلون أعمال القلوب في مسمى الإيمان، فهذا رد شيخ الاسلام وابن حزم على هؤلاء المرجئة، ولقد رد ابن تيمية بنفس طويل في كتاب الإيمان على المرجئة في ذلك، وبين أن الأعمال متلازمة مع الإيمان، فإذا انتفى اللازم انتفى الملزوم، وأوضح ذلك بضرب الأمثلة على ذلك منها قوله: لا يتصور في رجل يقول: رضيت بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً ورسولاً، ثم بعد ذلك لا يسجد لله سجدة، ولا يتصدق لله بدرهم، ولا يطوف حول البيت، بل هذا ليس في قلبه إيمان البتة، وكذلك قال: إن الإيمان الذي في القلب إن كان تاماً ظهر ذلك على الجوارح، ثم نقل تأكيداً لكلامه عن الحسن أنه قال: الإيمان ما وقر في القلب وصدقه العمل، ولقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله)، وهذه المضغة هي مضغة القلب. ......
والله أعلم